التباطؤ العالمي.. هل يغير خارطة التحالفات الاقتصادية

بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي:

التباطؤ العالمي.. هل يغير خارطة التحالفات الاقتصادية؟

 صادق:

    • الدول الكبرى تُعيد هندسة تحالفاتها بالتركيز على الاقتصادات الناشئة
    • التفاوض بين الدول أكثر مرونة من التفاوض بين التكتلات
  • توقعات بتعزيز الشراكة الاقتصادية بين دول المجلس وبريطانيا

مسلم:

  • التحالفات التقليدية باقية ولكن المصالح تقود
  • لا نرى في الأفق بركاناً سيبرز جزر ويخفي أخرى
  • كوريا الجنوبية والبرازيل واليابان دول تتعافى
  •  

الطه:

  • كافة الخيارات مطروحة ولا ثوابت عند الحديث عن المصالح
  • التقارب الاقتصادي الروسي التركي بعد التأزم السياسي مؤشر على قوة المصالح
  • بريطانيا تؤخر التوقيع على المادة (50) من اتفاقية لشبونة للتهيئة للقفز لقارب آخر غير قارب الاتحاد الأوروبي

 خاص “استثمارات”:

استطلاع / ليلى محمد

يرى الكثيرون أن ما يحدث حالياً من تباطؤ ملموس، للاقتصاد العالمي، هو دورة تاريخية ضمن سلسلة دوراته التقليدية، وهو من دون شك تصحيح هيكلي لتداعيات الأزمة المالية العالمية في العام 2008، التي تركت جرحاً غائراً لدى العديد من الدول تمثلت في تنامي حجم مديونياتها وتهديد بنيتها واستقرارها المجتمعي ومكانتها الاقتصادية الدولية.

 ولا شك في أنه مهما تعدّدت أسباب الأزمة العالمية التي طرب البعض فرحاً وواهماً الظن والحسابات الخاطئة من انقشاع غمتها لغير رجعة، فإننا لا بد أن نعترف بأن نذر تلك الأزمة ما زالت باقية بل هي فيروس ما زال قابعاً في جسد الاقتصاد العالمي بدرجات متباينة، لتتشكل ملامح مرحلة أو حقبة ضبابية من التباطؤ الاقتصادي العالمي يستعصى فهم مدلولاتها أو توقع أين يكمن الضوء في نهاية النفق، فالبعض يغرد قائلاً:  إن تباطؤ معدَّلات نمو العملاق الصيني والمحرِّك للاقتصاد العالمي، هو ما أسهم في تباطؤ الاقتصاد العالمي، فيما يفند آخرون مسببات ذلك التباطؤ لتهاوي أسعار النفط، والتي خالفت وما زالت تناقض تصريحات وتوقعات جهابذة الصناعة النفطية العالمية باعتبار أسعار النفط، كما جرى العرف وحسب دراسات دولية، بأن انخفاضها مدعاة لتحفيز الاقتصاد العالمي، ولكن ما يحدث العكس، إذ على الرغم من انخفاضها فإن الاقتصاد العالمي ما زال في وضعية التباطؤ.

إزاء تلك التناقضات على مشهد الاقتصاد العالمي يسطع لنا أحد السيناريوهات من الوزن الثقيل، وهو خروج بريطانيا من مظلة الاتحاد الأوروبي بعد أن أرادت أن تتملص من هيمنة تصدر قيادة ألمانيا للقطار الاقتصادي الأوروبي.

ولا شك في أن ذلك السيناريو الذي هو نتيجة من نتائج التباطؤ العالمي المستمر حتى إشعار آخر، ويما يعني أن مزيداً من السيناريوهات على صعيد إعادة خارطة تشكيل التحالفات الاقتصادية، قد يكون أمراً سنرى تكراره، ولاشك أيضاً في المستقبل ما دامت دول العالم في حراك مستمر للبحث عن تحالفات جديدة ترتبط بمصالح جديدة.

قامت “استثمارات” باستطلاع آراء عدد من الخبراء الاقتصاديين حول ملامح مرتقبة لإعادة تشكيل خارطة التحالفات الدولية الاقتصادية.. حيت كانت آراؤهم:

تأمين مصالح

يقول الخبير الاقتصادي الدكتور على توفيق الصادق، مدير إدارة السياسات الاقتصادية بصندوق النقد العربي سابقاً، بأنه جرى العرف في الأدبيات الاقتصادية بأن التحالفات الاقتصادية العالمية دائماً في حالة من الحراك المستمر بحثاً عن تأمين مصالح آنية ومستقبلية مع تغيير معطيات عديدة على ساحة الاقتصاد العالمي مما يعني عدم وجود قاعدة ثابتة تسير في نسقها تلك التحالفات الدولية، فضلاً على التكتلات الدولية، أو حتى الاتفاقيات الثنائية بين الدول بعضها البعض، مشيراً بأن الاقتصاد العالمي يصعب توقع مساراته الآنية، نتاجاً للتغيير في حسابات الغرم والغنم لبعض الدول إزاء تباطؤ معدَّلاته وبالتبعية تأثيره على إعادة خيارتها إزاء الانضواء أو الخروج من تحالفات اقتصادية.

بريطانيا نموذج

 ودلل الصادق على كلامه، بكون وقع نجاح التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي كان وقعاً مفاجئاً بكافة المعطيات والمعايير، وذلك حتى اللحظة الأخيرة، بل إن رئيس وزراء بريطانيا السابق، ديفيد كاميرون نفسه ومهندس الاستفتاء، أكد عند بدء ترشحه للانتخابات، أن بريطانيا باقية في الاتحاد الأوروبي، بل من المدهش أنه قبل حتى إعلان التصويت بيوم واحد، كانت جل المؤشرات تؤكد أن بريطانيا باقية تحت مظلة الاتحاد ومحيطها الأوروبي.

ويضيف الصادق: لا شك في أن التصويت بالخروج البريطاني جعل البريطانيين أنفسهم في حيرة، لأنه لا يوجد رأي واحد على الفائدة المتوقعة لبريطانيا من الناحية الاقتصادية”، فهناك آراء وكتابات تتوقع فوائد لعامل الحرية في تشكيل الخارطة والتحالفات الاقتصادية وفقاً للمصالح، وهناك كتابات أخرى تتوقع خسائر، لأنه المحيط الاقتصادي والتجاري الحيوي هو الجار الأوروبي.

وأكد الصادق بأن تلك الوضعية ستعني بروز دول أخرى تحاول أخذ مكانة بريطانيا كمركز مالي عالمي.

تحالفات متوقعة

وعلى صعيد التحالفات المتوقعة لبريطانيا بعد التصويت بالخروج، فقد نوه الصادق إلى أن هناك وجهات متعدّدة أمام البريطانيين كحلفاء متوقعين على الصعيد التجاري والاقتصادي، وفيما تبرز دول مجلس التعاون الخليجي كوجهة لتحالف اقتصادي واستثماري أعمق مع بريطانيا، فقد أكد الصادق، أن ذلك سيخلق فرصة للجانبين، وذلك على الرغم من قوة الشراكة الاقتصادية بين كل من دول المجلس وبريطانيا منذ عقود، ووجود دور محوري للاستثمارات الخليجية والعربية في الاقتصاد البريطاني ولاسيما في قطاعات العقارات والمال. ولكنه ألمح لسهولة ذلك الأمر مقارنة باستمرارية تعقد التفاوض ضمن منظومة اتفاقيات الشراكة الخليجية الأوروبية والمستمرة منذ 25 عاماً دونما أي فائدة أو تقدُّم ملموس، إذا جرت العادة، أن التفاوض مع دولة ليس كالتفاوض مع تكتل أو مجموعة دول.

التكتلات الناشئة

وحول مدى تغيير تحالفات أنشئت حديثة وقائمة بالفعل لاسيما على صعيد ما يُعرف بالدول الناشئة، وعلى سبيل المثال مجموعة “دول البريكس”، والتي تضم عدداً من القوى الاقتصادية الناشئة، كالبرازيل والصين وروسيا وجنوب أفريقيا فقد أكد الصادق أن تلك الدول تعمل وفقاً لاتفاق الشراكة بينهم وضمن منظمة متشابهة المعطيات الاقتصادية، ولا يسمحوا بالمنافسة بينهم.

الصين

وأكد الصادق: أن ضعف نمو العملاق الصيني ليس سبباً رئيسياً في التباطؤ الاقتصادي العالمي، حيث كان نمو الاقتصاد الصيني في فترة الطفرة يناهز من 10 – 11 بالمائة، لأن الصين كانت آنذاك في مسار النمو والتشكل على الخارطة الاقتصادية العالمية، في حين يبلغ معدَّل النمو حالياً من 6 – 7 بالمائة، فيما يرى أن الهند تحقق معدَّلات نمو جيدة على الرغم من التباطؤ العالمي، وتوقع صادق أن تتجه وتيرة تحالفات الدول الكبرى إلى الدول النامية نظراً لما تتمتع به تلك الأخيرة من معدَّلات نمو مرتفعة وفرص وأسواق واعدة.

أزمة النفط

وأكد الصادق: أنه لا يمكن استبعاد الدول النفطية من مشهد الولوج في تحالفات جديدة، نتاجاً لتأثر موازنيها ومجمل أوضاعها الاقتصادية مع انخفاض الأسعار العالمية للنفط. لاسيما مع صعوبة التكهن بمستقبل تلك الأسعار على المدى القريب وفي ضوء الاختلاف فيما بينها على الاتفاق كـ”إيران”، التي لا ترغب في التقييد بأي اتفاقيات لتجميد الإنتاج لتعويض خسائرها فترة ما قبل العقوبات، وعدم وضوح الموقف الروسي.

لا تحالفات جديدة

من جانب آخر يرى الخبير الاقتصادي رضا مسلم، المدير الشريك في “تروث للاستشارات الاقتصادية”، أن حقبة التباطؤ الحالية والتي هي امتداد لتداعيات الأزمة العالمية في 2008، تؤكد عدم حدوث أي تغيير مرتقب في خارطة التحالفات وبالأخص على صعيد الدول المؤثرة كالولايات المتحدة والصين، فيما سيبقى التأثير من جانب الاقتصادات الناشئة محدوداً حتى لو حققت معدَّلات نمو مرتفعة.

وأكد مسلم، أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ستبقى حالة وحيدة وغير قابلة للتكرار، حيث إن ذلك لن يعني انهيار الاتحاد الأوروبي أو افتقاد تأثيره. وقال: “إنه حتى نفهم التباطؤ العالمي لا بد من فهم “المياكنيزم” الذي يستند عليه النظام المالي العالمي وهو القطاع المصرفي العالمي والإقراض المفرط”. كما أرجع مسلم، أزمة انخفاض أسعار النفط، نتيجة لضعف نمو الاقتصاد الصيني ولكن ليس ذلك السبب الوحيد، فهناك معطيات كالتقدير الخاطئ حول حجم الطلب ومعدَّلات المعروض، ودخول النفط الصخري وغيرها من معطيات متشابكة ومعقدة.

بروز دول

ونفى مسلم توصيف التباطؤ العالمي كبركان سيسفر عن بروز جزر صغيرة وزوال أخرى، ولكن ستبرز دول أخرى كان تأثرها بالأزمة العالمية أقل وبدأت تتعافى كوريا الجنوبية، واليابان والبرازيل، كذلك خروج إسبانيا وإيطاليا من براثن الأزمة العالمية، وكذلك بدء تعافي الأرجنتين فضلاً على عدم إغفال استراليا وقوة اقتصادها وهذه الدول ستندفع في ضوء تحسن أوضاعها الاقتصادية للولوج في تفاوضات مع تحالفات أو دول أخرى من باب تأمين وزيادة مصالحها.

منظومة التعاون

وقال مسلم: “إن دول مجلس التعاون الخليجي باتت لاعباً رئيسياً على خارطة الاقتصاد العالمي والتكتلات الاقتصادية، حيث تقوم بدور بارز على صعيد قطاعات محورية كالسياحة العالمية، والتسهيلات البحرية والإمدادات اللوجستية، والمطارات الحديثة، والنقل والتخزين، ومصدر للاستثمارات العالمية، وملاذ استثماري آمن للعالم كله، وتبدو الإمارات إضافة لاستحواذها على كل ما سبق، كأكبر دولة جاذبة للاستثمار الأجنبي المباشر، مع التشريعات المتطوّرة حرية تنقل رؤوس الأموال فوائض مالية هائلة.

وأكد أن ما سيحدث هو تذبذبات وتغييرات طفيفة لكون التحالفات الاقتصادية تضاهي سلة العملات والتي يطرأ عليها تذبذب بين الحين والآخر.

لا ثوابت

ويقول وضاح الطه الخبير الاقتصادي: “إن المصالح الاقتصادية في ظروف عدم التأكد تكون كل الخيارات المفتوحة لا توجد ثوابث في السياسة الدولية بقدر ما يوجد مصالح، وعندما تلتقي المصالح يحدث تلاقياً ونوعاً من التحالف، وقد يأخذ التحالف أشكال تحالف إما محدود أو موسع أو مؤقت، وأكد أن بريطانيا عقب التصويت بالخروج لن تقف ساكنة، بل ستحاول البحث عن إحياء “الكومنولوث” مرة أخرى طالما أنها كانت ملزمة بتوقيع اتفاقيات ثنائية مع أكثر من 53 دولة، تمثل اتفاقيات معها غير مباشرة عبر توقيع الاتحاد الأوروبي على تلك الاتفاقيات.

تحالفات وأولويات

وفي حال استكمال الخروج، فإن بوصلة السياسة الاقتصادية الخارجية البريطانية ستستهدف الدول التي لها أولويات ومصالح، وعلاقات قوية مثل الولايات المتحدة، استراليا، وكندا، وتليها بالمرحلة الثانية الدول الناشئة الكبيرة، كالصين والهند، فضلاً على التكتلات الإقليمية وعلى الصدارة منها دول مجلس التعاون الخليجي.

التحالف الروسي التركي

ويقول الطه: “إن هناك تغييراً بنحو 180 درجة بين تركيا وروسيا بعد التناقضات والتأزم السياسي منذ أشهر قلائل، ليتم التفاوض على مصالح اقتصادية مشتركة، وأيضاً نماذج أخرى من التحالف كعودة الطيران الروسي لمصر، حتى أن هناك ملامح ومؤشرات تقارب اقتصادي تركي مصري”.

ويرى الطه، أن التحالفات قد تكون متشابهة أو حتى متناقضة ولها أبعادها السياسية والأيدلوجية ففشل الانقلاب في تركيا خلق تقارباً كبيراً على صعيد المصالح الاقتصادية بين تركيا وروسيا.

وقال: “إن هناك انتقاءً للتحالفات ولا يوجد مجموعات، والدول الناشئة لديها أكثر من مفهوم لتصنيفها، وعلى سبيل المثال رغماً من اقتراب الهند من القوى الاقتصادية الغربية فهي الآن تتقارب مع روسيا كانت اتفاقيات لبناء مفاعلات نووية وحصرة لشراء مصفاة في الهند وهذا ما تسعى إليه اليوم بريطانيا، حيث تؤخر التوقيع على المادة (50) من اتفاقية لشبونة، حتى تسعى لتهيئة نفسها والانتقاء للقفز من زوق الاتحاد الأوروبي لزورق آخر سبق أن أعدت له في الوقت المناسب.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد