د. ياسين محمد العلي: اقتصاد القدرة وصعود الدولة الجيواقتصادية

ملخص \ يقدّم د. ياسين العلي في مقاله قراءة معمّقة لمفهوم اقتصاد القدرة باعتباره إطاراً جديداً لفهم القوة الاقتصادية في النظام الدولي، حيث لم تعد المكانة تُقاس بحجم الموارد وحدها، بل بقدرة الدولة على إنتاج "الثقة النظامية" عبر بيئة مؤسسية مستقرة وفاعلة. ويبرز الإمارات كنموذج متقدم لهذا التحول؛ إذ تجاوزت الأرقام الكلية للناتج المحلي لتبني منظومة مؤسسية متطورة تشمل مناطق حرة، مراكز مالية مستقلة، قضاء تجاري حديث، وتحول رقمي واسع، ما عزّز قدرتها على جذب الاستثمار طويل الأجل وخفض كلفة المعاملات. ويستشهد الكاتب بتقرير Henley & Partners 2025 الذي وضع الإمارات في صدارة الدول المستقطبة لأصحاب الثروات العالية، مؤكداً أن هذا التدفق يعكس إعادة توزيع مراكز القرار المالي عالمياً. كما يوضح أن النقد الإعلامي والسرديات التنافسية التي تواجهها الدولة ليست سوى انعكاس لوزنها المتزايد في النظام الدولي، وهو ما يندرج ضمن مفهوم اقتصاد السمعة الذي يجعل الصورة الدولية عاملاً استراتيجياً في تكلفة رأس المال وجاذبية الاستثمار. في المحصلة، يرى العلي أن الإمارات تتحول تدريجياً إلى دولة جيواقتصادية قادرة على إعادة رسم خريطة النفوذ المالي العالمي.

يشهد النظام الدولي تحوّلًا هادئًا لكنه عميق الأثر في تعريف القوة ذاتها. فمع تسارع حركة رأس المال الخاص وتزايد سيولة الحدود المالية، لم تعد المكانة تُبنى على حجم الموارد بقدر ما تُبنى على جودة البيئة المؤسسية. في هذا السياق، برز ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد القدرة» بوصفه إطارًا تحليليًا لفهم الدول التي نجحت في تحويل الاستقرار إلى أصل تنافسي، والكفاءة التنظيمية إلى رصيد جيواقتصادي قابل للتراكم.

تتجاوز دلالة التحول الاقتصادي حدود ارتفاع الناتج المحلي أو تنويع مصادر الدخل إلى مستوى أعمق يتمثل في قدرة الدولة على إنتاج «الثقة النظامية»؛ أي بناء منظومة قواعد مستقرة تخفّض عدم اليقين وتقلّص كلفة المعاملات، بحيث يصبح الاستقرار خيارًا عقلانيًا لرأس المال لا مجرد ظرف ملائم له. وعندما تنجح دولة ما في تحويل هذا النوع من الثقة إلى بنية مؤسسية راسخة، فإنها تنتقل من كونها اقتصادًا متنوعًا إلى ما يمكن توصيفه بـ«دولة جيواقتصادية». في هذا الإطار تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها مثالًا على تشكل هذا النموذج، حيث تتحول القدرة المؤسسية إلى عنصر فاعل في إعادة توزيع مراكز القرار المالي عالميًا.

تشير بيانات International Monetary Fund لعام 2024 إلى أن الناتج المحلي الإجمالي للإمارات يناهز 600 مليار دولار أمريكي، ما يضعها ضمن شريحة الاقتصادات مرتفعة الدخل، بينما تصنفها بيانات World Bank ضمن فئة الدخل المرتفع مع استمرار تنامي مساهمة القطاعات غير النفطية. غير أن الأرقام الكلية لا تكفي لتفسير التحول البنيوي؛ فجوهر المسألة يكمن في البنية المؤسسية التي تبلورت خلال العقدين الماضيين: مناطق حرة متخصصة، مراكز مالية ذات أطر قانونية مستقلة، قضاء تجاري حديث، وتحول رقمي واسع خفّض كلفة المعاملات وعزّز اليقين القانوني.

في هذا النموذج، لا تُقاس الكفاءة بسرعة الإجراءات فحسب، بل بقدرة النظام على إنتاج ثقة مستقلة عن الأفراد، قائمة على استقرار القواعد واستمرارية المؤسسات. وهو ما يتسق مع أطروحات دوغلاس نورث حول الدور الحاسم للمؤسسات في خفض كلفة المعاملات بوصفها الشرط البنيوي لقيام اقتصادات قادرة على جذب الاستثمار طويل الأجل.

يتجلى هذا التحول بوضوح في حركة الثروة الخاصة العابرة للحدود. فوفق تقرير Henley & Partners لعام 2025 (Henley Private Wealth Migration Report 2025)، تصدّرت الإمارات عالميًا في صافي تدفق أصحاب الثروات العالية، مع انتقال يُقدَّر بنحو 9,800 مليونير جديد خلال عام واحد. وللمقارنة، سجلت المملكة المتحدة صافي تدفق سلبي يقارب 9,500 مليونير، بينما استقطبت سنغافورة نحو 3,500 فقط في الفترة نفسها. وتُقدَّر الثروات القابلة للاستثمار المرتبطة بهذه التدفقات بنحو 63 مليار دولار أمريكي. كما يُقدَّر عدد المليونيرات المقيمين في الدولة بأكثر من 130 ألف شخص، إضافة إلى نحو 325 شخصًا تتجاوز ثرواتهم 100 مليون دولار، وقرابة 28 مليارديرًا تزيد صافي ثروة كل واحد منهم على مليار دولار أمريكي. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تستند إلى نماذج تحليلية سوقية، لا إلى سجلات هجرة إدارية رسمية، لكنها تُستخدم على نطاق واسع كمؤشرات لاتجاهات إعادة توطين رأس المال الخاص عالميًا.

غير أن التحولات الجيواقتصادية الكبرى لا تحدث في فراغ؛ إذ تترافق غالبًا مع تصاعد في الخطاب النقدي تجاه المراكز الصاعدة. فكلما أُعيد توزيع الوظائف المالية والاستثمارية داخل النظام الدولي، برزت توترات تنافسية بين المراكز التقليدية والمراكز الجديدة. ومن هذا المنظور البنيوي، يمكن قراءة ما تتعرض له الإمارات من تدقيق إعلامي أو تصاعد في السرديات النقدية بوصفه جزءًا من ديناميات إعادة تموضع النفوذ داخل الاقتصاد العالمي، لا باعتباره ظاهرة استثنائية.

في هذا الإطار، يبرز مفهوم «اقتصاد السمعة» امتدادًا منطقيًا لاقتصاد القدرة. فكما أن الثقة النظامية تمثل أصلًا اقتصاديًا، فإن السمعة تتحول بدورها إلى متغير استراتيجي يؤثر مباشرة في تكلفة رأس المال وجاذبية البيئة الاستثمارية. وفي كل تحول جيواقتصادي كبير، يترافق انتقال الثقل المالي مع محاولات لإعادة تأطير صورة المركز الصاعد ضمن سرديات تنافسية. غير أن النقد ذاته يمكن فهمه أيضًا بوصفه مؤشرًا على الوزن المتزايد للدولة في النظام الدولي؛ إذ إن الدول التي لا تؤثر في حركة رأس المال العالمي نادرًا ما تكون موضوعًا لتدقيق مكثف.

ومن ثم، يصبح التمييز بين التداول الرمزي والإسناد القانوني ضرورة تحليلية، لا مجرد موقف دفاعي. فالحضور في الفضاء الإعلامي لا يعادل إدانة مؤسسية، وإثارة الشبهات لا ترقى بذاتها إلى مستوى المسؤولية القانونية المثبتة. إن إدارة هذا التداخل بين الفضاء الرمزي والفضاء المؤسسي تمثل جزءًا بنيويًا من معادلة القدرة في العصر الجيواقتصادي.

ومع ذلك، فإن استدامة أي نموذج تنموي تظل رهينة بقدرته على الاستجابة للنقد عبر أدوات مؤسسية واضحة وقابلة للتحديث. فقد عززت الدولة تشريعاتها في مكافحة غسل الأموال ومواءمت أنظمتها مع توصيات Financial Action Task Force، وخرجت من «القائمة الرمادية» عام 2024، في خطوة عززت ثقة الأسواق الدولية في بنيتها الرقابية. إن قابلية التكيّف التنظيمي المستمر تمثل، في جوهرها، أحد المؤشرات المركزية لاقتصاد القدرة.

إن صعود الدولة الجيواقتصادية لا يعيد تشكيل خرائط الاستثمار فحسب، بل يعيد تشكيل خرائط السمعة ذاتها. فحين تتحول القدرة المؤسسية إلى أصل تنافسي، تصبح السمعة امتدادًا مباشرًا للقدرة، ويغدو إدارتها جزءًا من المعادلة الاقتصادية. في هذا الإطار يتبلور «اقتصاد السمعة»، حيث لا تُقاس المكانة فقط بتدفقات رأس المال، بل بكيفية تموضع الدولة داخل السرديات العالمية التي تصاحب تلك التدفقات.

ومن هذا المنظور، فإن تصاعد الخطاب النقدي تجاه الإمارات لا يمكن فصله عن موقعها المتقدم في إعادة توطين الثروة الخاصة العابرة للحدود. فكل تحول في مركز الثقل المالي العالمي يولّد، بطبيعته، توترًا سرديًا يوازي التوتر التنافسي. والنقد، في كثير من الأحيان، ليس علامة ضعف بقدر ما هو انعكاس لحساسية الموقع داخل شبكة النفوذ الدولي.

هنا يلتقي اقتصاد القدرة باقتصاد السمعة. فالدولة التي تخفّض كلفة المعاملات وتنتج ثقة نظامية عالية تجد نفسها أيضًا مطالبة بإدارة حضورها في الفضاء الرمزي العالمي بالكفاءة ذاتها. وفي هذا التداخل بين المؤسسي والرمزي تتجلى الطبيعة المركبة للقوة في العصر الجيواقتصادي: قوة لا تقوم على الامتلاك وحده، بل على القدرة على إنتاج الثقة، واستدامة السمعة، وتحويل النقد إلى اختبار إضافي لصلابة النموذج.

بهذا المعنى، لا يمثل اقتصاد القدرة خطابًا تبريريًا، بل إطارًا لفهم كيفية انتقال الدولة من موقع اقتصادي تقليدي إلى منصة يُعاد عبرها توزيع النفوذ المالي والرمزي عالميًا. وعندما تصبح الثقة قابلة للتراكم مثل رأس المال، فإن السمعة بدورها تصبح ميدانًا من ميادين التنافس، ويغدو النجاح ذاته جزءًا من معادلة النقد الذي يرافقه

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com