الآن هو الوقت الأمثل للشركات الصغيرة والمتوسطة لتبني الذكاء الاصطناعي

بقلم \ الفرد منسّى الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي للعمليات، شفرة

رغم أن الحديث حول عالم الميتافيرس لم يعد يتمحور حول تجارب المستهلكين المُبهرة، إلا أن جوهره – الحلول المؤسسية القائمة على الذكاء الاصطناعي، في تسارع مستمر. في عام 2023، تمّ تقدير قيمة سوق الميتافيرس العالمي بنحو 84 مليار دولار أمريكي، ومن المتوقع أن يصل إلى 1.3 تريليون دولار أمريكي بحلول عام 2030. بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة، يُشير هذا الارتفاع إلى أنّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد إضافة مترفة لشركات التكنولوجيا العملاقة بل حل عملي، سهل المنال، وبأسعار معقولة لتمكينها من المحافظة على قدرتها التنافسية في عالم سريع التغير.

في ظل المشهد الاقتصادي الحالي، تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة ضغوطاً متزايدة لإنجاز المزيد بموارد أقل. وهنا يأتي دور الموظفين الافتراضيين المدعومين بالذكاء الاصطناعي. الآن، ومع ظهور النماذج اللغوية الكبيرة ووكلاء الذكاء الاصطناعي، أصبح بإمكان الشركات الصغيرة والمتوسطة الاعتماد على موظفين رقميين أذكياء وقادرين على إدراك ما هو مطلوب منهم وتنفيذ المهام دون الحاجة إلى الإشراف البشري المستمر.

مع سعي الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو تسريع عجلة التحول الرقمي – حيث تهدف استراتيجية دبي للميتافيرس إلى استحداث 40 ألف وظيفة افتراضية بحلول عام 2030 – ستلعب القوى العاملة المدعومة بالذكاء الاصطناعي دوراً محورياً في دفع النمو الاقتصادي في المنطقة.

ما يمكن أن يقدمه موظفو الذكاء الاصطناعي الافتراضيون للشركات الصغيرة والمتوسطة

من أكبر المفاهيم الخاطئة الشائعة بين أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة أن تطبيق الذكاء الاصطناعي إما معقّد للغاية أو مكلف للغاية. لكنّ العكس صحيح في الواقع. يُبلغ أوائل مستخدمي الذكاء الاصطناعي عن انخفاض يصل إلى 80% في تكاليف التشغيل وزيادة في الإنتاجية بنسبة 60%. يعزّز الذكاء الاصطناعي الذكاء البشري ولا يحلّ محلّه، كما أنه يُؤتمت العمل الروتيني ليتمكن الموظفون من التركيز على الابتكار والعلاقات والاستراتيجية.

استبدال التكرار بالابتكار

يتولى الموظفون الافتراضيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي تنفيذ المهام المتكررة التي تستغرق وقتاً طويلاً، مثل إدخال البيانات والجدولة وفرز رسائل البريد الإلكتروني وتحديثات إدارة علاقات العملاء. كما أنهم يعملون، بخلاف الموظفين البشريين، على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، في مختلف المناطق الزمنية، دون تعب، مما يضمن استمرار سير العمل بعد انتهاء ساعات العمل. فضلاً عن ذلك، يستند الموظفون الرقميون إلى أسس معرفية شاملة، مما يضمن الدقة والاتساق ومواءمة قيم الشركة.

الارتقاء بتجارب العملاء

يتعامل المساعدون الافتراضيون المدعمون بالذكاء الاصطناعي مع استفسارات العملاء عبر قنوات مختلفة مثل واتساب والبريد الإلكتروني والدردشة المباشرة، ويمكنهم تقديم حلول فاعلة في ثوانٍ معدودة وتصعيد الاستفسارات عند الحاجة فقط.

تمكين فرق المبيعات

يُبسّط موظفو الذكاء الاصطناعي عمليات المبيعات، حيث يمكنهم متابعة العملاء المحتملين، وجدولة العروض التوضيحية، وإرسال عروض مخصصة. ووراء الكواليس، فيُحلل الذكاء الاصطناعي أنماط الطلب لتحسين المخزون، مما يُساعد الشركات على منع نفاد المخزون أو زيادته.

تحسين الأمان

تُحلل أنظمة الكشف عن التهديدات سلوكيات المستخدمين بصورة آنية، وتُشير إلى أي خلل قبل تفاقمه. كما يُجري الموظفون الرقميون المدعومون بالذكاء الاصطناعي عمليات مسح للثغرات الأمنية، أتمتة توثيق الامتثال ودعم أنظمة مصادقة متعددة الطبقات. أثبتت هذه التقنيات قدرتها على تقليل الأخطاء البشرية بنسبة تصل إلى 95% في القطاعات الحساسة مثل القطاع المالي وقطاع الرعاية الصحية.

تعزيز التعاون بين الفرق

من خلال التكامل السلس مع الأنظمة الحالية، مثل “مايكروسوفت تيمز”، “سلاك”، وأنظمة إدارة علاقات العملاء وتخطيط موارد المؤسسات، يمكن للموظفين الرقميين جدولة الاجتماعات، وتتبع المخرجات، وحتى المشاركة في اجتماعات افتراضية بين الأقسام. وفي البيئات الهجينة، يمكن للموظفين الافتراضيين محاكاة تعبيرات الوجه البشرية لتعزيز الحضور أثناء التفاعل عن بُعد. نجحت أكسنتشر (Accenture) بدمج أكثر من 150,000 موظف في عالمها الافتراضي Nth Floor””، وأظهرت استبيانات رأي مختلفة تم إجراؤها بعد الدمج نسبة 94% من الرضا.

التعلم الدائم

على عكس البرمجيات التقليدية، يتطور الموظفون الرقميون بسهولة مع نمو احتياجات العمل، دون الحاجة إلى جولات توظيف مكلفة أو إلى إعادة التدريب، فهم يتعلمون باستمرار من التفاعلات، ويتكيفون مع سير العمل وتفضيلات المستخدمين الجديدة.

المهام التي لا يستطيع الموظفون الافتراضيون القيام بها (حتى الآن)

الموظفون الافتراضيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي مُمَكِّنون، وليسوا صانعي قرارات، فهم يُقدمون رؤىً ثاقبة، وليس قرارات نهائية. لا تزال المهام التي تناشد التعاطف أو المفاوضات المعقدة تتطلب حُكماً بشريّاً دقيقاً – على سبيل المثال: التعامل مع عميل مستاء. كما أنهم يعتمدون على أهداف واضحة وبيانات عالية الجودة – فالمدخلات الخاطئة تؤدي إلى نتائج خاطئة.

الخطوات التي ينبغي اتباعها لتطبيق نهج ذكاء اصطناعي فعّال في الشركات الصغيرة والمتوسطة

الخطوة الأولى هي رسم خرائط واضحة لسير العمل، وتحديد المهام التي تستهلك معظم الوقت والمجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي إضافة أكبر قيمة فيها، مثل المهام الإدارية المتكررة أو التفاعلات المرتبطة بخدمة العملاء. كما أنّ إمكانية الوصول إلى البيانات أمر بالغ الأهمية، إذ ينبغي ربط أنظمة الذكاء الاصطناعي بقواعد البيانات والوثائق والمنصات المناسبة لتتمكّن من أداء وظائفها بدقة. ينبغي على الشركات الصغيرة والمتوسطة الاستثمار في الأدوات المناسبة للدمج والتدريب لضمان تكامل الموظفين الافتراضيين ومواءمتهم مع أهداف العمل المحددة. وبنفس القدر من الأهمية، ينبغي إنشاء نموذج تعاون بين الذكاء الاصطناعي والبشر، حيث تُحدد الأدوار ونقاط التصعيد بوضوح لتعزيز تكامل الموظفين الرقميين والقوى العاملة البشرية بفعالية. وأخيراً، يُعد التخصيص أمراً أساسياً، إذ يجب تصميم شخصيات الذكاء الاصطناعي لتعكس طابع العلامة التجارية وقيمها واحتياجاتها التشغيلية. الشركات الصغيرة والمتوسطة  قادرة على بناء بيئة مُمكّنة بالذكاء الاصطناعي تُعزز الإنتاجية، وتُحسّن عملية اتخاذ القرار، وتُحفّز النمو.

التحديات التي يجب مراعاتها

 

يُمثّل عدم اليقين التنظيمي تحدياً رئيسياً للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتبنى الذكاء الاصطناعي، خاصة وأن التشريعات واللوائح لا تواكب الابتكار عادة. في الإمارات العربية المتحدة، تدعم المبادرات الرائدة، مثل “مختبر التشريعات” و”البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي” التجارب الآمنة وتنمية المواهب. من الضروري أن تركز الشركات على إدارة التغيير بعناية من خلال الارتقاء بمهارات الموظفين والتواصل معهم بشفافية لتبني الذكاء الاصطناعي بنجاح. كما ينبغي أن تمتثل الشركات الصغيرة والمتوسطة لقوانين حماية البيانات وأن تعمل مع مصادر موثوقة. وأخيراً، يجب أن يُعزز الذكاء الاصطناعي الحكم البشري، لا أن يحلّ محله. يضمن النهج المتوازن استفادة الشركات الصغيرة والمتوسطة من الذكاء الاصطناعي دون المساومة على عنصر الإبداع والقيادة لأهميتهما بتحفيز النجاح على المدى الطويل.

 

الموظفون الافتراضيون المدعومون بالذكاء الاصطناعي ليسوا من نسيج الخيال العلمي، بل حقيقيون، عمليون، ويُحققون عائد استثمار قابل للقياس في جميع أنحاء الشرق الأوسط. الرسالة واضحة بالنسبة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تتطلع إلى تأمين مستقبلها: لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على الشركات الكبرى. لقد حان الوقت للتفكير بشكل كبير، البدء بمشاريع صغيرة، والتوسع بسرعة، فالمستقبل هنا الآن.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com