الإمارات والثورة التشريعية.. عندما يصبح القانون أثمن من الحوافز

التشريعات المرنة وسرعة مواكبة المستقبل تعيدان صياغة معادلة الاستثمار العالمي بقلم: الدكتور علي سعيد العامري مؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الشموخ

(ملخص)

 

(يرى الدكتور علي سعيد العامري، المؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة الشموخ، أن الإمارات رسّخت مكانتها الاستثمارية من خلال تطوير تشريعات مرنة تواكب التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لا سيما في الأصول الرقمية والذكاء الاصطناعي والخدمات المالية. وأكد أن وضوح القوانين واستقرارها وسرعة تحديثها أصبحت عوامل حاسمة في جذب الاستثمارات، مشددًا على أهمية تحقيق التوازن بين تشجيع الابتكار وحماية الحقوق وتعزيز ثقة المستثمرين)

 

 

لم تعد المنافسة العالمية على استقطاب الاستثمارات تُحسم بالإعفاءات الضريبية أو الحوافز المالية وحدها، بل أصبحت جودة التشريعات وسرعة تحديثها ووضوح قواعدها من العوامل الحاسمة في تحديد وجهة رؤوس الأموال، لا سيما في القطاعات التي تتغير نماذج أعمالها بوتيرة متسارعة، مثل الأصول الرقمية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المالية.

 

وفي هذا التحول، تقدم دولة الإمارات نموذجاً لاقتصاد يسعى إلى إعادة صياغة معادلة الجاذبية الاستثمارية، من خلال بناء بيئة قانونية قادرة على استيعاب الابتكار، وتوفير الأطر التنظيمية اللازمة لنمو الأنشطة الجديدة، مع تعزيز الثقة والاستقرار اللذين يحتاج إليهما المستثمر لاتخاذ قرارات طويلة الأجل.

لقد أدركت الإمارات أن رأس المال في اقتصاد المعرفة لا يبحث عن أقل تكلفة فحسب، بل يتطلع أيضاً إلى سوق يستطيع فهم قواعدها، والتنبؤ بمسارها التنظيمي، وتطوير أعماله ضمن منظومة قانونية تواكب التحولات التقنية والاقتصادية.

 

الأصول الرقمية.. التشريع بوابة لاستقطاب الاستثمارات

تتصدر الأصول الرقمية قائمة القطاعات التي تكشف عن أثر التطور التشريعي في تعزيز تنافسية الإمارات. فقد أسهم قانون دبي رقم (4) لسنة 2022 بشأن تنظيم الأصول الافتراضية في إنشاء سلطة تنظيم الأصول الافتراضية «VARA»، بما أرسى إطاراً متخصصاً لترخيص الأنشطة المرتبطة بهذا القطاع والإشراف عليها.

 

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أنها نقلت التعامل مع الأصول الافتراضية من نطاق المبادرات الفردية والممارسات المتباينة إلى منظومة تنظيمية أكثر وضوحاً، تتيح للشركات العمل وفق متطلبات محددة، وتمنح المستثمرين والمشاركين في السوق مرجعية قانونية للتعامل مع المخاطر والالتزامات.

 

ولا يقتصر هذا التحول على الأصول الرقمية، بل يمتد إلى الخدمات المالية والتكنولوجيا المالية. فقد أصدر مركز دبي المالي العالمي قانون الأصول الرقمية رقم (2) لسنة 2024، في خطوة تستهدف توفير معالجة قانونية أكثر ملاءمة لطبيعة هذه الأصول وحقوق الأطراف المرتبطة بها. كما أسهمت تعديلات ضريبية اتحادية في توضيح المعاملة الضريبية لبعض خدمات إدارة صناديق الاستثمار والخدمات المرتبطة بالأصول الافتراضية، وفق الشروط المعتمدة.

 

وتؤكد هذه التطورات أن نجاح الأسواق الرقمية لا يرتبط بتوافر التكنولوجيا وحدها، بل بوجود قواعد تحدد المسؤوليات والحقوق وآليات الامتثال، بما يقلص الغموض القانوني ويدعم بناء نماذج أعمال قابلة للتوسع.

 

الذكاء الاصطناعي.. حين تصبح التكنولوجيا شريكاً في تطوير التشريعات

يمثل الذكاء الاصطناعي اختباراً جديداً لقدرة الأنظمة القانونية على مواكبة اقتصاد المستقبل. فالتطور المتسارع في تطبيقاته يفرض على الحكومات تطوير قواعد مرنة تستوعب الابتكار، وتحمي البيانات والحقوق، وتوازن بين تشجيع الاستثمار والحد من المخاطر.

 

وقد عززت الإمارات توجهها في هذا المجال عبر مبادرات ومؤسسات متخصصة، من بينها مجلس الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة في أبوظبي، الذي أُنشئ بموجب القانون رقم (3) لسنة 2024، إلى جانب المبادرات الاتحادية الرامية إلى توحيد الجهود وتطوير السياسات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والبيانات.

 

كما اتجهت الدولة إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير العمل الحكومي والتشريعي، من خلال مبادرات تستهدف الاستفادة من التقنيات المتقدمة في تحليل النصوص القانونية، ورصد التغيرات، ودعم عمليات إعداد التشريعات وتحديثها.

 

وتحمل هذه التجربة دلالة مهمة؛ فبدلاً من الاكتفاء بإصدار قوانين لتنظيم التكنولوجيا، تتجه الحكومة إلى الاستفادة من التكنولوجيا نفسها لتحسين أدوات صناعة القرار التشريعي، وتسريع الإجراءات، وتعزيز القدرة على تحديد المجالات التي تحتاج إلى تحديث.

 

ومع ذلك، فإن استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل التشريعي ينبغي أن يظل أداة مساندة للخبرة القانونية والمؤسسية، لا بديلاً عن المسؤولية البشرية أو المراجعة القانونية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بحقوق الأفراد والتزامات الشركات واستقرار المعاملات.

 

منظومة قانونية متكاملة لاقتصاد رقمي متنامٍ

لا تقوم البيئة التشريعية للاقتصاد الرقمي على قانون واحد، بل على مجموعة مترابطة من القواعد التي تنظم البيانات والأمن السيبراني والمعاملات الإلكترونية والمنافسة والملكية الفكرية.

 

وفي هذا الإطار، يشكل قانون حماية البيانات الشخصية الاتحادي رقم (45) لسنة 2021 أحد المكونات الأساسية للمنظومة، إلى جانب قانون مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية رقم (34) لسنة 2021، فضلاً عن التشريعات المنظمة للأنشطة الاقتصادية والمنافسة.

 

وتزداد أهمية هذه القواعد مع اتساع الاعتماد على البيانات في الخدمات المالية والتجارة الإلكترونية والتطبيقات الذكية. فالشركات التي تعمل في هذه المجالات تحتاج إلى معرفة التزاماتها بشأن جمع البيانات ومعالجتها وحمايتها، كما تحتاج إلى بيئة تضمن التعامل مع المنافسة والمخاطر الرقمية ضمن معايير واضحة.

 

لكن اكتمال هذه المنظومة لا يُقاس بعدد القوانين الصادرة فحسب، بل بمدى وضوح اللوائح التنفيذية، وسهولة تطبيق المتطلبات، واتساق القرارات التنظيمية، وقدرة الشركات على فهم التزاماتها دون تكاليف امتثال غير متوقعة.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة تطوير الأطر التنفيذية، وتقليص الفجوات بين النص القانوني والتطبيق العملي، وتعزيز التنسيق بين الجهات التنظيمية، بما يضمن أن تظل المرونة التشريعية مصدراً للثقة لا سبباً للغموض.

 

من الإعفاءات الضريبية إلى الثقة في القواعد

يمثل تطور السياسة الضريبية الإماراتية مثالاً واضحاً على التحول في مفهوم الجاذبية الاستثمارية. فمع تطبيق ضريبة الشركات بنسبة أساسية تبلغ 9% على الدخل الخاضع للضريبة الذي يتجاوز الحد المقرر، وتطبيق ضريبة الحد الأدنى المحلية الإضافية على المجموعات متعددة الجنسيات المؤهلة وفق القواعد المعتمدة، لم تعد الميزة التنافسية قائمة على غياب الضرائب بصورة كاملة.

 

ومع ذلك، تظل الإمارات قادرة على تعزيز جاذبيتها من خلال عناصر أوسع تشمل جودة البنية التحتية، وكفاءة الخدمات الحكومية، والاتصال بالأسواق العالمية، واستقرار البيئة الاقتصادية، ووضوح الإطار التنظيمي.

 

فالمستثمر لا يقارن بين المعدلات الضريبية فقط، وإنما يوازن بين التكلفة الإجمالية لممارسة الأعمال، وسهولة تأسيس الشركات، وفاعلية الإجراءات، ومستوى المخاطر التنظيمية، وقدرة السوق على توفير فرص النمو.

 

ومن هذا المنطلق، فإن وجود نظام ضريبي واضح وقابل للتطبيق قد يكون أكثر أهمية لبعض المستثمرين من الاعتماد على إعفاءات واسعة يصعب التنبؤ باستمراريتها. فاليقين بشأن القواعد يساعد الشركات على بناء خطط مالية وتشغيلية طويلة الأجل، ويقلص احتمالات المفاجآت التي قد تؤثر في قرارات التوسع.

 

ولا يعني ذلك أن الحوافز المالية فقدت أهميتها، بل إنها أصبحت جزءاً من معادلة أشمل، تتكامل فيها السياسة الضريبية مع جودة التشريعات وكفاءة المؤسسات وقدرتها على توفير بيئة أعمال تنافسية.

 

المناطق الحرة والبر الرئيسي.. مرونة تحتاج إلى اتساق

تتجلى أهمية التشريعات أيضاً في تنظيم العلاقة بين المناطق الحرة والاقتصاد المحلي. فقد أتاحت تعديلات تنظيمية في دبي، من بينها قرار المجلس التنفيذي رقم (11) لسنة 2025، مسارات تسمح لشركات المناطق الحرة بممارسة أنشطة داخل الإمارة خارج مناطقها، وفق الأطر والشروط المعمول بها.

 

وتوفر هذه الخطوات فرصاً أوسع أمام الشركات لتوسيع عملياتها والاستفادة من مزايا المناطق الحرة والسوق المحلية معاً. لكنها تبرز في الوقت ذاته أهمية وضوح المتطلبات المرتبطة بالتراخيص والضرائب والامتثال، حتى لا تتحول تعددية الأطر التنظيمية إلى مصدر لتعقيد الإجراءات.

 

كما أن تعزيز الثقة في النظام المالي ومكافحة الجرائم المالية وغسل الأموال يمثل عنصراً مكملاً لهذه الجهود؛ إذ ترتبط قرارات المستثمرين والمؤسسات الدولية بقدرة الدولة على تطبيق معايير الامتثال والشفافية، إلى جانب توفير بيئة تنظيمية تشجع النشاط الاقتصادي المشروع.

 

وهنا تظهر المعادلة التي ينبغي أن تحكم التطوير التشريعي: مرونة كافية لاستيعاب النماذج الاقتصادية الجديدة، واتساق كافٍ لضمان أن تكون القواعد مفهومة وقابلة للتوقع عبر مختلف الأنشطة والجهات التنظيمية.

 

التنافسية العالمية.. انعكاس لكفاءة المؤسسات

تعكس مؤشرات التنافسية الدولية أهمية البيئة المؤسسية في دعم جاذبية الاقتصاد. وقد احتلت الإمارات المركز الخامس عالمياً في تقرير التنافسية العالمية لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD)، مع تحقيقها مركزاً متقدماً في كفاءة الحكومة.

 

ورغم أن هذه المؤشرات تقيس مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والمؤسسية، فإنها تؤكد أن التنافسية لا تُبنى على عنصر منفرد، بل على منظومة تتكامل فيها السياسات الاقتصادية وكفاءة الإدارة العامة وجودة البنية التحتية والقدرة على الابتكار.

 

وفي هذا السياق، تمثل سرعة تحديث التشريعات ميزة عندما تستند إلى مؤسسات فعالة وآليات واضحة للتشاور والتنفيذ والمراجعة. أما السرعة المجردة، من دون تقييم للأثر أو وضوح في التطبيق، فقد تؤدي إلى زيادة الأعباء على الشركات بدلاً من تخفيفها.

 

ولهذا، فإن نجاح النموذج التشريعي لا يُقاس بعدد التعديلات التي تُنجز خلال العام، بل بقدرتها على معالجة المشكلات الفعلية، والاستجابة للتحولات الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين متطلبات المستثمرين وحقوق المجتمع والمصلحة العامة.

 

جودة التشريع.. الميزة التنافسية الجديدة

تتجه المنافسة العالمية تدريجياً نحو الاقتصادات التي تستطيع توفير بيئة مستقرة ومرنة في آن واحد. فالمستثمر في قطاعات المستقبل لا يبحث فقط عن سوق كبيرة أو تكلفة تشغيل منخفضة، بل عن منظومة تتيح له تطوير منتجاته، وحماية أصوله، وإدارة مخاطره، والتوسع ضمن قواعد واضحة.

 

وتدعم الاتفاقيات التجارية الشاملة التي أبرمتها الإمارات مع شركائها هذا التوجه، من خلال توسيع فرص النفاذ إلى الأسواق وتعزيز الروابط التجارية والاستثمارية. كما تزداد أهمية القواعد المتعلقة بالتجارة الرقمية والبيانات وحماية المعلومات التجارية في صياغة العلاقات الاقتصادية الجديدة.

 

لكن تحويل جودة التشريعات إلى ميزة مستدامة يتطلب الاستمرار في تطوير اللوائح التنفيذية، وتعزيز الشفافية في القرارات التنظيمية، وإتاحة قنوات فعالة للتواصل مع القطاع الخاص، وقياس الأثر الاقتصادي للقوانين قبل تطبيقها وبعده.

 

كما يتطلب الأمر ضمان التوازن بين سرعة الاستجابة للتكنولوجيا واستقرار القواعد التي تستند إليها الاستثمارات طويلة الأجل، لأن المستثمر يحتاج إلى القدرة على التكيف مع التغيير، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى معرفة حدود هذا التغيير وتوقيته وآثاره.

 

 

لقد أدركت الإمارات أن القانون لم يعد مجرد إطار ينظم النشاط الاقتصادي، بل أصبح أحد الأصول الاستراتيجية التي تصنع القدرة التنافسية للدولة. فالحوافز قد تجذب الاستثمار في بدايته، لكن التشريعات الواضحة والمؤسسات الكفؤة هي التي تساعد على استدامته وتوسعه.

 

وفي اقتصاد تتسارع فيه التحولات الرقمية، لا تكمن الميزة الحقيقية في أن تكون القوانين أسرع من التكنولوجيا فحسب، بل في أن تكون أكثر قدرة على فهمها وتوجيهها، مع حماية الثقة والحقوق والمصالح المشروعة.

وهكذا، تتحول الثورة التشريعية من عملية تحديث للقوانين إلى ركيزة اقتصادية متكاملة، تجعل من وضوح القواعد وسرعة مواكبتها أداة لاستقطاب رؤوس الأموال، وتعزيز الابتكار، وترسيخ مكانة الإمارات مركزاً عالمياً للأعمال والاستثمار.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com