البيانات مورد استراتيجي يعيد تشكيل القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط

الدكتور ياسين العلي، استشاري إدارة التحول ورئيس شركة “أدامة”،

أكد الدكتور ياسين العلي، استشاري إدارة التحول ورئيس شركة “أدامة”،في حديثه لمجلة ((استثمارات الإماراتية )) أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولًا جذريًا في مصادر القوة، حيث لم تعد الموارد الطبيعية وحدها أساس الثروة، بل أصبحت البيانات المورد الاستراتيجي الأهم في عصر الاقتصاد الرقمي

وأوضح أن العالم دخل مرحلة جديدة باتت فيها البيانات تمثل “المادة الخام” للاقتصاد الحديث، على غرار النفط في القرن الماضي، لكنها لا تتحول إلى قيمة اقتصادية إلا عبر منظومة متكاملة تشمل جمعها وتنظيمها وتحليلها وتوظيفها في اتخاذ القرار. وأضاف أن حجم البيانات المنتجة عالميًا يتجاوز 120 زيتابايت سنويًا، مع توقعات بتضاعفه خلال السنوات المقبلة، ما يعكس اتساع دور البيانات في تشكيل الاقتصاد العالمي

وأشار العلي إلى أن الشرق الأوسط يشهد نموًا متسارعًا في إنتاج البيانات، مدفوعًا بالانتشار الواسع للهواتف الذكية والتجارة الإلكترونية والتحول إلى الخدمات الرقمية، حيث تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة 420 مليون مستخدم. كما يُقدَّر حجم الاقتصاد الرقمي بنحو 180 مليار دولار، مع توقعات بتخطي 400 مليار دولار بحلول عام  2030ورغم هذا النمو، لفت إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في ضعف استثمار هذه البيانات اقتصاديًا، إذ لا تزال كميات كبيرة منها تُستخدم

لأغراض تشغيلية محدودة داخل المؤسسات، دون تحويلها إلى قيمة مضافة أو منتجات وخدمات مبتكرة

وبيّن أن بناء اقتصاد بيانات فعّال يتطلب ثلاثة مرتكزات أساسية: بنية تحتية رقمية متقدمة، وقدرات تحليلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وأطر حوكمة وتنظيم تضمن حماية البيانات وتعظيم الاستفادة منها. وأكد أن الدول التي نجحت في الاقتصاد الرقمي لم تكتفِ بامتلاك البيانات، بل ركزت على إدارتها وتحويلها إلى قرارات اقتصادية وخدمات ذات قيمة

وفيما يتعلق بالقطاعات الواعدة، أشار العلي إلى أن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم مصادر البيانات في المنطقة، حيث يمكن لتحليل البيانات التشغيلية أن يعزز كفاءة الإنتاج ويخفض التكاليف. كما يُعد قطاع الصحة من أبرز المجالات القابلة للاستفادة من البيانات عبر تطوير الطب الوقائي وتحسين جودة الخدمات الصحية، إلى جانب قطاع النقل الذي يعتمد على بيانات المدن الذكية لتحسين التخطيط وتقليل الازدحام

وأضاف أن التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية تعتمد بشكل أساسي على تحليل البيانات السلوكية للمستخدمين، ما يمنح الشركات ميزة تنافسية في تطوير منتجات وخدمات أكثر دقة وكفاءة

وعلى صعيد الدول، أوضح العلي أن الإمارات العربية المتحدة تتصدر المشهد الإقليمي بفضل استثماراتها الكبيرة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث يشكل الاقتصاد الرقمي نحو 10% من ناتجها المحلي. كما تشهد السعودية تحولًا رقميًا واسعًا ضمن رؤية 2030، بينما تمتلك مصر مقومات ديموغرافية قوية تجعلها سوقًا واعدة لنمو الاقتصاد الرقمي

وأكد أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط يمنحه ميزة استراتيجية، كونه نقطة تقاطع رئيسية للكابلات البحرية التي تنقل البيانات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يؤهله ليصبح مركزًا عالميًا لتدفق البيانات ومراكزها

وشدد العلي على أن البيانات لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت عنصرًا في “الجغرافيا السياسية”، حيث تتنافس الدول على التحكم في تدفقات البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها، بما يشمل مراكز البيانات والكابلات البحرية والمنصات الرقمية

واختتم في تصريحه  بالتأكيد على أن التحول نحو اقتصاد البيانات يتطلب تطوير أطر تنظيمية لحماية الخصوصية وتعزيز الثقة الرقمية، إلى جانب الاستثمار في المهارات الرقمية، معتبرًا أن مستقبل القوة الاقتصادية لن يُقاس بحجم الموارد الطبيعية، بل بقدرة الدول على إدارة البيانات وتحويلها إلى معرفة وقرارات تعزز النمو المستدام

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com