الجزائر في قلب معادلة الطاقة العالمية بين الفرصة والقيود
أعادت الحرب التي تشنّها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران منذ نهاية فبراير رسم خريطة الطاقة العالمية، بعدما امتدت تداعياتها إلى شريان الإمدادات الأهم عبر إغلاق مضيق هرمز، واستهداف منشآت إنتاج في الخليج. هذه التطورات دفعت بأسعار النفط والغاز إلى مستويات مرتفعة، وأدخلت الأسواق في حالة توتر غير مسبوقة.
في خضم هذه الأزمة، برزت الجزائر كأحد أبرز المستفيدين غير المباشرين. فالدولة الواقعة في شمال أفريقيا، والتي تُعد عاشر أكبر منتج للغاز عالميًا، وجدت نفسها في موقع استراتيجي يسمح لها بتعزيز عائداتها والاستفادة من ارتفاع الطلب الأوروبي المتزايد على مصادر بديلة وآمنة للطاقة.
أوروبا تبحث عن الأمان الطاقوي
تسعى الاتحاد الأوروبي منذ سنوات إلى تقليل اعتماده على مصادر الطاقة المعرضة للمخاطر الجيوسياسية، بدءًا من الحرب في أوكرانيا وصولًا إلى التصعيد في الشرق الأوسط. وفي هذا السياق، اكتسبت الجزائر أهمية متزايدة باعتبارها موردًا قريبًا ومستقرًا نسبيًا.
تعتمد أوروبا جزئيًا على الغاز الجزائري الذي يُنقل عبر خطي أنابيب رئيسيين، ما يمنح الجزائر ميزة تنافسية مقارنة بالإمدادات البحرية المعرضة للمخاطر. كما أن الشراكات مع شركات كبرى مثل إيني تعزز من مكانة الجزائر كمورد موثوق، خاصة لإيطاليا التي أصبحت تعتمد عليها لتغطية نسبة كبيرة من احتياجاتها.
مكاسب آنية.. لكن بقدرات محدودة
رغم هذه الأفضلية، فإن قدرة الجزائر على لعب دور “البديل الكامل” تبقى محدودة. فالبنية التحتية الحالية، خصوصًا خطوط الأنابيب، تعمل بالفعل بكامل طاقتها، ما يحد من إمكانية زيادة الصادرات بشكل سريع. كما أن إنتاج الغاز الطبيعي المسال لا يزال دون المستوى الذي يمكنه تعويض غياب موردين كبار مثل قطر.
إضافة إلى ذلك، تواجه الجزائر تحديًا داخليًا يتمثل في ارتفاع الطلب المحلي على الغاز، خاصة لتوليد الكهرباء، وهو ما يقلص الفائض القابل للتصدير.
الفرصة الاستراتيجية: من مورد إلى قوة طاقة
على المدى المتوسط والطويل، تمتلك الجزائر أوراق قوة مهمة. فقد أعلنت شركة سوناطراك عن خطة استثمارية ضخمة تصل إلى 60 مليار دولار، تهدف إلى مضاعفة إنتاج الغاز بحلول 2030. كما أن احتياطيات الغاز الصخري الهائلة تمنحها إمكانية التحول إلى لاعب عالمي أكبر، إذا ما تم استغلالها بالشراكة مع شركات دولية مثل شيفرون وإكسون موبيل.
المعادلة المعقدة: بين السياسة والاقتصاد
اللافت أن مكانة الجزائر لا تستند فقط إلى مواردها، بل أيضًا إلى سمعتها كشريك “موثوق” لا يوظف الطاقة كورقة ضغط سياسية، وهو عامل مهم في نظر الأوروبيين، خاصة في ظل أزمات سابقة مع موردين آخرين.
في الوقت ذاته، تتحرك دبلوماسية الطاقة بقوة، كما تعكس زيارة جورجيا ميلوني إلى الجزائر ولقاؤها بالرئيس عبد المجيد تبون، في إطار سباق أوروبي لتأمين الإمدادات.
خلاصة المشهد
تقف الجزائر اليوم عند نقطة توازن دقيقة:
مكاسب قصيرة الأجل مدفوعة بارتفاع الأسعار والطلب.
قيود هيكلية تحد من قدرتها على التوسع السريع.
فرصة استراتيجية للتحول إلى قوة طاقوية أكبر خلال العقد المقبل.
لكن يبقى العامل الحاسم هو الزمن والاستثمار. فإذا نجحت الجزائر في تطوير بنيتها التحتية واستغلال مواردها غير المستغلة، فقد تتحول من مورد إقليمي مهم إلى لاعب عالمي مؤثر. أما إذا استمرت القيود الحالية، فستظل مستفيدة من الأزمات… دون أن تقودها.
التعليقات مغلقة.