الخليج يعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي.. محركات نمو جديدة تستقطب رؤوس الأموال
بقلم: د.علي سعيد العامري، المؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة شموخ
((ملخص المقال))
يقدم الدكتور علي سعيد العامري، المؤسس ورئيس مجلس إدارة مجموعة شموخ، قراءة في التحول النوعي الذي يشهده القطاعان المالي والعقاري في الخليج، مع بروز التشريعات المنفتحة، والمشروعات العملاقة، ومراكز البيانات، والائتمان الخاص كقوى جديدة لجذب رأس المال العالمي. ويؤكد أن الخليج ينتقل من اقتصاد تقوده عوائد النفط إلى منظومة استثمارية متكاملة تعيد رسم خريطة رأس المال العالمي وتفتح آفاقاً جديدة للنمو والتنويع.
شهد القطاعان المالي والعقاري في منطقة الخليج خلال السنوات الأخيرة تحولاً هيكلياً متسارعاً، انتقل بهما من الاعتماد الأكبر على دورة النفط إلى منظومة نمو أكثر تنوعاً، تستند إلى الإصلاحات التشريعية، والانفتاح أمام رأس المال الأجنبي، والمشروعات العملاقة، والاتفاقيات التجارية، إلى جانب صعود فئات أصول جديدة مثل مراكز البيانات والائتمان الخاص.
وتشير المؤشرات حتى الربع الثالث من 2026 إلى أن الخليج يرسخ موقعه كإحدى أبرز وجهات الاستثمار المؤسسي والخاص عالمياً، مدعوماً بمزيج من العوائد التنافسية، والبنية التحتية المتطورة، والاستقرار التنظيمي، واتساع الفرص أمام المستثمرين الدوليين.
سوق عقارية يتجه نحو مضاعفة الحجم
قُدّر حجم سوق العقارات في دول مجلس التعاون الخليجي بنحو 141.2 مليار دولار في 2025، فيما تتوقع مجموعة IMARC أن يصل إلى 260.3 مليار دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 7.03%.
ويأتي ذلك بالتوازي مع توسع كبير في المعروض العقاري. ووفق بيانات Alpen Capital، من المتوقع ارتفاع المعروض السكني في الخليج من نحو 6.26 مليون وحدة في 2025 إلى 7.28 مليون وحدة بحلول 2030، فيما يرتفع المعروض من المساحات المكتبية من 33.3 مليون متر مربع إلى 42.4 مليون متر مربع خلال الفترة نفسها.
وتعكس هذه الأرقام اتساع النشاط الاقتصادي غير النفطي، وتنامي الطلب على السكن والمكاتب والضيافة والأصول التجارية المرتبطة بتوسع الأعمال والاستثمار في المنطقة.
العائد.. بوابة رئيسية لرأس المال العالمي
تمثل العوائد الاستثمارية أحد أبرز عوامل الجذب لرؤوس الأموال العالمية. ففي دبي، تتراوح العوائد العقارية بين 6% و8% خلال 2026، وفق بيانات مركز الكويت للاستثمار «مركز»، في ظل بيئة استثمارية منفتحة وغياب ضريبة الدخل على الأفراد.
وفي سوق العقارات الفاخرة، تجاوزت قيمة العقارات 4300 درهم للقدم المربع، فيما سجلت الإمارة نحو 500 صفقة لمنازل تزيد قيمة كل منها على 10 ملايين دولار، بحسب بيانات نايت فرانك الصادرة في فبراير 2026.
ولا تقتصر جاذبية السوق على المستثمر الفردي؛ إذ أظهر استطلاع نايت فرانك «Active Capital» أن 87% من المستثمرين العالميين، بحسب الأصول المدارة، يخططون لزيادة استثماراتهم المباشرة في العقارات التجارية خلال 2026.
وفي الإمارات، ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر في القطاع العقاري إلى 13.8 مليار درهم، بزيادة سنوية بلغت 309%، في مؤشر على تنامي ثقة المستثمرين الدوليين في السوق المحلية.
التشريعات توسع قاعدة المستثمرين
إلى جانب العوائد، أصبحت الإصلاحات التشريعية محركاً أساسياً لتدفقات رأس المال.
ففي السعودية، دخل قانون تملك غير السعوديين للعقارات حيز التنفيذ في 21 يناير 2026، بما يتيح للأجانب التملك في مناطق محددة في الرياض وجدة، ويوسع قاعدة المستثمرين المحتملين في السوق العقارية.
وتتزامن هذه الخطوة مع ضخ استثمارات ضخمة في مشروعات التطوير الكبرى، إذ تتجاوز ميزانيات التطوير العقاري لمشروعات «نيوم» والبحر الأحمر والقدية والدرعية و«المربع» 200 مليار دولار، في سوق تقدر قيمته الإجمالية بأكثر من 4 تريليونات ريال، أي نحو 1.1 تريليون دولار.
وهكذا لم تعد الإصلاحات التنظيمية مجرد أدوات لتسهيل التملك، وإنما أصبحت جزءاً من استراتيجية أوسع لجذب رأس المال العالمي وإعادة توجيهه نحو قطاعات الاقتصاد الجديد.
مراكز البيانات.. العقار يدخل عصر الذكاء الاصطناعي
يشهد مفهوم الاستثمار العقاري نفسه تحولاً مع صعود مراكز البيانات كفئة أصول استراتيجية. فقد أبرمت شركة استثمار عالمية شراكة للاستحواذ على حصة في منصة لمراكز البيانات في الإمارات، مع التزام الطرفين بدعم استثمارات تتجاوز 5 مليارات دولار في طاقة مراكز البيانات عبر الخليج.
ويعزز هذا الاتجاه النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية. ووفق تقرير PwC «الاتجاهات الناشئة في العقار 2026»، حافظت مراكز البيانات على المركز الأول من حيث جاذبية الاستثمار والتطوير للعام الثالث على التوالي، بالتزامن مع توقعات بإنفاق كبرى شركات التكنولوجيا نحو 660 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي خلال 2026.
وبذلك يتحول العقار من أصل تقليدي يعتمد على السكن والمكاتب والتجزئة إلى عنصر أساسي في البنية التحتية للاقتصاد الرقمي.
الائتمان الخاص يفتح قناة تمويل جديدة
في موازاة ذلك، يبرز الائتمان الخاص كأحد المحركات الجديدة للقطاع العقاري والمالي في الخليج، مع زيادة دور المستثمرين والمؤسسات الخاصة في تمويل عمليات الاستحواذ والتطوير وإعادة الرسملة، خصوصاً في الصفقات التي تحتاج إلى هياكل تمويل أكثر مرونة من التمويل المصرفي التقليدي.
كما تتوسع الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشروعات البنية التحتية. ففي السعودية، تضم محفظة أعلن عنها المركز الوطني للتخصيص 175 مشروعاً، بينما تستهدف أبوظبي طرح نحو 54 مليار دولار من مشروعات البنية التحتية عبر نموذج الشراكة، مقابل مشروعات في دبي تقدر قيمتها بنحو 22 مليار دولار.
وتوفر هذه المشاريع مساراً إضافياً أمام رأس المال المؤسسي العالمي للاستثمار في أصول البنية التحتية والعقارات المرتبطة بها.
الاتفاقيات التجارية.. محرك غير مباشر للعقار والتمويل
لا يمكن فصل تدفقات رأس المال إلى الخليج عن التحول في السياسة التجارية والاقتصادية لدول المنطقة، إذ تسهم الاتفاقيات التجارية في توسيع الأسواق وتعزيز حركة التجارة والاستثمار، وهو ما ينعكس بدوره على الطلب على الأصول العقارية واللوجستية.
وفي هذا السياق، أطلقت دول مجلس التعاون والهند رسمياً مفاوضات اتفاقية شاملة في فبراير 2026، تغطي السلع والخدمات والتجارة الرقمية والملكية الفكرية، فيما تبلغ التجارة الثنائية بين الجانبين نحو 178.7 مليار دولار خلال 2024-2025.
كما أعلنت المملكة المتحدة في مايو 2026 التوصل إلى اتفاق مع مجلس التعاون بعد مفاوضات بدأت في 2022، بينما تتواصل مفاوضات التجارة الحرة بين الصين ودول المجلس.
ولا تقتصر آثار هذه الاتفاقيات على حركة السلع، بل تمتد إلى زيادة الطلب على المستودعات والمراكز اللوجستية والمكاتب الإقليمية والفنادق والخدمات المالية، بما يخلق موجة إضافية من الطلب على الأصول العقارية والاستثمارية.
المخاطر.. النمو السريع يحتاج إلى إدارة دقيقة
رغم قوة الزخم، يواجه القطاع مجموعة من التحديات التي تستدعي المراقبة، في مقدمتها ارتفاع تكاليف البناء نتيجة تركّز المشروعات العملاقة، واحتمالات ظهور فائض في بعض شرائح المعروض إذا تجاوز نمو الإمدادات مستوى الطلب الفعلي.
كما أصبحت التغيرات الضريبية عاملاً مؤثراً في هيكلة الصفقات، ومن بينها ضريبة الشركات في الإمارات البالغة 9% على الأرباح التي تتجاوز 375 ألف درهم، وهو ما يفرض على المستثمرين إعادة تقييم الهياكل المالية والضريبية للاستثمارات.
من اقتصاد النفط إلى منصة لرأس المال العالمي
تكشف هذه التحولات أن النمو المالي والعقاري في الخليج لم يعد مجرد انعكاس لدورة نفطية أو طفرة عقارية، وإنما أصبح نتاج منظومة متكاملة تجمع بين التشريعات المنفتحة، والعوائد التنافسية، والمشروعات العملاقة، والبنية الرقمية، والائتمان الخاص، والاتفاقيات التجارية.
وبهذا المعنى، يتحول الخليج تدريجياً من وجهة لرأس المال الباحث عن العائد إلى منصة عالمية تتقاطع فيها العقارات مع التمويل والتجارة والتكنولوجيا والبنية التحتية.
ومع توقعات باقتراب حجم السوق العقارية الخليجية من مضاعفة حجمه بحلول 2034، فإن السؤال أمام المستثمرين العالميين لم يعد «هل ندخل الخليج؟»، بل أصبح: كيف ندخل، وأي فئة أصول نختار، وما الهيكل الرأسمالي الأكثر ملاءمة للاستفادة من دورة النمو الجديدة؟
التعليقات مغلقة.