الدكتور عبد الفتاح قنبيج.. خبرة ليبية تجمع علم النفس الرياضي بالإدارة وصناعة الإنجاز
في عالم الرياضة الحديثة، لم يعد الوصول إلى منصات التتويج رهناً بالموهبة البدنية والمهارات الفنية وحدها، بل أصبح ثمرة منظومة متكاملة تجمع بين العلم والتخطيط والإعداد النفسي والإدارة الاحترافية. ومن هنا تبرز أهمية الكفاءات العربية التي استطاعت الجمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة الميدانية، وتوظيف المعرفة العلمية في خدمة اللاعبين والأندية والمنتخبات.
ويأتي الدكتور عبد الفتاح قنبيج، أحد الكفاءات الليبية في مجال علوم الرياضة والإدارة والإعداد النفسي، نموذجاً لهذه الخبرات المتعددة، بعدما جمع في مسيرته بين العمل الأكاديمي والمشاركة في إدارة المنظومة الرياضية، والعمل ضمن الأجهزة الفنية، وتأهيل المدربين، والإسهام في تطوير الجوانب النفسية لدى الرياضيين والحكام.
وتطرح تجربته تساؤلاً مهماً أمام المؤسسات الرياضية العربية: كيف يمكن تحويل الخبرات المتراكمة إلى برامج عمل مستدامة تسهم في تطوير المنتخبات والأندية، وتعزز قدرتها على المنافسة في البطولات الإقليمية والدولية؟

من الجامعة إلى الميدان.. مسيرة متعددة التخصصات
يمتلك الدكتور عبد الفتاح قنبيج خلفية أكاديمية في علوم الرياضة النفسية والاجتماعية، إلى جانب عمله عضواً في هيئة التدريس الجامعي، وهو ما أتاح له الجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي في بيئات رياضية مختلفة.
وتعكس مسيرته تنوعاً في مجالات العمل، إذ لم تقتصر على الجانب التدريبي، بل امتدت إلى الإدارة الرياضية والإعداد النفسي والتأهيل الفني، فضلاً عن المشاركة في الهيئات العلمية والرياضية العربية والدولية.
كما شارك في مؤتمرات وملتقيات رياضية في عدد من الدول، من بينها بريطانيا والسويد وتركيا وماليزيا، إلى جانب قطر والإمارات ومصر وتونس والسودان والجزائر ولبنان، في إطار الحضور العلمي والمهني وتبادل الخبرات في مجالات الرياضة وعلومها.
ويمثل هذا التنوع أحد أبرز جوانب تجربته، بالنظر إلى تزايد الحاجة إلى متخصصين قادرين على الربط بين الأبحاث الأكاديمية ومتطلبات المنافسة الرياضية الحديثة.

خبرة في إدارة الأندية والمنتخبات
على الصعيد الميداني، تولى قنبيج عدداً من المهام داخل كرة القدم الليبية، مستفيداً من خبرته في الإدارة والإعداد النفسي والعمل ضمن الأجهزة الفنية.
فقد عمل مساعداً لمدرب النادي الأهلي طرابلس لكرة القدم، ضمن الجهاز الفني للمدرب التشيكي أوتكار، خلال الموسم الذي تُوّج فيه النادي ببطولة الدوري الليبي 1992-1993، وفقاً للسيرة المهنية الواردة عنه.
كما تولى مهمة المعد النفسي ومدير الكرة بالنادي خلال موسم 2007-2008، ضمن الطاقم الفني للمدرب الألماني بوكير، الذي سبق له تدريب نادي الوحدة السعودي والمنتخب اللبناني.
وامتدت تجربته إلى المنتخب الليبي الأول، إذ تولى مسؤولية مدير الكرة ضمن الجهاز الفني للمدرب الإسباني خافيير كليمنتي خلال تصفيات كأس العالم 2022، كما شارك في اللجنة الفنية بالاتحاد الليبي لكرة القدم، خلال فترة رئاسة الإسباني رامون للاتحاد، بحسب المعلومات الواردة في سيرته.
وتكشف هذه المحطات عن تعدد الأدوار التي اضطلع بها، بين متابعة الشؤون الإدارية والتنظيمية للفرق، والتعامل مع متطلبات الأجهزة الفنية، وفهم الاحتياجات النفسية للاعبين، وهي جوانب تتكامل أهميتها في بناء فرق قادرة على المنافسة والاستقرار.

التأهيل النفسي.. عنصر أساسي في صناعة البطل
يحتل الإعداد النفسي مكانة متقدمة في الرياضة الاحترافية، لما له من دور في تعزيز التركيز والثقة بالنفس، والتعامل مع الضغوط، وإدارة الانفعالات خلال المنافسات الحاسمة.
وفي هذا المجال، برزت مشاركة الدكتور عبد الفتاح قنبيج في برامج التأهيل والتدريب، إلى جانب عمله في إعداد المحاضرات المتخصصة. ومن أبرز محطاته تقديم محاضرات في الإعداد النفسي للحكام خلال ملتقى حكام النخبة القطرية في الدوحة عام 2014.
وتكتسب هذه الخبرة أهمية خاصة في ظل التطور المتزايد في إعداد الحكام واللاعبين، والحاجة إلى برامج علمية تساعد على تحسين اتخاذ القرار، والمحافظة على التركيز، والتعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية.
فصناعة البطل لا تبدأ يوم المنافسة، بل تنطلق من منظومة إعداد طويلة الأمد، يكون فيها الجانب النفسي مكملاً للتدريب البدني والفني والتخطيط التكتيكي.

محاضر دولي ومساهمة في تأهيل المدربين
امتدت خبرات قنبيج إلى مجال تأهيل الكوادر التدريبية، بعدما حصل على دورات «فوتورو» خلال الفترة من 2004 إلى 2006، وفقاً للمعلومات الواردة في سيرته، وأصبح محاضراً دولياً للمدربين.
ويمثل إعداد المدربين أحد المفاتيح الرئيسية لتطوير كرة القدم، إذ ترتبط جودة التدريب بقدرة المؤسسات على إعداد كوادر مؤهلة، وتحديث معارفها، وتعزيز فهمها للجوانب الفنية والنفسية والإدارية.
كما أن وجود محاضرين يمتلكون خبرة عملية وأكاديمية يتيح نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة من المدربين، ويساعد على تطوير بيئة تدريبية تستند إلى أساليب علمية حديثة.
حضور عربي في الهيئات العلمية والرياضية
على مستوى العمل العربي المشترك، تولى الدكتور عبد الفتاح قنبيج رئاسة مكتب ليبيا للجمعية العربية لعلم النفس الرياضي، إلى جانب عضويته في المجمع العلمي العربي لعلوم الرياضة والتكنولوجيا.
كما شارك في أنشطة علمية ومحاضرات من خلال المكتبين العربيين في لبنان ومصر، بما يعكس اهتماماً بتبادل المعرفة وتوسيع قنوات التعاون بين المتخصصين في علوم الرياضة.
وفي الجانب المؤسسي، تولى رئاسة الوفد الليبي المشارك في اجتماعات وزراء الشباب والرياضة العرب لدورتين متتاليتين بمقر جامعة الدول العربية في القاهرة، وهي مهمة ترتبط بالتمثيل الرياضي الرسمي ومتابعة ملفات التعاون بين المؤسسات العربية المعنية بالشباب والرياضة.
وتبرز هذه المشاركات أهمية الحضور العلمي والمؤسسي إلى جانب الخبرة الميدانية، خصوصاً في مرحلة تتجه فيها الرياضة العالمية إلى توسيع الاعتماد على البحث العلمي والتحليل النفسي والتخطيط الاستراتيجي.

كيف تستفيد الرياضة العربية من هذه الخبرات؟
إن استثمار الكفاءات العربية المتخصصة يتطلب الانتقال من الاعتماد على المبادرات الفردية إلى بناء برامج مؤسسية واضحة، تربط الخبرة العلمية باحتياجات الأندية والمنتخبات والاتحادات الرياضية.
ويمكن أن يشمل ذلك تطوير برامج للإعداد النفسي للاعبين والحكام، وتنظيم دورات متقدمة للمدربين، وإنشاء وحدات متخصصة في علم النفس الرياضي داخل الأندية والمنتخبات، إلى جانب تعزيز التعاون بين الجامعات والاتحادات ومراكز التدريب.
كما تبرز الحاجة إلى إعداد قواعد بيانات للكفاءات العربية في مجالات التدريب والإدارة والطب الرياضي وعلم النفس الرياضي، بما يتيح الاستفادة من خبراتها في مشروعات مشتركة، وتبادل المعرفة بين الدول، وبناء أجيال جديدة من المتخصصين.
وتتطلب هذه الرؤية استراتيجية طويلة الأمد، تتضمن أهدافاً قابلة للقياس، وبرامج تطوير مستمرة، وتقييماً علمياً لنتائج الإعداد البدني والفني والنفسي، بما يجعل صناعة الإنجاز عملية مؤسسية وليست رهناً بالاجتهادات الفردية.
الاستثمار في الإنسان أساس الإنجاز
تقدم تجربة الدكتور عبد الفتاح قنبيج نموذجاً لتعدد المسارات المهنية داخل المنظومة الرياضية، من الجامعة إلى الأجهزة الفنية، ومن الإعداد النفسي إلى الإدارة الرياضية والعمل العربي المشترك.
وتبقى القيمة الأهم لهذه الخبرات في مدى قدرة المؤسسات الرياضية على توظيفها ضمن خطط عملية، تستفيد من المعرفة الأكاديمية والتجربة الميدانية معاً، وتضع تطوير الإنسان الرياضي في مقدمة أولوياتها.
فالرياضة العربية تمتلك رصيداً من الكفاءات والخبرات المتراكمة، لكن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل هذا الرصيد إلى برامج مستدامة تسهم في إعداد لاعبين أكثر جاهزية، ومدربين أكثر كفاءة، ومنتخبات أكثر قدرة على المنافسة، وصولاً إلى حضور عربي أقوى على منصات التتويج العالمية.
إن صناعة البطل تبدأ بالاستثمار في العلم والخبرة والإنسان، وتكتمل بمنظومة رياضية تؤمن بالتخطيط والعمل المؤسسي والاستمرارية.
التعليقات مغلقة.