الرأسمال النفسي… المحرك الخفي لاستقرار الاقتصاد وصناعة المستقبل
اجرته\ رباب سعيد مدير تحرير مجلة استثمارات الإماراتية
في عالمٍ يتأرجح بين الأزمات النفطية والتحولات الصناعية المتسارعة، يبرز سؤال جوهري: هل يمكن للاقتصاد أن ينهض دون أن ينهض الإنسان أولاً؟
الدكتورة ذكرى الزعبي الرئيس المؤسس شركة بودفيرس ،،، ورائدة علم النفس الصناعي تضع هذا السؤال في قلب النقاش، مؤكدة أن الفصل بين السياسات الصناعية ورفاهية العامل لم يعد ممكناً. فالعامل المستقر نفسياً ليس مجرد عنصر إنتاج، بل هو رأسمال استراتيجي يحدد قدرة الدول على مواجهة المعضلة الثلاثية للنمو: التنافسية، الاستقرار، والابتكار
التجارب الألمانية والإسكندنافية، ورؤية أبوظبي 2030، ونموذج “كايزن” في تويوتا، كلها شواهد حيّة على أن الاستثمار في الصحة النفسية والمشاركة العمالية يضاعف الإنتاجية ويعزز المرونة أمام الأزمات. الأرقام صادمة: 617 مليار يورو خسائر سنوية بسبب الإجهاد المهني في أوروبا، و200 مليار دولار تكلفة المشاكل النفسية في قطاع النفط والغاز. لكن الرسالة أوضح من أي رقم: الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي يبدأ من الداخل، من عقل العامل وروحه، قبل أن يُقاس بمؤشرات الناتج المحلي أو أسعار الأسهم
هذا الحوار مع الدكتورة ذكرى الزغبي يفتح الباب أمام إعادة صياغة استراتيجية النمو لتكون أكثر إنسانية وشمولية، ويضع أمام صناع القرار وقادة الأعمال آليات عملية لتحويل الرأسمال النفسي إلى محركٍ للتنمية المستدامة، في زمن يحتاج إلى شجاعة التفكير وجرأة إعادة ترتيب الأولويات

نص حوار
الدكتورة\ ذكري الزعبي الرئيس المؤسس لشركة بودفيرس، ورائدة في علم النفس الصناعي والتنظيمي
س1: كيف يمكن الجمع بين علم النفس الصناعي والسياسات الصناعية لتحقيق استقرار اقتصادي واجتماعي؟
توضح الدكتورة ذكرى الزعبي أن العالم اليوم يقف أمام ضرورة إعادة تعريف مفهوم النمو الاقتصادي، بحيث لا يُختزل في مؤشرات مالية مجردة، بل يُبنى على أساس إنساني مستدام. وتشير إلى أن التكامل بين علم النفس الصناعي والسياسات الصناعية لم يعد خيارًا فكريًا، بل ضرورة استراتيجية
وتقول
إن الفصل التقليدي بين رفاهية العامل والإنتاجية الاقتصادية هو فصل مصطنع ومكلف. التجارب الدولية، خاصة في أوروبا الشمالية وألمانيا، أثبتت أن الاستثمار في الصحة النفسية والمشاركة العمالية يُترجم مباشرة إلى إنتاجية أعلى واستقرار اجتماعي أعمق
وتضيف أن صناع القرار يواجهون ما يُعرف بـ”المعضلة الثلاثية للنمو”، والتي تتمثل في التوفيق بين دعم الشركات الكبرى، والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وتحفيز الابتكار. غير أن تجاهل البعد النفسي يؤدي إلى خسائر ضخمة، كما تُظهر التقديرات التي تشير إلى أن الإجهاد المهني يكلف الاقتصادات مئات المليارات سنويًا
وترى الزعبي أن الحل يكمن في بناء “سياسات صناعية متمحورة حول الإنسان”، تُدمج فيها أدوات علم النفس الصناعي في تصميم بيئات العمل، بما يعزز الانخراط، ويقلل التوتر، ويحول العامل إلى شريك في التنمية لا مجرد عنصر إنتاج
س2: هل يمكن اعتبار العامل النفسي جزءًا من استراتيجية الدول في مواجهة الأزمات النفطية؟
تجيب الزعبي بحزم
نعم، العامل النفسي هو عنصر استراتيجي، وليس مجرد نتيجة جانبية للأزمات
وتوضح أن الأزمات النفطية تاريخيًا—مثل أزمات 1973 و1986 و2014—تم التعامل معها من منظور مالي بحت، بينما تم إغفال التكلفة النفسية، التي تنعكس في انخفاض الإنتاجية، وارتفاع معدلات الغياب، وزيادة الحوادث المهنية
وتشير إلى أن البيانات الحديثة تُظهر أن قطاع النفط والغاز يتحمل خسائر تُقدّر بمئات المليارات سنويًا بسبب مشكلات الصحة النفسية، مع ارتفاع معدلات القلق والاكتئاب بين العاملين خلال فترات الأزمات
وتضيف
الدول الناجحة، مثل النرويج والإمارات، لم تنتظر وقوع الأزمة، بل استثمرت مسبقًا في ما أسميه بـ’الرأسمال النفسي’. هذا الاستثمار يشمل برامج إعادة التأهيل، وتعزيز المرونة النفسية، وبناء قيادات قادرة على إدارة التغيير
وتؤكد أن التحول نحو اقتصاد ما بعد النفط لا يتطلب فقط تنويع مصادر الدخل، بل أيضًا “تنويع العقليات والمهارات”، بحيث يتحول العامل من حالة القلق إلى التكيف، ومن المقاومة إلى الابتكار
س3: كيف يمكن لعلم النفس الصناعي أن يرفع من كفاءة القوى العاملة في الصناعات التحويلية؟
تؤكد الزعبي أن الصناعات التحويلية تمثل اختبارًا حقيقيًا لفاعلية علم النفس الصناعي، نظرًا لما تواجهه من تحديات مثل انخفاض الإنتاجية والإجهاد المهني وارتفاع معدل دوران العمالة
وتقول
الاستثمار في الجانب النفسي للعامل ليس رفاهية، بل استثمار عالي العائد. بعض الدراسات تشير إلى عوائد تصل إلى %340
وتستشهد بتجربة شركة Toyota كنموذج عالمي، حيث يتم تمكين العاملين من خلال نظام “كايزن”، الذي يمنحهم دورًا فاعلًا في تحسين العمليات، بل وإيقاف خط الإنتاج عند اكتشاف أي خلل وتضيف أن المؤسسات التي تعتمد على مبادئ السلامة النفسية تحقق زيادات ملحوظة في الإنتاجية، وانخفاضًا كبيرًا في الغياب والحوادث. كما تشير إلى أهمية مفاهيم مثل “تصميم العمل المُثري” و”القيادة التحويلية” في خلق بيئة عمل محفزة
وتطرح الزعبي إطارًا عمليًا متكاملًا يتضمن سبعة محاور رئيسية، تشمل
الاختيار العلمي، تصميم العمل، التدريب المستمر، السلامة النفسية، الحوافز العادلة، القيادة التحويلية، وتحسين بيئة العمل المادية
وتختتم بقولها
العامل المستقر نفسيًا والمُمكَّن في بيئته هو المحرك الحقيقي للإنتاجية. الاستثمار في الرأسمال النفسي لم يعد خيارًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في اقتصاد عالمي شديد التنافسية
خلاصة الحوار
تشدد الدكتورة ذكرى الزعبي على أن المستقبل الاقتصادي لن يُبنى فقط عبر التكنولوجيا أو رأس المال، بل عبر الإنسان نفسه—بصحته النفسية، ودافعيته، وقدرته على التكيف. وتؤكد أن دمج علم النفس الصناعي في صميم السياسات الاقتصادية هو الطريق الأقصر نحو استقرار اقتصادي واجتماعي مستدام
التعليقات مغلقة.