الصين تطلق حزمة تحفيز جديدة لضبط النمو.. والطلب المحلي يظل التحدي الأكبر

تتجه الصين إلى تعزيز الاقتصاد بحزمة تحفيز جديدة تستهدف دعم النمو والحفاظ عليه داخل النطاق الرسمي المستهدف، من دون التوجه نحو إنفاق مالي واسع النطاق، في وقت لا يزال ضعف الطلب المحلي يمثل أبرز العقبات أمام تحقيق انتعاش اقتصادي أكثر شمولاً.

 

وأعلنت السلطات الصينية، عقب إغلاق الأسواق الثلاثاء، إجراءات شملت تقديم دعم للرهن العقاري لمشتري المنازل المؤهلين، إلى جانب توسيع برنامج البنك المركزي لدعم إقراض البنوك وتمويل مشروعات البنية التحتية والقطاعات المستهدفة، وفي مقدمتها التكنولوجيا والشركات الصغيرة.

 

كما خفض بنك الشعب الصيني سعر الفائدة على تسهيل الإقراض التكميلي المضمون لمدة عام بمقدار 25 نقطة أساس إلى 1.5%، في خطوة تعكس توجه بكين نحو تقديم دعم نقدي ومالي محدد للقطاعات التي تستهدفها السياسة الاقتصادية.

 

وتأتي الإجراءات الجديدة بعد تعهد مجلس الدولة بتقديم “حزمة من السياسات الإضافية العملية والفعالة” لدعم تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام الجاري، في وقت تباطأ فيه النمو إلى ما دون النطاق المستهدف خلال الربع الأخير.

 

ويرى دنكان ريغلي، كبير اقتصاديي الصين لدى بانثيون ماكروإيكونوميكس، أن الإجراءات الجديدة يمكن أن توفر دفعة تكفي للوصول إلى الحد الأدنى من نطاق النمو المستهدف، لكنها لن تعالج الاختلالات الهيكلية التي تعاني منها الصين، وعلى رأسها ضعف الطلب المحلي والاعتماد المتزايد على الصادرات.

 

 

وتراهن بكين بصورة أساسية على الاستثمار باعتباره أحد المحركات الرئيسية للحزمة الجديدة، مع توقعات بأن تلعب السياسة المالية دوراً أكبر خلال المرحلة المقبلة.

 

ومن بين السيناريوهات المطروحة السماح للحكومات المحلية باستخدام نحو 500 مليار يوان، بما يعادل 74.6 مليار دولار، من حصص السندات غير المستخدمة من سنوات سابقة، وهو ما يمثل قرابة نصف المبلغ المتاح، وبمستويات مماثلة لما أتيح في عامي 2024 و2025.

 

كما يُتوقع أن تكشف السلطات عن مزيد من الإجراءات قبل بدء عطلة تستمر أسبوعاً اعتباراً من الخميس، في وقت تضع فيه الحكومة الاستقرار الاقتصادي ضمن أولوياتها قبل اجتماع مهم للحزب الشيوعي الحاكم الشهر المقبل.

 

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الفجوة بين معدل النمو الأخير والهدف الرسمي تبلغ 0.2 نقطة مئوية، وهي أقل من الفجوة المسجلة في عام 2024، ما يعني أن السلطات قد لا تحتاج إلى حزمة تحفيز بالحجم نفسه الذي طُرح قبل عامين.

 

في المقابل، يظل هامش التحرك النقدي محدوداً بفعل البيئة العالمية لأسعار الفائدة، إذ إن خفض الفائدة الصينية بصورة كبيرة بالتزامن مع تشديد السياسة النقدية الأميركية قد يزيد الضغوط على اليوان ويحفز خروج رؤوس الأموال.

 

ويمثل القطاع العقاري أحد أبرز التحديات أمام أي محاولة لتعزيز الطلب المحلي، رغم الدعم الجديد الموجه إلى مشتري المنازل.

 

ومن المتوقع أن تستفيد المدن الأقل تصنيفاً بصورة أكبر من دعم الرهن العقاري، إلا أن الإجراءات لا يُنظر إليها باعتبارها خطة شاملة لإنقاذ سوق العقارات، الذي لا يزال يؤثر في إيرادات الحكومات المحلية ويضغط على مستويات الإنفاق.

 

وحذر اقتصاديون في مورغان ستانلي  من أن استمرار ضعف مبيعات الأراضي وارتفاع ديون الحكومات المحلية قد يدفع السلطات المحلية إلى تقليص الإنفاق في وقت يحتاج فيه الاقتصاد إلى مزيد من الدعم، بما قد يزيد من حدة ضعف الطلب بدلاً من احتوائه.

 

كما لا تزال مستويات الاستهلاك ضعيفة، إذ تباطأ نمو الإنفاق الاستهلاكي إلى قرب الصفر خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع تراجع قطاع العقارات وتدهور النظرة المستقبلية للدخول.

 

ومع استمرار ضعف الاستهلاك والاستثمار، أصبح الاقتصاد الصيني أكثر اعتماداً على الصادرات، التي استفادت من موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي.

 

وفي الوقت نفسه، تواصل بكين توجيه التمويل نحو التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، إلى جانب مشروعات البنية التحتية المرتبطة بمبادرة الشبكات الست التي تشمل أنظمة الحوسبة والاتصالات والخدمات اللوجستية وشبكات الأنابيب تحت الأرض.

 

لكن ارتفاع حجم الاستثمارات لا يضمن بالضرورة عائداً اقتصادياً مرتفعاً، إذ حذر تشاو بنغ شينغ من مجموعة أستراليا ونيوزيلندا المصرفية من احتمال انخفاض العائد على بعض هذه الاستثمارات.

 

وبذلك، تبدو الحزمة الجديدة أقرب إلى محاولة لتثبيت مسار الاقتصاد الصيني وضمان بلوغ هدف النمو الرسمي، أكثر من كونها تحولاً واسعاً في السياسة الاقتصادية، فيما تبقى معضلة تنشيط الطلب المحلي وإعادة التوازن إلى مصادر النمو قائمة أمام صانعي القرار في بكين.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com