المسرح يتحدى أزيز الحرب في بيروت.. خشبات العرض تتحول إلى مساحة للصمود والأمل

في وقت تفرض فيه الحرب إيقاعها القاسي على الحياة اليومية في لبنان، وتخيم أجواء القلق والنزوح على مناطق واسعة من البلاد، تواصل المسارح في بيروت رفع ستائرها متحديةً الظروف الأمنية والاقتصادية الصعبة، في مشهد يجسد تمسك الفنانين والجمهور بالحياة والثقافة رغم أصوات الطائرات والاستهدافات المتكررة.

فبينما تتردد في سماء العاصمة أصوات طائرات الاستطلاع، تمتلئ قاعات العرض بالجمهور الباحث عن لحظة هدوء وأمل بعيداً عن نشرات الأخبار ومشاهد الدمار، لتتحول الخشبات الفنية إلى منصات للمقاومة الثقافية والعلاج النفسي الجماعي في مواجهة تداعيات الحرب.

وفي مقدمة هذه المسارح، يواصل مسرح “لو مونو” نشاطه رغم التحديات، حيث تستمر العروض والتدريبات وورش العمل وسط إجراءات استثنائية فرضتها الأوضاع الأمنية. ويُعرض حالياً عمل “الوحش” للمخرج جاك مارون، الذي يؤكد أن الاستمرار في العمل الفني بات شكلاً من أشكال الصمود الشخصي والجماعي.

وقال مارون إن الفن لا يستطيع تغيير مسار الحروب، لكنه يمنح العاملين فيه والجمهور فرصة للابتعاد عن الضغوط اليومية واستعادة التوازن النفسي، مشيراً إلى أن التوقف عن الإنتاج يعني الاستسلام لواقع فرضته الظروف القاسية.

ولم يقتصر التكيف مع الأزمة على المسارح المغلقة، إذ لجأ عدد من الفرق الفنية إلى اعتماد البروفات الرقمية وتنظيم العروض في فضاءات مفتوحة كلما سمحت الظروف، فيما خصصت بعض المؤسسات الثقافية جزءاً من إيراداتها لدعم استمرار النشاط المسرحي ومساندة العاملين في القطاع.

كما تحولت بعض المسارح إلى مراكز دعم مجتمعي، حيث جرى تخصيص مساحات لاستقبال فرق الطوارئ والدفاع المدني، في انعكاس مباشر للدور الذي باتت تلعبه المؤسسات الثقافية خلال الأزمات.

ويرى فنانون لبنانيون أن الوقوف على خشبة المسرح في زمن الحرب لم يعد مجرد نشاط فني، بل أصبح مسؤولية مهنية وإنسانية ورسالة للحفاظ على الهوية الثقافية ومنع انهيار الحياة العامة. ويؤكدون أن الإقبال الجماهيري المستمر يمنحهم الدافع للاستمرار رغم المخاطر والتحديات.

ومن داخل قاعات العرض، يعبّر كثير من الحاضرين عن تمسكهم بالمسرح باعتباره مساحة للقاء والتضامن ورفض الاستسلام. ويقول عدد منهم إن شراء تذكرة عرض بات يحمل رسالة دعم للفنانين وللبقاء في البلاد، في مواجهة موجات الإحباط والهجرة التي فرضتها سنوات الأزمات المتلاحقة.

وبين خشبات المسرح وأصوات الحرب، يواصل الفنانون اللبنانيون تقديم عروضهم، مؤكدين أن الثقافة تبقى إحدى أدوات الصمود الأساسية، وأن الحفاظ على الحياة الفنية في أحلك الظروف يمثل انتصاراً معنوياً في مواجهة الخوف والدمار.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com