النَّفْطُ وَالسِّيادَةُ: تَحَوُّلٌ في أَنماطِ الحَوْكَمَةِ النِّفْطِيَّةِ
بقلم: د. ياسين العلي استشاري إدارة التحول الاقتصادي
(ملخص)
“يرى المقال أن التحولات في سوق الطاقة تعكس انتقالاً من “حوكمة الحصص” داخل أوبك إلى “حوكمة القدرة” التي تمنح الدول مرونة أكبر في إدارة إنتاجها وفق استراتيجياتها الوطنية.
ويعتبر أن التباين بين القدرات الإنتاجية والقيود الجماعية، خاصة في الحالة الإماراتية، جعل النموذج التقليدي أقل ملاءمة للتطورات الاقتصادية العالمية.
ويخلص إلى أن السيادة على القرار النفطي أصبحت العامل الحاسم، مع إعادة توظيف النفط كأداة ضمن تنويع اقتصادي أوسع لا كمصدر دخل وحيد.”
لا تُقاس التحولات في أسواق الطاقة بقرارات الإنتاج وحدها، بل بالكيفية التي تُعاد بها صياغة قواعد الحوكمة التي تنظّم هذا الإنتاج. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة خروج الإمارات العربية المتحدة من منظمة أوبك بوصفه حدثاً نفطياً تقنياً، بل كتحول أعمق في نمط الحوكمة النفطية نفسه؛ انتقالاً من نموذجٍ قائم على الانضباط الجماعي إلى نموذجٍ يقوم على السيادة الاستراتيجية ضمن مسارٍ أوسع لإدارة التحول الاقتصادي.
لوقتٍ طويل، شكّلت أوبك إطاراً فعالاً لإدارة سوقٍ يتسم بحساسية عالية تجاه تقلبات العرض والطلب. وقد قامت فلسفة هذا الإطار على مبدأ جوهري: تقاسم القرار النفطي بين الدول الأعضاء لضبط السوق وتحقيق استقرار نسبي في الأسعار. وضمن هذا المنطق، كانت الحوكمة النفطية تأخذ شكلاً جماعياً، تُقيَّد فيه السياسات الإنتاجية الوطنية ضمن توازنات مشتركة.
غير أن هذا النموذج، رغم نجاحه التاريخي، يفترض درجة من التماثل بين الدول الأعضاء، سواء في احتياجاتها الاقتصادية أو في قدراتها الإنتاجية. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الفرضية تتآكل. فالدول لم تعد تتحرك ضمن شروط متشابهة، بل وفق مسارات تنموية واستراتيجيات اقتصادية متباينة.
في الحالة الإماراتية، تجلّى هذا التباين بوضوح. فالدولة، عبر استثمارات قادتها أدنوك، رفعت طاقتها الإنتاجية إلى ما يقارب خمسة ملايين برميل يومياً، في حين ظلّت التزاماتها ضمن أوبك تُقيّد إنتاجها عند مستويات أدنى. هذه الفجوة بين “القدرة المتاحة” و“الإنتاج المسموح” لم تكن مجرد مسألة تقنية، بل مؤشر على اختلال في نمط الحوكمة، حيث لم تعد القواعد الجماعية قادرة على استيعاب تطور القدرات الوطنية.
في هذا السياق، يصبح الخروج من أوبك تعبيراً عن تحوّل في الحوكمة النفطية ذاتها. فالدولة لا تنسحب من السوق، بل تعيد تعريف علاقتها به. لم يعد النفط يُدار ضمن آلية تنسيق جماعي فقط، بل ضمن استراتيجية سيادية تُحدَّد فيها أولويات الإنتاج والتصدير والاستثمار وفق رؤية وطنية شاملة.
ويتزامن هذا التحول مع تغير أوسع في طبيعة سوق الطاقة العالمي. فمع تسارع التحولات نحو مصادر الطاقة البديلة، ومع تزايد الحديث عن بلوغ الطلب على النفط ذروته خلال العقود القادمة، لم يعد عامل الزمن محايداً. كل برميل مؤجل اليوم قد يفقد جزءاً من قيمته غداً. وهنا، تتحول الحوكمة النفطية من إدارة الكميات إلى إدارة التوقيت.
إن هذا التحول يعكس انتقالاً من “حوكمة الحصص” إلى “حوكمة القدرة”. ففي النموذج الأول، تُدار السوق عبر توزيع الإنتاج بين الأطراف؛ أما في النموذج الثاني، فتُدار عبر تمكين كل دولة من توظيف قدرتها الإنتاجية ضمن استراتيجيتها الخاصة. وهذا لا يعني غياب التنسيق، بل تحوّله من التزام مؤسسي إلى خيار استراتيجي.
ولا يقتصر هذا التغير على البعد النفطي، بل يرتبط بإعادة تعريف موقع النفط داخل الاقتصاد الوطني. فالإمارات لم تعد تعتمد على النفط كمصدر أحادي للدخل، بل تستخدمه كرافعة ضمن منظومة اقتصادية أوسع تشمل الطاقة المتجددة، والهيدروجين، والصناعات المتقدمة، والخدمات. وضمن هذا الإطار، يصبح تحرير السياسة النفطية شرطاً لضمان انسجام هذا المورد مع بقية مكونات الاستراتيجية الاقتصادية.
وبطبيعة الحال، لا يخلو هذا الانتقال من تحديات. فالتخلي عن إطار تنسيقي مثل أوبك يعني فقدان بعض أدوات الضبط الجماعي للأسعار، والتعرض بدرجة أكبر لتقلبات السوق. غير أن الفارق الجوهري هنا يكمن في موقع الانطلاق. فالدولة التي تمتلك تكلفة إنتاج منخفضة، وبنية تحتية متقدمة، واستراتيجية تنويع اقتصادي، تكون أكثر قدرة على إدارة هذه المخاطر ضمن إطار سيادي.
من منظور إدارة التحول، يمكن قراءة هذا القرار كجزء من مسار منظم لإعادة مواءمة السياسات مع القدرات. فالدولة لا تغيّر موقعها فجأة، بل تنتقل تدريجياً من مرحلة العمل ضمن نظام جماعي، إلى مرحلة تتجاوز فيها قدراتها حدود هذا النظام، وصولاً إلى مرحلة تستعيد فيها السيطرة على قرارها الإنتاجي.
في المحصلة، لا يعكس خروج الإمارات من أوبك نهاية دورها في سوق النفط، بل بداية دور مختلف. فالدول التي تعيد تعريف حوكمة مواردها لا تنفصل عن النظام العالمي، بل تعيد تشكيل موقعها داخله.
وفي عالمٍ يتجه نحو إعادة رسم خرائط الطاقة، تصبح السيادة على القرار النفطي لا مجرد امتلاك المورد هي المحدد الحقيقي للقوة.
ففي نهاية المطاف، لم يعد النفط مجرد موردٍ اقتصادي، بل أداة حوكمة. والدولة التي تتحكم بهذه الأداة، تتحكم بمسارها.
التعليقات مغلقة.