د. ياسين العلي :النفط مورد زائل، أما الصناعة فهي قرار سيادي يبني اقتصاداً عربياً resilient قادر على الصمود والتصدير.
الصناعة العربية: من قطاع تابع إلى بديل استراتيجي عن النفط
وبحسب د. ياسين العلي – استشاري إدارة التحول ورئيس شركة أدامة للاستثمار فقد حدد لمجلة استثمارات الإماراتية أن لا يمكن للصناعة العربية أن تتحول إلى بديل استراتيجي عن النفط إذا استمرت في إطارها التقليدي كقطاع إنتاجي إضافي داخل الاقتصاد الريعي. فالبديل الحقيقي لا يُبنى بإضافة مصانع إلى جانب النفط، بل بإعادة تشكيل منطق الاقتصاد نفسه، بحيث تنتقل الدولة من نموذج يقوم على استخراج القيمة من المورد الخام إلى نموذج يقوم على توليد القيمة من المعرفة، والتصنيع، والخدمات المرتبطة به، وإدارة التدفقات التي تمر عبره
والسؤال الجوهري ليس كيف نزيد وزن الصناعة رقمياً، بل كيف نجعلها قادرة على امتصاص الصدمات التي كان النفط يمتصها سابقاً، وعلى توفير دخل وتشغيل وصادرات ومرونة مالية حين تتراجع أسعار الخام أو تضطرب الأسواق. وقد أكدت منظمات دولية أن التنويع الصناعي والتحديث التكنولوجي لم يعودا خياراً تجميلياً، بل ضرورة لتقليص هشاشة الاقتصادات العربية أمام تقلبات أسواق الطاقة
وأوضح العلي أن الصناعة لا تصبح بديلاً استراتيجياً إلا عندما تتحول إلى منظومة مترابطة تشمل التمويل، والطاقة، والمهارات، واللوجستيات، والرقمنة، وسياسات التصدير، وحماية الملكية الفكرية، وسلاسل التوريد. فالمصنع المعزول قد يرفع الإنتاج، لكنه لا يبني اقتصاداً قادراً على الصمود. ولهذا فإن التحول المطلوب ليس كمياً فقط، بل نوعي في طبيعة الصناعة نفسها، بحيث تصبح مجالاً لتوليد المعرفة التطبيقية، وتوطين التكنولوجيا، وربط الإنتاج بالبيانات، وتحويل الموانئ والمناطق الاقتصادية إلى منصات تصدير
كما أن الصناعة لا تتحول إلى بديل استراتيجي إلا إذا امتلكت مرونة نظامية، أي القدرة على تغيير مصادر المدخلات، وإعادة توجيه الصادرات، وامتصاص صدمات النقل والطاقة، والعمل بكفاءة أعلى تحت الضغط. هذه المرونة لا تأتي من رأس المال وحده، بل من الابتكار، والأتمتة، والذكاء الاصطناعي، وتعزيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة داخل الشبكات الصناعية الكبرى
والتحول الصناعي لا ينجح أيضاً إذا عُزل عن التعليم وسوق العمل والدولة. فالصناعة التي يمكن أن تحل محل النفط جزئياً هي صناعة تمتلك مهارات تقنية، ومراكز تدريب، وجامعات مرتبطة بالإنتاج، وتمويلاً صبوراً، ودولة قادرة على حماية المسار الصناعي من الانكشاف المبكر
الخلاصة
الصناعة العربية يمكن أن تتحول إلى بديل استراتيجي عن النفط، لكن ليس بصيغة الإحلال الفوري، بل بصيغة إعادة توزيع مركز الثقل الاقتصادي. النفط سيبقى مورداً مهماً، لكن الصناعة تصبح الآلية التي تمنح الاقتصاد القدرة على الصمود حين يضعف النفط، والوسيلة التي تحوّل العائدات النفطية من ريع مستهلك إلى رأسمال منتج. وعندما تبلغ الصناعة هذا المستوى، تتحول من قطاع تابع إلى بنية سيادية تمنح الاقتصاد العربي القدرة على الاستمرار خارج منطق الصدمة النفطية
معيار الصمود الصناعي: ما وراء الحجم والاستثمار
ويري رئيس شركة أدامة للاستثمار أن الصمود الصناعي لا يُقاس بحجم الاستثمارات أو ضجيج المشاريع، بل بمدى استقرار الطلب، وارتفاع القيمة المضافة، واستقلال القطاع عن الدورة النفطية المباشرة، إضافة إلى قدرته على الاندماج في سلاسل الإمداد الإقليمية والعالمية. فالقطاع الصناعي الذي يملك مرونة تكنولوجية، وقابلية للتصدير أو إحلال الواردات، وإنتاجاً للمعرفة والمهارة، هو الأكثر قدرة على مواجهة الأزمات
تجد الصناعات الغذائية والدوائية: تمثل خط الدفاع الأول، إذ يرتبط الطلب عليها بالحاجات الأساسية للمجتمع، وهو أقل حساسية لتقلبات النفط. هذه القطاعات تضمن تدفقات نقدية مستقرة وتقلل فاتورة الاستيراد، ما يربط الأمن الاقتصادي بالأمن الصحي والغذائي
والصناعات المرتبطة بالبنية التحتية والمواد الوسيطة: مثل مواد البناء المتخصصة والمكونات الكهربائية ومستلزمات المياه. قوتها تكمن في دعمها لقطاعات أخرى، ما يمنحها أثراً مضاعفاً داخل البنية الإنتاجية، خصوصاً إذا ارتبطت ببرامج إسكان أو مشاريع إحلال الواردات
والصناعات التقنية والمتقدمة: الإلكترونيات المتخصصة، المعدات الصناعية، تقنيات المياه والطاقة المتجددة، والتصنيع الطبي والهندسي. هذه القطاعات، رغم صعوبة تأسيسها، توفر مرونة طويلة الأمد لأنها ترتبط بالطلب العالمي على الكفاءة والانتقال الطاقي
والصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة: تصنيع مكونات الألواح الشمسية، أنظمة التحكم، حلول التخزين، ومعدات إدارة المياه والطاقة. هذه القطاعات تستفيد من موارد المنطقة الطبيعية ومن التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة، ما يجعلها أقل تبعية للدورة النفطية وأكثر ارتباطاً بمسار هيكلي طويل المدي
الصناعات ذات المرونة الخدمية الصناعية: أي تلك التي تدمج بين التصنيع والخدمات الرقمية واللوجستية. كلما ارتبطت الصناعة بالصيانة، والبرمجة، وتحليل البيانات، ازدادت قدرتها على الصمود، لأنها تولد دخلاً مستداماً يتجاوز بيع السلعة نفسها
في المقابل، تبقى الصناعات الخفيفة منخفضة القيمة المضافة أو تلك المعتمدة حصراً على الإنفاق الريعي الحكومي الأكثر هشاشة، إذ تزدهر في فترات الوفرة النفطية لكنها تتعرض سريعاً للضغط عند تراجع الإيرادات
الخلاصة
القطاعات الأكثر قدرة على الصمود عربياً هي تلك التي تجمع بين أربع خصائص أساسية
- طلب أساسي أو مستقر
- قيمة مضافة مرتفعة
- اندماج تكنولوجي وخدماتي
- قدرة مزدوجة على خدمة السوق المحلية والتصدير
وعندما تتكامل هذه الخصائص، يتحول القطاع الصناعي من نشاط اقتصادي تقليدي إلى ركيزة استقرار ورافعة سيادية، تمنح الاقتصاد العربي مرونة أكبر أمام تقلبات أسعار النفط
التعليقات مغلقة.