د. يوسف أحمد حسون :الصناعة العربية لن تنهض ما لم تصبح التكنولوجيا قاعدة الإنتاج؛ عندها فقط يتحول الابتكار إلى قوة سيادية تعيد رسم مركز الثقل الاقتصادي.”
التحول الرقمي… طريق الصمود الصناعي
ومن جانبه يقول الدكتور المهندس يوسف أحمد حسون مدير عام المركز الوطني لبحوث الطاقة في سوريا بتصريحاته لمجلة استثمارات الاماراتية انه لا يمكن فهم موقع الصناعة العربية في مواجهة الأزمات دون التمييز بين مجرد “استخدام التكنولوجيا” و”الاعتماد البنيوي عليها”. فالكثير من الصناعات العربية أدخلت التكنولوجيا كأداة لتحسين الكفاءة التشغيلية عبر خفض التكاليف وتسريع الإنتاج وتحسين الجودة، لكنها لم تتحول في معظم الحالات إلى إعادة تعريف جوهر العملية الصناعية نفسها. أي أن التكنولوجيا بقيت طبقة مضافة فوق بنية تقليدية، لا محركاً يعيد تشكيلها من الداخل
وهذه المفارقة تتضح في لحظات الأزمات ففي أوقات الاستقرار يبدو هذا التبني كافياً، لكن مع أول صدمة سواء كانت اضطراباً في سلاسل الإمداد أو تقلباً في أسعار الطاقة أو أزمة جيوسياسية تظهر حدود النموذج بسرعة. فالصناعة التي تستخدم التكنولوجيا دون أن تُبنى عليها تبقى قادرة على “التحسين”، لكنها عاجزة عن “التكيف البنيوي”
في المقابل، بدأت بعض الدول، مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، بالانتقال التدريجي نحو نموذج مختلف، حيث أصبحت التكنولوجيا جزءاً من تعريف الصناعة ذاتها. في هذا النموذج، يُربط الإنتاج بالبيانات اللحظية، وتُدار سلاسل الإمداد عبر أنظمة ذكية، وتُبنى المصانع على أساس الأتمتة والتكامل الرقمي، لتتحول الصناعة إلى نظام ديناميكي قادر على إعادة تشكيل نفسه وفق تغير الظروف
غير أن هذا التحول لا يزال غير متكافئ على مستوى العالم العربي، حيث توجد فجوة واضحة بين دول استطاعت بناء “نواة صناعية تكنولوجية” وأخرى ما زالت تتحرك ضمن نموذج تقليدي يعتمد على العمل كثيف الكلفة أو على استيراد التكنولوجيا دون توطينها. وهذا يعني أن القدرة على مواجهة الأزمات ليست موزعة بالتساوي، بل مرتبطة بمدى تحول التكنولوجيا من أداة تشغيل إلى بنية إنتاجية
الخلاصة
الصناعة العربية لا تعاني من غياب التكنولوجيا، بل من عدم اكتمال تحولها إلى “نظام قائم على التكنولوجيا”. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إدخال مزيد من التقنيات، بل في إعادة بناء الصناعة نفسها على أساسها، بحيث تصبح التكنولوجيا هي القاعدة لا الاستثناء، والابتكار قدرة نظامية قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة تشكيل المسارات الإنتاجية
حين تصبح البيانات نفط الصناعة الجديد
ويؤكد المهندس يوسف أحمد حسون – مدير عام المركز الوطني لبحوث الطاقة أن قدرة الصناعة على منافسة النفط كمصدر رئيسي للدخل وكأنه مقارنة مباشرة بين قطاعين مختلفين، لكن في العمق المسألة لا تتعلق بالمنافسة التقليدية، بل بإعادة تعريف طبيعة القيمة الاقتصادية نفسها. فالنفط تاريخياً مثّل نموذجاً يقوم على استخراج القيمة من المورد الخام وبيعها في سوق عالمية جاهزة، بينما ظلت الصناعة أقل قدرة على منافسة هذا النموذج بسبب تعقيد عملياتها وهوامش ربحها المحدودة
غير أن التحول الرقمي بدأ يغير هذه المعادلة جذرياً. فحين تدخل الرقمنة إلى الصناعة، فهي لا ترفع الكفاءة التشغيلية فقط، بل تعيد تعريف المنتج ذاته. القيمة لم تعد في السلعة المادية وحدها، بل في البيانات التي تُنتج حولها، وفي القدرة على إدارتها وربطها بشبكات التوزيع العالمية. وهنا تتحول الصناعة إلى نظام متكامل يجمع بين التصنيع والخدمات واللوجستيات والتحليل الرقمي في هذا السياق، لا تصبح المنافسة مع النفط مسألة إحلال مباشر، بل انتقال من اقتصاد “المورد” إلى اقتصاد “إدارة التدفقات”. الدول التي تنجح في دمج الصناعة مع الرقمنة، وتبني بنية تحتية رقمية وتشريعات مرنة، وتربطها بشبكات لوجستية متقدمة، لا تكتفي بإنتاج السلع، بل تتحكم في مساراتها وتضيف إليها طبقات من القيمة تفوق قيمة المواد الخام
وتقدم الإمارات والسعودية نماذج واضحة لهذا التحول، حيث لم يكن الهدف استبدال النفط بالصناعة مباشرة، بل بناء منظومة أوسع تصبح فيها الصناعة جزءاً من شبكة تشمل الموانئ والخدمات اللوجستية والتكنولوجيا والبيانات، ليصبح العائد الاقتصادي قائماً على إدارة التدفقات لا مجرد بيع المورد
الخلاصة
الصناعة العربية لن تنافس النفط بالمعنى التقليدي، لكنها عندما تقترن بالتحول الرقمي يمكن أن تعيد تعريف مركز الثقل الاقتصادي نفسه. فالقيمة المستقبلية لن تكون فيما يُستخرج من الأرض، بل فيما يُدار عبر الشبكات ويُحوّل إلى نظام إنتاجي مستدام
التعليقات مغلقة.