معركة الثروة العالمية حتى 2035.. التكنولوجيا والإنتاج يعيدان رسم خريطة الاقتصاد ومصر أمام فرصة تاريخية
د.محمد الجوهري، رئيس مركز أكسفورد للبحوث والدراسات الاقتصادية الذكاء الاصطناعي والطاقة المتقدمة يقودان الاستثمار العالمي.. والميزة التنافسية المقبلة لمن يحوّل المعرفة إلى صادرات
لم تعد الثروة في الاقتصاد العالمي تُقاس بما تمتلكه الدول من موارد طبيعية أو رؤوس أموال أو أسواق واسعة فحسب، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة بقدرتها على إنتاج المعرفة وتطوير التكنولوجيا وتحويل الابتكار إلى منتجات وخدمات قابلة للتصدير. ومع تسارع التحولات الرقمية والصناعية وتصاعد التوترات الجيوسياسية، تتشكل ملامح خريطة اقتصادية جديدة، تتقدم فيها الدول القادرة على امتلاك التكنولوجيا والتحكم في سلاسل القيمة وتحقيق إنتاجية أعلى.
وفي قراءة لمستقبل الاقتصاد العالمي حتى عام 2035، يؤكد الدكتور محمد الجوهري، رئيس مركز أكسفورد للبحوث والدراسات الاقتصادية، أن العالم يدخل مرحلة جديدة من إعادة توزيع مصادر الثروة، تتغير خلالها معايير القوة الاقتصادية والاستثمارية، لتصبح المعرفة والابتكار والقدرة الإنتاجية محددات رئيسية لمكانة الدول في الاقتصاد الدولي.
ويرى الجوهري أن التحولات التكنولوجية المتسارعة، بالتوازي مع اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع مستويات عدم اليقين، تفرض على الاقتصادات إعادة النظر في نماذج النمو التقليدية، موضحاً أن امتلاك الموارد ورأس المال لا يضمن وحده تحقيق التفوق، ما لم يصاحبهما تطوير القدرات الصناعية والتكنولوجية والقدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
ولا يقتصر مفهوم الثروة المستقبلية، وفق رؤيته، على ارتفاع الناتج المحلي الإجمالي أو صعود تقييمات الشركات في الأسواق المالية، بل يمتد إلى انعكاس النمو على دخول المواطنين والإنتاجية وفرص العمل. فارتفاع القيمة السوقية للأصول لا يعني بالضرورة تحقق مكاسب اقتصادية مستدامة، خصوصاً عندما تتجاوز التقييمات المالية الأرباح الفعلية والقدرة الحقيقية على توليد الإيرادات.
الولايات المتحدة والصين.. صراع على القيمة المضافة الجديدة
في خريطة القوى الاقتصادية المقبلة، يتوقع الجوهري استمرار الولايات المتحدة والصين في المنافسة على النصيب الأكبر من القيمة المضافة الجديدة عالمياً حتى عام 2035، مستندتين إلى مقومات مختلفة تمنح كلتيهما أدوات مؤثرة في تشكيل الاقتصاد الدولي.
فالولايات المتحدة تمتلك منظومة متكاملة من الجامعات ومراكز البحث العلمي والتمويل والشركات التكنولوجية والأسواق العالمية، بما يعزز قدرتها على تحويل الابتكارات إلى منتجات وخدمات ذات قيمة مرتفعة. وفي المقابل، تستند الصين إلى قاعدة صناعية واسعة وشبكات توريد متكاملة وقدرات تصديرية قوية، خصوصاً في التكنولوجيا والطاقة النظيفة، وهو ما يمنحها موقعاً مهماً في التحولات الصناعية العالمية.
وتبرز الهند أيضاً ضمن الاقتصادات المرشحة لتعزيز حضورها الدولي، مستفيدة من حجم سوقها المحلية وقاعدتها البشرية وتوسع الخدمات الرقمية وفرص التصنيع. لكن تحويل هذه المقومات إلى ثروة مستدامة يتطلب استثمارات ضخمة في التعليم والبنية الإنتاجية، ورفع الإنتاجية، وتوفير فرص عمل قادرة على استيعاب القوى العاملة.
كما ستواصل اقتصادات ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وهولندا وسنغافورة أداء أدوار مؤثرة في قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والتمويل، بفضل امتلاكها خبرات متخصصة وتقنيات متقدمة يصعب الاستغناء عنها. ويؤكد ذلك أن حجم الاقتصاد أو المساحة الجغرافية ليسا العاملين الوحيدين في صناعة الثروة، إذ تستطيع الدول المتخصصة في حلقات دقيقة من الإنتاج العالمي توليد قيمة اقتصادية مرتفعة حتى مع محدودية مواردها الطبيعية أو أسواقها المحلية.
الذكاء الاصطناعي والطاقة.. رهانات الاستثمار الكبرى
تتجه بوصلة الاستثمار العالمي نحو قطاعات مرشحة لإعادة تشكيل الاقتصاد خلال العقد المقبل، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والأمن السيبراني والروبوتات والتكنولوجيا الحيوية، إلى جانب الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء وتقنيات تخزين الطاقة.
ويضع الجوهري الذكاء الاصطناعي التطبيقي في مقدمة رهاناته الاستثمارية، خصوصاً الحلول التي تتجاوز الاستخدامات النظرية إلى تحسين كفاءة الإنتاج وخفض تكاليف التشغيل ورفع إنتاجية القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتشمل هذه التطبيقات تحسين أداء المصانع، وترشيد استهلاك الطاقة، وتطوير إدارة المخزون والنقل والخدمات اللوجستية، فضلاً عن توظيف التكنولوجيا في الرعاية الصحية والزراعة والأنشطة المالية. وتكمن أهمية هذه المجالات في قدرتها على إحداث تأثير متزامن في قطاعات متعددة، بما يفتح المجال أمام زيادة الإنتاجية وتطوير خدمات رقمية قابلة للتوسع والوصول إلى أسواق جديدة.
لكن الجوهري يحذر من التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره ضماناً تلقائياً لتحقيق الأرباح، إذ إن التوسع السريع في التكنولوجيا لا يعني نجاح جميع الشركات العاملة فيها أو جدوى كل الاستثمارات المرتبطة بها. فارتفاع التقييمات السوقية وتكاليف البنية التحتية وشدة المنافسة والاعتماد على الرقائق والمنصات الأجنبية، إلى جانب تحديات حماية البيانات ودقة النماذج، تمثل عوامل ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم الفرص الاستثمارية.
ومن هنا، فإن المعيار الحقيقي لنجاح الاستثمار التكنولوجي يتمثل في قدرته على تحقيق وفورات اقتصادية قابلة للقياس، وتوليد إيرادات مستدامة، وتقديم قيمة فعلية للمستهلكين والشركات، وليس مجرد مواكبة موجة عالمية من الاهتمام بالتكنولوجيا.
مصر والخليج.. فرصة لتعزيز الحضور في الاقتصاد الجديد
على المستوى العربي، يرى الجوهري أن السعودية والإمارات تمتلكان مقومات مهمة لتعزيز حضورهما في خريطة الاستثمار العالمي، مستفيدتين من قدراتهما التمويلية والبنية التحتية وموارد الطاقة وجاذبية بيئة الأعمال.
غير أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مجرد استضافة الشركات والتقنيات العالمية إلى بناء شركات وطنية وتطوير المعرفة المحلية وإنتاج حلول تكنولوجية قابلة للتصدير. فالقيمة الاقتصادية الأكبر لا تتحقق بمجرد شراء المعدات أو جذب الشركات الأجنبية، وإنما عندما تتمكن الاقتصادات المستضيفة من المشاركة في تطوير التكنولوجيا وتصميم المنتجات وإنتاجها وتسويقها في الأسواق الدولية.
وفي المقابل، تمتلك مصر والمغرب والأردن وتونس فرصاً لتعزيز مشاركتها في الاقتصاد الجديد، من خلال التوسع في الصناعة والخدمات الرقمية والهندسة والصناعات الدوائية، وفقاً للمزايا التنافسية لكل دولة وقدرتها على جذب الاستثمارات الإنتاجية وتحسين بيئة الأعمال.
وبالنسبة إلى مصر، يحدد الجوهري مجموعة من القطاعات التي يمكن أن ترفع حصتها من الثروة العالمية المقبلة، تشمل البرمجيات والخدمات الهندسية والتعهيد المتخصص والصناعات الدوائية والغذائية والمكونات الكهربائية والنقل والخدمات اللوجستية، مستفيدة من قاعدة الموارد البشرية والموقع الجغرافي وحجم السوق.
لكن اقتناص هذه الفرص يتطلب تجاوز نموذج المنافسة القائم على انخفاض تكلفة العمالة فقط، والتوجه نحو بناء مزايا تنافسية أكثر استدامة، ترتكز على تأهيل الكوادر البشرية، واستقرار إمدادات الطاقة، وتيسير التمويل، وتوفير مدخلات الإنتاج، ووضوح الإجراءات التنظيمية، والالتزام بمعايير الجودة ومواعيد التسليم.
من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدر
يمثل الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتصديرها أحد الاختبارات الأساسية أمام الاقتصادات العربية خلال السنوات المقبلة. ويؤكد الجوهري أن هذا التحول قابل للتحقيق، لكنه يحتاج إلى بناء قدرات إنتاجية ومعرفية تراكمية، وليس الاكتفاء باستثمارات سريعة أو استيراد المعدات والتقنيات الجاهزة.
فاستضافة الشركات العالمية تمثل بداية مهمة، إلا أن التحول الحقيقي يتحقق عندما تصبح الشركات المحلية قادرة على تطوير منتجاتها وتسويقها والتوسع في الأسواق الخارجية، مع الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني.
ويستلزم ذلك توافر بيئة اقتصادية مستقرة، ومنافسة عادلة، وتعليم عالي الجودة، وتمويل مخصص للابتكار، وحماية للملكية الفكرية، إلى جانب ربط السياسات الصناعية بمؤشرات واضحة لقياس نمو الإنتاجية والصادرات وتطوير الموردين المحليين.
كما يدعو الجوهري إلى تعزيز التكامل الاقتصادي العربي من خلال تسهيل التجارة الرقمية والمدفوعات، وتقريب المواصفات والقواعد التنظيمية، وتوسيع قدرة الشركات على الوصول إلى أسواق المنطقة، مع توجيه مزيد من التمويل طويل الأجل إلى البحث والتطوير والشركات الناشئة والصناعات القابلة للتصدير.
ويشدد كذلك على ضرورة أن تتضمن الشراكات الاستثمارية الأجنبية برامج فعلية لنقل المعرفة وتدريب الكوادر وتطوير الموردين المحليين، وأن تمتد المشاركة إلى مجالات التصميم والبحث والتطوير، بما يساعد الاقتصادات العربية على الانتقال إلى حلقات أعلى قيمة في سلاسل الإنتاج العالمية.
الإصلاح الاقتصادي.. بوابة مصر إلى فرص 2035
يربط الجوهري قدرة مصر على اقتناص فرص الثروة العالمية المقبلة بمدى نجاحها في تعزيز الاستقرار الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار والإنتاج. ويضع خفض التضخم وتعزيز استدامة الدين وإتاحة التمويل للأنشطة الإنتاجية ضمن الشروط الأساسية التي تساعد الشركات على التوسع وبناء مشروعات طويلة الأجل.
كما يتطلب تحسين مناخ الأعمال وضوح السياسات الضريبية والجمركية، وتسريع تنفيذ التعاقدات، وتيسير إتاحة الأراضي الصناعية، وتعزيز المنافسة، وتبسيط إجراءات تأسيس الشركات وممارسة الأنشطة الاقتصادية، بما يحد من حالة عدم اليقين ويشجع القطاع الخاص على ضخ استثمارات إنتاجية.
ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التركيز على عدد محدد من سلاسل الإنتاج القابلة للتصدير، وربط التعليم الفني والجامعي باحتياجات سوق العمل، وتوجيه الأبحاث العلمية إلى معالجة المشكلات الإنتاجية الفعلية، مع ربط الحوافز الاستثمارية بزيادة القيمة المضافة المحلية وتنمية المهارات والتوسع في التصدير.
ولا ينبغي أن يقتصر قياس نجاح السياسات الاقتصادية على معدلات نمو الناتج المحلي أو ارتفاع تقييمات الشركات، بل يجب أن يشمل نمو الصادرات وتحسن إنتاجية العامل وزيادة الأجور الحقيقية، فضلاً عن ارتفاع عدد الشركات الوطنية التي تمتلك منتجات تنافسية وقاعدة عملاء في الأسواق الخارجية.
ثروة المستقبل تُصنع بالإنتاج لا بالاستهلاك
تكشف ملامح الاقتصاد العالمي حتى عام 2035 أن المنافسة المقبلة لن تكون على امتلاك التكنولوجيا وحدها، بل على القدرة على توظيفها في بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية قوية. فالدول التي تنجح في تحويل المعرفة إلى منتجات، والابتكار إلى صناعات، والاستثمارات إلى فرص عمل ودخول حقيقية، ستكون الأقدر على تعزيز موقعها في خريطة الثروة العالمية.
وبالنسبة إلى مصر والعالم العربي، فإن الفرصة لا تزال قائمة لتعزيز الحضور في الاقتصاد الجديد، شريطة الانتقال من استهلاك التكنولوجيا وتمويلها إلى إنتاجها وتطويرها، ومن جذب الاستثمارات إلى بناء سلاسل قيمة محلية قادرة على المنافسة الدولية.
وفي النهاية، فإن معركة الثروة حتى 2035 لن تُحسم بحجم الأصول أو الأموال المتدفقة وحدها، وإنما بامتلاك الإنسان للمعرفة والمهارة، وبقدرة الاقتصاد على تحويلهما إلى إنتاج وصادرات وأجور وفرص عمل مستدامة. تلك هي المعادلة التي ستحدد من يصنع ثروة المستقبل، ومن يظل مجرد مستهلك لثمارها.
التعليقات مغلقة.