ياسين العلي: سوريا أمام تحول اقتصادي من استعادة حجم الاقتصاد إلى بناء القدرة الإنتاجية
قدّم الرئيس أحمد الشرع، خلال مشاركته في قمة الإعلام العربي بدبي، ملامح رؤية اقتصادية لسورية تستهدف تجاوز مرحلة إدارة التعافي إلى إعادة بناء موقع البلاد على الخريطة الاقتصادية الإقليمية، من خلال استعادة حجم الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وتطوير القطاع الزراعي، والاستفادة من الموقع الجغرافي لسورية في إعادة ربطها بالأسواق والممرات التجارية.

ويرى الباحث والخبير الاقتصادي الدكتور ياسين العلي المدير التنفيذي لشركة إدامة أن حديث الرئيس الشرع عن استهداف اقتصاد يبلغ نحو 50 مليار دولار خلال عام 2026، وإمكان وصوله إلى نحو 200 مليار دولار خلال فترة تتراوح بين 5 و10 سنوات، يضع مؤشرات رقمية لطموح اقتصادي واسع، إلا أن تحقيق هذا الطموح لا يرتبط فقط بمعدلات النمو، وإنما بطبيعة الاقتصاد الذي سيقود هذه الزيادة.
ويؤكد العلي أن النهضة الاقتصادية لا تبدأ باستعادة رقم من الماضي، بل بتحويل التعافي إلى قدرة إنتاجية مستدامة، موضحاً أن السؤال الأساسي لا يتمثل فقط في مدى إمكانية الوصول إلى اقتصاد بقيمة 200 مليار دولار، وإنما في نوعية النمو الذي سيقود إلى هذا الرقم، ومدى قدرته على الاستمرار وتوليد القيمة داخل الاقتصاد السوري.
من حجم الاقتصاد إلى قدرته
ووفقاً للعلي، فإن هناك فارقاً جوهرياً بين حجم الاقتصاد وقدرته الاقتصادية؛ إذ يمكن للناتج المحلي أن يسجل نمواً مدفوعاً بالاستهلاك أو الاستيراد أو النشاط العقاري، من دون أن يصاحب ذلك توسع مماثل في القاعدة الإنتاجية.
في المقابل، ترتبط القدرة الاقتصادية المستدامة بارتفاع الإنتاجية، وزيادة الاستثمار المنتج، ونمو الصادرات، وتوفير فرص العمل، ورفع القيمة المضافة المحلية، إلى جانب تراكم رأس المال والمعرفة.
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن القدرة الاقتصادية لا تُقاس بما ينتجه الاقتصاد اليوم فقط، بل بقدرته على توسيع قاعدته الإنتاجية وتراكم رأس المال والمعرفة وإعادة إنتاج القيمة مستقبلاً
الزراعة والموقع الجغرافي.. أصول اقتصادية
ويضع العلي القطاع الزراعي ضمن الركائز التي يمكن أن تستند إليها عملية إعادة بناء الاقتصاد السوري، ليس باعتباره قطاعاً لإنتاج الغذاء فقط، وإنما كقاعدة للأمن الغذائي والتصنيع والتصدير، بما يسمح بتوسيع سلاسل القيمة المحلية.
كما يرى أن الموقع الجغرافي لسورية يمكن أن يتحول من ميزة جغرافية إلى أصل اقتصادي منتج، شرط دعمه بشبكات متطورة من الموانئ والطرق والسكك الحديدية والطاقة والخدمات اللوجستية.
وبحسب هذا التصور، لا تقتصر الاستفادة من موقع سورية على كونها ممراً لحركة التجارة، وإنما تمتد إلى بناء منظومة اقتصادية قادرة على تحويل عمليات العبور والنقل والخدمات المرتبطة بها إلى قيمة مضافة وفرص عمل واستثمارات.
الاستثمار الأجنبي.. المال وحده لا يكفي
وفي ما يتعلق بالاستثمارات الأجنبية، يشدد العلي على أن تقييم أثرها لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الأموال التي تدخل البلاد، بل يجب النظر إلى ما تتركه هذه الاستثمارات من قدرات إنتاجية ومعرفة ووظائف وصادرات وشركات وموردين محليين.
ويختصر رؤيته بالقول: «الاستثمار الحقيقي ليس المال الذي يدخل سورية، بل القدرة التي تبقى فيها».
ومن هذا المنطلق، فإن جذب رؤوس الأموال يمثل خطوة أولى ضمن مسار أوسع، يتطلب توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على زيادة الإنتاج والتصدير، ونقل المعرفة والتكنولوجيا، وتوسيع قاعدة الشركات المحلية، بما يعزز قدرة الاقتصاد على النمو بعد انتهاء مرحلة التعافي.
من إدارة الأزمة إلى اقتصاد المستقبل
ويقرأ العلي حديث الرئيس الشرع في دبي باعتباره مؤشراً على انتقال الخطاب الاقتصادي السوري من التركيز على إدارة آثار الأزمة والتعافي إلى التفكير في شكل الاقتصاد خلال المرحلة المقبلة.
غير أن التحدي، بحسب الخبير الاقتصادي، يتمثل في تحويل الطموح الرقمي إلى منظومة اقتصادية متكاملة، تنتظم فيها الاستثمارات والإنتاج والبنية التحتية ورأس المال البشري والتجارة الخارجية ضمن مسار واحد قادر على توليد نمو مستدام.
ويخلص العلي إلى أن الوصول إلى اقتصاد بقيمة 200 مليار دولار سيكون مؤشراً كمياً مهماً، لكن الأهم هو نوعية المسار الذي يقود إلى هذا الرقم؛ فالمعيار الأكثر دلالة يتمثل في بناء اقتصاد أعلى إنتاجية، وأوسع قدرة على التصدير، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل والقيمة المضافة.
وبذلك، فإن الرهان الاقتصادي السوري لا يقتصر على استعادة حجم الاقتصاد الذي فقدته البلاد خلال سنوات الأزمة، وإنما على إعادة بناء قدرته الإنتاجية وتأسيس اقتصاد يستطيع مواصلة النمو وتوليد القيمة بصورة مستدامة.
التعليقات مغلقة.