50 كاتباً..الشارقة رئة الساحل الثقافية

عرس كتابة، أو ملتقى إبداع.. هذا أقل ما يوصف به كتاب «أنثولوجيا الشارقة.. كم رئة للساحل»، والكتاب يضم نصوصاً شعرية، ونثرية، وسردية لخمسين كاتباً وكاتبة من الوطن العربي.. وجاء هذا الإصدار البانورامي لهذا الصف من الشعراء والروائيين والقصّاصين احتفاء بلقب الشارقة عاصمة عالمية للكتاب 2019، ولذلك نقرأ هذه النصوص بوصفها أدباً عربياً احتفائياً بإمارة الشارقة والفن والأدب والمسرح والنشر، وإذاً، فالروح واحدة، والأفق الإبداعي واحد للعديد من الكتاب الإماراتيين والخليجيين والعرب الذين التقوا على ساحل الكتابة، ومنحوه هذه الرئة العربية الإماراتية الهائلة، والوصف العام لهذه الكتابات الاحتفائية بعاصمة الثقافتين العربية والإسلامية أنها كتابات جديدة كما جاء في التعريف بها في الصفحة الأولى من الكتاب.

قدّم لهذه الكوكبة من المبدعين والمبدعات الشاعر البحريني قاسم حدّاد.. ومما جاء في تقديمه أن «.. أجمل ما تقترحه هذه المختارات من الكتابات الأدبية، نظرة الشعرية للكتابة الأدبية»، ويرى حداد أن المزج الذكي بين النصوص الشعرية والنصوص السردية هو اقتحام فاتن – لما سمّاه «التخوم التي أدمنتها النظرة النقدية لتجارب الشباب». وركز حداد على مفهوم الشعرية «والبحث عن شروطها» في مجمل هذه الكتابات، واعتبرها جميعاً كتابات شابة أي بأقلام شباب وشابات، ويلاحظ حدّاد أن حضور المعرفة قائم أو موجود في هذه الكتابات، وقال إن حضور المعرفة «فعل جمالي يحرر اللغة من بلاغيتها التقليدية، ويصقل طاقة الحلم اللغوي فيها، ويجعل الشعر شامل النظرة وعميق الرؤية».

تفاؤل

التقاطات الشاعر قاسم حداد عملية تماماً، وتفصح عن متابعة نقدية دقيقة للكتابات الجديدة في الأفقين الخليجي والعربي، في حين لاحظت الروائية العمانية جوخة الحارثي التي قدّمت هي الأخرى لحزمة هذه النصوص، أن جميع الأسماء في هذه الأنثولوجيا ولدت عام 1980.. وتقول: «هي امتداد طبيعي لحركة الحداثة الأدبية التي تأسست في المشهد الكتابي الجديد في العالم العربي منذ ستينات القرن المنصرم على الأقل، ورسّختها أسماء أصبحت اليوم رموزاً مؤسِّسة»، وتتفاءل جوخة الحارثي بمستقبل الأدب العربي «.. بالنظر في منتج أجياله الجديدة، وتنطوي بذرته على عظيم أمل في أن تحملنا أشجارها المستقبلية على آفاق أرحب..» التقت في الأدب أو في الأدب توحّدت الجغرافية العربية احتفاء بالشارقة، إن ثمة نصوصاً من الإمارات، مصر، السعودية، سلطنة عمان، ليبيا، الجزائر، اليمن، البحرين تتعانق وجدانياً ونفسياً من خلال الكتابة، وبالتالي، هي صورة إبداعية عربية من صور مستقبلية مشروع الشارقة الثقافي بأبعاده العربية والعالمية، وسوف نلاحظ أن مواضيع هذه النصوص في مجملها هي إنسانية، تأملية، قائمة في الأساس على ثقافة كل كاتب وكاتبة، وسوف نلحظ هذه النقطة بكل شفافية، فبعض النصوص السردية توظف رموزاً عالمية في نسيج الكتابة في حد ذاتها مثل صموئيل بيكيت الذي يتحول إلى شخصية سردية أو قصصية.

نقرأ نصاً طويلاً للكاتبة الإماراتية صالحة عبيد هو فصل من روايتها «لعلّها مزحة» يقوم على ذاكرة الشارقة في ستينات القرن العشرين تحديداً 1967، حين يكتشف مسلم للمرة الأولى في حياته أن هناك مكاناً اسمه «المطار»، لم يفهم مسلم معنى المطار ولا ما الذي تعنيه كلمة طائرة حتى رأى تلك الأجنحة الضخمة وارتعد من ذلك الطائر الحديدي الضخم، تخيله صقراً، يعرف أن الصقور تصطاد الحيوانات وتأكل منها، فكيف بصقر بهذا الحجم كيف له أن يتعامل مع جوعه؟ نقرأ في هذا الفصل أيضاً لائحة أو بعض المعلومات عن الطائرات المدنية في طيران الخليج وأنواعها وأسمائها، ولعلّ فكرة الكتابة السردية عن تاريخ الطيران المدني في المنطقة هي فكرة إبداعية ريادية بقلم هذه الكاتبة الإماراتية الشابة.

الشاعر السعودي أحمد العلي يكتب قصيدة، إنسانية، حنينية تماماً. أنه يسخر من الخرائط التي يقدمها «غوغل» للناس لكي يصلوا إلى بيوتهم. «غوغل» يصف الطريق لمنزل الشاعر، لكن الشاعر ينكر هذا الطريق. إنه ليس طريق طفولته وصباه، والمنزل الذي يدله «غوغل» عليه ليس المنزل الذي بناه أبوه، ثم هذا الطريق ليس طريق الوصول إلى البيت إلى أن يقول:«غوغل أيها الوغد كيف تجرؤ على القول إنك تعرف كرسي أمي الأثير أكثر مني».

هل نسمي ذلك «غربة الحداثة» أو«غربة ما بعد الحداثة»؟ ربما، غير أن الملاحظ في سلة هذه النصوص هو حنينها إلى زمن مضى كان فيه الإنسان أكثر امتلاء بالطبيعة والحياة الفطرية – والكائنات وحتى الأشياء ذات الصلة المباشرة – بالكائن البشري.

مرة ثانية، تتكئ الكثير من النصوص على ذاكرة ثقافية أو دينية أو معتقدية أو روحية معروفة للقارئ، الأمر الذي يجعل النص أقرب إلى إدراك القارئ واسترجاعاته الثقافية.

الملاحظ في هذه النصوص «375 صفحة من القطع الكبير» أن الكثير منها جاء فصولاً من روايات. الرواية، فعلاً، تبدو وكأنها ديوان الجيل الشاب من الكاتبات والكتّاب العرب، وهو مؤشر ثقافي بالدرجة الأولى يحيل إلى المساحة الرحبة التي توفرها الكتابة الروائية أو السردية. إن القصيدة تظل فضاء محدوداً بشروطه العروضية والوزنية، والقصة القصيرة تتمرد على شكلها التقليدي لتصبح «نوفيلا».. فلا هي قصة ولا هي رواية، وهكذا يجد الكاتب حريته السردية في الرواية. وهذه ملاحظة على الهامش مستقاة من قراءة نصوص هذا الكتاب الجامع للقصة والرواية والشعر.

دعم

تأخذني هذه النصوص إلى احتفاء الشارقة بالكتّاب والكاتبات من الشباب في إطار جائزة الشارقة للإبداع العربي «الإصدار الأول»، وأعتقد أن بعض هؤلاء الكتاب في هذه الأنثولوجيا «أنثولوجيا الشارقة» قد حظي بهذه الجائزة التي تكرّم الجيل الأدبي العربي الشاب في حوالي ستة حقول، وإذ نقرأ تجاورات إماراتية عربية أدبية في هذه الأنثولوجيا، فإننا نلتقي مع رأيي الشاعر قاسم حدّاد، والروائية جوخة الحارثي اللذين يعوّلان على جيل أدبي عربي شاب، مثقف أولاً، وثانياً، يجري تكريم نخبه المبدعة هنا في الإمارات في أكثر من جائزة أدبية مادية تعين الكاتب في أول حياته، ومعنوية تتمثل في طبع كتبه والاحتفاء النشري بها.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد