كيف يُمكن لتبنّي الذكاء الاصطناعي في الزراعة أن يُلهم قطاع البناء في الخليج
بقلم \ إبراهيم إمام، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة PlanRadar
منذ أكثر من عقدٍ بقليل، كان يُنظر إلى قطاع الزراعة على أنه من أقل القطاعات تبنيًا للرقمنة عالميًا. أما اليوم، فقد أصبح أحد أبرز الأمثلة على نجاح تطبيق الذكاء الاصطناعي. ولم تكن هذه النقلة النوعية ناتجة فقط عن أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، بل بدأت بجمع منهجي ومنظم للبيانات عالية الجودة.
واليوم، يتطلع المتخصصون في قطاع البناء على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي إلى استلهام هذا التقدّم الرقمي لتطبيقه في مشاريعهم. فقد أظهرت دراسة عالمية صادرة عن PlanRadar أن 97٪ من المتخصصين يتوقعون زيادة استثمارات شركاتهم في الأدوات الرقمية خلال السنوات القادمة، وهو ما يؤكد وجود رغبة واضحة في التحول الرقمي، ويدل في الوقت نفسه على أهمية الاستعداد البنيوي لهذا التحول.
رحلة البيانات في قطاع الزراعة
لم تكن نقطة التحول في قطاع الزراعة هي تطبيق الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل كانت في التمهيد القائم على جمع البيانات بطرق موثوقة. فقد بدأ المزارعون بجمع معلومات منهجية حول حالة التربة، والطقس، وتوزيع البذور، وتوقيت الري، مما أتاح للأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي القدرة على التعرف على الأنماط، وإجراء التنبؤات الدقيقة، وتنفيذ المهام بشكل مؤتمت وعالي الدقة.
من أبرز الأمثلة في هذا المجال شركة Agrifac الأوروبية، التي طوّرت نظام NEED Farming، والذي يجمع بيانات لحظية من أجهزة استشعار المحاصيل، والتتبع الجغرافي، والمراقبة البيئية. يسمح هذا النظام بتوزيع الأسمدة والمبيدات والمياه بدقة تصل إلى مستوى كل نبتة على حدة، بفضل توحيد وتنسيق جميع مصادر البيانات.
وقد ساعد استخدام هذا النظام المزارعين على تقليل استهلاك الأسمدة بنسبة تصل إلى 20٪، والمبيدات بنسبة تصل إلى 70٪، كما ساعدهم على زيادة الإنتاج بنسبة تصل إلى 50٪. وقد سجلت تقنيات الرش الموضعي وفورات وصلت إلى 90٪ في استهلاك مبيدات الأعشاب، وكل ذلك بفضل البيانات المهيكلة والموثوقة.
الدروس المستفادة لقطاع البناء
رغم أن قطاع البناء بدأ بالفعل في استخدام الطائرات المُسيّرة، والنماذج الرقمية، وأجهزة الاستشعار، إلا أن غياب الطبقة الأساسية من البيانات المنظمة لا يزال يشكل تحديًا كبيرًا أمام الاستفادة الكاملة من الذكاء الاصطناعي.
في مواقع البناء، غالبًا ما تؤدي البيانات المتفرقة وغير الموحدة إلى تأخير في اتخاذ القرارات، وتكرار في المهام، وارتفاع في معدلات إعادة العمل، خصوصًا في المشاريع الضخمة التي تضم عدة مراحل وعددًا كبيرًا من الفرق المتداخلة.
وفي دول الخليج، حيث تشهد المنطقة مشاريع طموحة مثل مدينة “نيوم” في المملكة العربية السعودية، والمبادرات الذكية في دولة الإمارات، أصبح من الضروري اعتماد نهج رقمي قائم على البيانات المنظمة. وتشير تقارير مجموعة IMARC إلى أن سوق البيانات الضخمة في قطاع البناء بدول مجلس التعاون بلغ 253.5 مليون دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 587.9 مليون دولار أمريكي بحلول عام 2033، مما يعكس تسارع الطلب على أدوات الذكاء الاصطناعي والبيانات في المنطقة.
وبحسب تقرير صادر عن Mordor Intelligence، يُتوقع أن ينمو حجم سوق البناء في دولة الإمارات من 42.75 مليار دولار في 2025 إلى أكثر من 52.66 مليار دولار في 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يصل إلى 4.2٪، ما يبرز أهمية أدوات الذكاء الاصطناعي في دعم الكفاءة والجودة بالمشاريع الكبرى.
بناء الجاهزية للذكاء الاصطناعي يبدأ من البيانات
من أجل تفعيل أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل فعّال، يجب أولًا التأكد من أن البيانات في مواقع البناء يتم جمعها بطريقة منظمة ودقيقة وكاملة. ويتطلب ذلك الابتعاد عن النماذج الورقية أو السجلات غير الرسمية، والاعتماد بدلًا من ذلك على منصات سحابية موحدة لتحديث البيانات في الوقت الفعلي، ما يسمح للفرق باتخاذ قرارات سريعة وتقليل المخاطر.
وكما استثمر قطاع الزراعة في تدريب العاملين على استخدام أدوات الخرائط الرقمية والمراقبة الجوية، على شركات البناء أن تعمل على تمكين مهندسيها، والمشرفين، والمقاولين الفرعيين، ليتمكنوا من إدخال البيانات بشكل دقيق، والتحقق منها، والاستفادة من أنظمة الإدارة الرقمية.
في بيئة العمل الخليجية، التي تتسم بتنوع القوى العاملة وكبر حجم المشاريع، يُعد الاستثمار في أدوات رقمية تدعم تعدد اللغات وسهولة الاستخدام عبر الأجهزة المحمولة، عاملًا أساسيًا لرفع كفاءة جمع البيانات وتبني الأنظمة الجديدة.
الذكاء الاصطناعي كأداة لاتخاذ قرارات أفضل
عندما تتوفر بيئة بيانات منظمة وموحدة، يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تُحدث فرقًا كبيرًا في مراحل التخطيط والتنفيذ. فهي قادرة على كشف متعارضات التصميم مبكرًا، وتقديم جداول وتقديرات مالية ديناميكية، والتكيف مع التغيرات في الظروف المناخية أو تقدم المشروع.
كما يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لرصد المخاطر وتحسين كفاءة الطاقة، وتقليل الأثر البيئي عبر إدارة الموارد بشكل أذكى. وعليه، تصبح هذه الأدوات عنصرًا حيويًا في تحسين أداء المشروع يوميًا وعلى المدى الطويل.
من جمع البيانات إلى ميزة تنافسية استراتيجية
مع استمرار مبادرات مثل رؤية السعودية 2030، ورؤية الإمارات 2071، ورؤية قطر الوطنية 2030، في دفع عجلة التنمية الذكية، لا بد لقطاع البناء من أن يكون في مقدمة هذا التوجه.
تُظهر التجربة الزراعية أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في التقنية ذاتها، بل في جودة وتنظيم البيانات التي تعتمد عليها. وإذا ما حرص قادة قطاع البناء في الخليج على بناء بنية تحتية رقمية قوية اليوم، فسيكونون في موقع الريادة في تنفيذ مشاريع أكثر سرعة وأعلى ربحية وأكثر استدامة في المستقبل.
التعليقات مغلقة.