اقتصاد البيانات في الشرق الأوسط… من ثروة كامنة إلى قوة اقتصادية عالمية
اجرته \ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا

في لحظة تاريخية يعاد فيها تشكيل موازين القوة الاقتصادية عالميًا، تبرز البيانات بوصفها المورد الأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل الدول. فلم تعد القيمة تُقاس فقط بحجم الموارد الطبيعية، بل بقدرة الاقتصادات على إنتاج البيانات وتحليلها وتوظيفها في خلق قيمة مضافة. وتشير التقديرات إلى أن حجم اقتصاد البيانات العالمي تجاوز 3 تريليونات دولار في 2025، مع توقعات بنمو سنوي يقارب 12% حتى 2030، ما يعكس التحول العميق نحو اقتصاد رقمي قائم على المعرفة
في هذا المشهد المتسارع، يقف الشرق الأوسط أمام فرصة تاريخية غير مسبوقة. فالمنطقة تمتلك مقومات قوية تؤهلها لتكون لاعبًا مؤثرًا في اقتصاد البيانات، من قاعدة سكانية شابة يتجاوز فيها من هم دون الثلاثين 60%، إلى معدلات انتشار إنترنت تفوق 75%، وصولًا إلى نمو متسارع في التجارة الإلكترونية التي بلغت قيمتها نحو 50 مليار دولار في 2025. كما ضخت حكومات المنطقة، خاصة في دول الخليج، استثمارات تتجاوز 15 مليار دولار في التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة
ومع ذلك، تظل هذه الإمكانات الكبيرة غير مستغلة بالكامل. فغياب الأطر التشريعية المتكاملة، وضعف حوكمة البيانات، والتفاوت في البنية التحتية الرقمية، تحدّ من قدرة المنطقة على تحويل تدفق البيانات إلى قيمة اقتصادية حقيقية. كما أن توظيف البيانات في القطاعات الإنتاجية لا يزال دون المستوى المطلوب، ما يعكس فجوة بين الإمكانات المتاحة والاستخدام الفعلي
هذا الاستطلاع ينطلق من فرضية أساسية أن الشرق الأوسط لا يفتقر إلى البيانات، بل إلى المنظومة القادرة على تحويلها إلى ثروة. ومن خلال تطوير سياسات حديثة، وتعزيز الشراكات الدولية، وبناء بنية تحتية رقمية متقدمة، يمكن للمنطقة أن تنتقل من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى مركز عالمي لإنتاج الحلول الرقمية
إنها فرصة لإعادة تموضع استراتيجي، ليس فقط لتعزيز النمو الاقتصادي، بل لتحقيق اندماج عالمي أكثر استدامة في اقتصاد تقوده البيانات

الدكتور \ ياسين العلي استشاري إدارة التحول ورئيس شركة “أدامة”،
” البيانات مورد استراتيجي يعيد تشكيل القوة الاقتصادية في الشرق الأوسط”
أكد الدكتور ياسين العلي، استشاري إدارة التحول ورئيس شركة “أدامة”،في حديثه لمجلة استثمارات الإماراتية أن الاقتصاد العالمي يشهد تحولًا جذريًا في مصادر القوة، حيث لم تعد الموارد الطبيعية وحدها أساس الثروة، بل أصبحت البيانات المورد الاستراتيجي الأهم في عصر الاقتصاد الرقمي
وأوضح أن العالم دخل مرحلة جديدة باتت فيها البيانات تمثل “المادة الخام” للاقتصاد الحديث، على غرار النفط في القرن الماضي، لكنها لا تتحول إلى قيمة اقتصادية إلا عبر منظومة متكاملة تشمل جمعها وتنظيمها وتحليلها وتوظيفها في اتخاذ القرار. وأضاف أن حجم البيانات المنتجة عالميًا يتجاوز 120 زيتابايت سنويًا، مع توقعات بتضاعفه خلال السنوات المقبلة، ما يعكس اتساع دور البيانات في تشكيل الاقتصاد العالمي
وأشار العلي إلى أن الشرق الأوسط يشهد نموًا متسارعًا في إنتاج البيانات، مدفوعًا بالانتشار الواسع للهواتف الذكية والتجارة الإلكترونية والتحول إلى الخدمات الرقمية، حيث تجاوز عدد مستخدمي الإنترنت في المنطقة 420 مليون مستخدم. كما يُقدَّر حجم الاقتصاد الرقمي بنحو 180 مليار دولار، مع توقعات بتخطي 400 مليار دولار بحلول عام 2030ورغم هذا النمو، لفت إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في ضعف استثمار هذه البيانات اقتصاديًا، إذ لا تزال كميات كبيرة منها تُستخدم لأغراض تشغيلية محدودة داخل المؤسسات، دون تحويلها إلى قيمة مضافة أو منتجات وخدمات مبتكرة
وبيّن أن بناء اقتصاد بيانات فعّال يتطلب ثلاثة مرتكزات أساسية: بنية تحتية رقمية متقدمة، وقدرات تحليلية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، وأطر حوكمة وتنظيم تضمن حماية البيانات وتعظيم الاستفادة منها. وأكد أن الدول التي نجحت في الاقتصاد الرقمي لم تكتفِ بامتلاك البيانات، بل ركزت على إدارتها وتحويلها إلى قرارات اقتصادية وخدمات ذات قيمة
وفيما يتعلق بالقطاعات الواعدة، أشار العلي إلى أن قطاع الطاقة يمثل أحد أهم مصادر البيانات في المنطقة، حيث يمكن لتحليل البيانات التشغيلية أن يعزز كفاءة الإنتاج ويخفض التكاليف. كما يُعد قطاع الصحة من أبرز المجالات القابلة للاستفادة من البيانات عبر تطوير الطب الوقائي وتحسين جودة الخدمات الصحية، إلى جانب قطاع النقل الذي يعتمد على بيانات المدن الذكية لتحسين التخطيط وتقليل الازدحام
وأضاف أن التجارة الإلكترونية والخدمات الرقمية تعتمد بشكل أساسي على تحليل البيانات السلوكية للمستخدمين، ما يمنح الشركات ميزة تنافسية في تطوير منتجات وخدمات أكثر دقة وكفاءة
وعلى صعيد الدول، أوضح العلي أن الإمارات العربية المتحدة تتصدر المشهد الإقليمي بفضل استثماراتها الكبيرة في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، حيث يشكل الاقتصاد الرقمي نحو 10% من ناتجها المحلي. كما تشهد السعودية تحولًا رقميًا واسعًا ضمن رؤية 2030، بينما تمتلك مصر مقومات ديموغرافية قوية تجعلها سوقًا واعدة لنمو الاقتصاد الرقمي
وأكد أن الموقع الجغرافي للشرق الأوسط يمنحه ميزة استراتيجية، كونه نقطة تقاطع رئيسية للكابلات البحرية التي تنقل البيانات بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يؤهله ليصبح مركزًا عالميًا لتدفق البيانات ومراكزها
وشدد العلي على أن البيانات لم تعد مجرد مورد اقتصادي، بل أصبحت عنصرًا في “الجغرافيا السياسية”، حيث تتنافس الدول على التحكم في تدفقات البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها، بما يشمل مراكز البيانات والكابلات البحرية والمنصات الرقمية
واختتم في تصريحه بالتأكيد على أن التحول نحو اقتصاد البيانات يتطلب تطوير أطر تنظيمية لحماية الخصوصية وتعزيز الثقة الرقمية، إلى جانب الاستثمار في المهارات الرقمية، معتبرًا أن مستقبل القوة الاقتصادية لن يُقاس بحجم الموارد الطبيعية، بل بقدرة الدول على إدارة البيانات وتحويلها إلى معرفة وقرارات تعزز النمو المستدام

الدكتور \زياد عربش، مستشار الاقتصاد،
“اقتصاد البيانات في الشرق الأوسط ثروة غير مستغلة وفرصة للاندماج العالمي”
كيف تتحول “البيانات الضخمة” إلى ثروة تريليونيه؟
أكد الدكتور زياد عربش، مستشار الاقتصاد، في تصريحاته لمجلة استثمارات الإماراتية أن اقتصاد البيانات في منطقة الشرق الأوسط يمثل ثروة هائلة قد تصل قيمتها إلى تريليونات الدولارات في حال استغلالها بكفاءة، مشددًا على أن التحول الرقمي يمكن أن يضيف مئات المليارات سنويًا إلى الناتج المحلي لدول المنطقة
وأوضح عربش أن هذه القيمة تنبع من الكم الضخم من البيانات الناتجة عن استخدام الهواتف الذكية والخدمات الحكومية والقطاعات الحيوية مثل الطاقة والتجارة، إلا أن العديد من دول المنطقة لا تزال متأخرة في تحويل هذه البيانات إلى قيمة اقتصادية مباشرة، مع وجود تفاوت واضح في مستويات التقدم بين الدول
وأشار إلى أن الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تتصدران المشهد كأبرز المرشحين لقيادة التحول الرقمي إقليميًا، بفضل استثماراتهما الضخمة في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي، فيما تحقق قطر والبحرين تقدمًا
ملحوظًا بمشروعات رقمية متقدمة، بينما تسعى مصر لتعزيز موقعها في الاقتصاد الرقمي رغم الحاجة إلى تسريع وتيرة التطوير
وأضاف أن تحويل البيانات إلى ثروة اقتصادية يتطلب بناء منصات تحليل متقدمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ودمجها في مختلف القطاعات الاقتصادية، إلى جانب العمل على توحيد السوق الرقمي
الإقليمي للوصول إلى قاعدة مستخدمين واسعة، ما يعزز النمو الاقتصادي ويزيد من جاذبية المنطقة للاستثمارات العالمية
ولفت عربش إلى أن الشراكات مع شركات تكنولوجية كبرى مثل OpenAI تمثل عاملًا مهمًا في جذب الاستثمارات وتعزيز الابتكار في المنطقة
وفي المقابل، حذر من تحديات رئيسية تعيق هذا التحول، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض الدول، وتجزؤ الأنظمة التقنية، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة تكامل البيانات، إضافة إلى الفجوات التشريعية ونقص الكفاءات البشرية المتخصصة
وأكد أن تجاوز هذه التحديات يتطلب استثمارات مكثفة في البنية التحتية السحابية، وتطوير أطر قانونية موحدة لحوكمة البيانات، إلى جانب إطلاق برامج تدريب واسعة لإعداد كوادر مؤهلة في مجالات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات
واختتم عربش تصريحه بالتأكيد على أن استثمار دول الشرق الأوسط في اقتصاد البيانات يمثل فرصة حقيقية لتحقيق اندماج مستدام في الاقتصاد العالمي، مشددًا على أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية إقليمية مشتركة لتحويل البيانات من مورد غير مستغل إلى محرك رئيسي للنمو والتنمية
الذكاء الاصطناعي… محرك النمو القادم
” الذكاء الاصطناعي محرك رئيسي لنمو الاقتصاد الرقمي في الشرق الأوسط”
أكد خبير الاقتصاد زياد عربش أن الذكاء الاصطناعي بات يلعب دورًا محوريًا في تسريع وتيرة الرقمية في دول الشرق الأوسط، من خلال قدرته على تحليل البيانات الضخمة واستخراج رؤى دقيقة تدعم اتخاذ القرار، مشيرًا إلى أن هذه التقنيات تسهم في رفع كفاءة القطاعات الاقتصادية وتحقيق معدلات نمو في الاقتصاد الرقمي قد تصل إلى 10–15% سنويًا في الدول الرائدة
وأوضح أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تمتد إلى مجالات حيوية مثل التنبؤ بالطلب في قطاع الطاقة، وتحسين سلاسل الإمداد، وتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية عبر التحول نحو الخدمات الذكية، إلى جانب فتح آفاق جديدة لصناعات المستقبل مثل المدن الذكية
وأشار إلى أن دول المنطقة تبنت استراتيجيات طموحة في هذا المجال، حيث تعمل مصر ضمن “رؤية 2030” على تطوير مراكز البيانات وتأهيل الكوادر البشرية، إلى جانب شراكات مع شركات عالمية مثل Google لدعم التحول الرقمي في قطاعات التعليم والصحة
وفي الإمارات العربية المتحدة، تم إطلاق استراتيجيات متقدمة مثل “دبي الذكية” و“الإمارات 2071” و“استراتيجية الذكاء الاصطناعي 2031”، والتي تركز على تحسين جودة الخدمات، وتعزيز كفاءة الموارد، وضمان أمن البيانات، وتقديم خدمات مخصصة، عبر مئات المبادرات التي تشمل رقمنة الخدمات الحكومية وتطوير المدن الذكية
أما المملكة العربية السعودية، فتعتمد على “رؤية 2030” التي تتضمن مشاريع كبرى مثل “نيوم”، إلى جانب استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي، بهدف تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على النفط
كما تواصل قطر تطوير بنيتها الرقمية عبر مبادرات البيانات الوطنية، في حين تركز البحرين على تعزيز التمويل الرقمي وبناء شراكات مع شركات تكنولوجية عالمية مثل Amazon
ولفت الخبير إلى أن تقارير دولية، من بينها دراسات McKinsey & Company والبنك الدولي، تشير إلى أن توحيد السوق الرقمي في المنطقة يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة ملحوظة، ويعزز فرص النمو والاستثمار
وفي المقابل، حذر من تحديات مستمرة، تشمل فجوات البنية التحتية الرقمية، وتباين الأطر التشريعية، ونقص الكفاءات البشرية، ما يتطلب استثمارات أكبر في التعليم والتدريب، إلى جانب تطوير سياسات موحدة لحوكمة البيانات
واختتم بالتأكيد على أن الذكاء الاصطناعي يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد المستقبل في الشرق الأوسط، وأن نجاح الدول في استثماره سيحدد موقعها في خريطة الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة

الدكتور \ أحمد باسل الخشي، أستاذ نظم المعلومات بكلية الهندسة الدولية
“فجوة البنية الرقمية ونقص الكفاءات أبرز تحديات إدارة البيانات في الدول العربية”
أكد الدكتور أحمد باسل الخشي، أستاذ نظم المعلومات بكلية الهندسة الدولية، في حديثه لمجلة استثمارات الإماراتية أن الدول العربية تواجه حزمة معقدة من التحديات عند سعيها لبناء بنية تحتية قوية لإدارة البيانات، مشددًا على أن هذا الملف بات ركيزة أساسية لدعم التحول الرقمي وتعزيز الاقتصاد القائم على المعرفة.
وأوضح الخشي أن التفاوت الكبير في مستوى البنية التحتية الرقمية بين دول المنطقة يمثل التحدي الأبرز، لافتًا إلى أن بعض الدول مثل الإمارات والسعودية حققت تقدمًا ملحوظًا في إنشاء مراكز البيانات وتطوير شبكات الاتصالات، في حين لا تزال دول أخرى تعاني من ضعف واضح في قدرات التخزين والمعالجة وتحديث الشبكات
وأشار إلى أن الأرقام تعكس هذه الفجوة، حيث تمتلك السعودية نحو 58 مركز بيانات والإمارات 57 مركزًا، مقابل أعداد محدودة في دول أخرى، وهو ما يبرز الحاجة إلى زيادة الاستثمارات في هذا القطاع الحيوي، خاصة عند مقارنته بالدول المتقدمة التي تمتلك آلاف المراكز
وأضاف أن نقص الكفاءات البشرية المتخصصة يمثل تحديًا محوريًا، إذ يتطلب قطاع إدارة البيانات خبرات متقدمة في تحليل البيانات وأمن المعلومات وعلوم البيانات، وهو ما لا يتوافر بالقدر الكافي في الأسواق العربية، ما يدفع المؤسسات للاعتماد على الخبرات الأجنبية
وفيما يتعلق بالإطار التشريعي، أوضح الخشي أن تباين القوانين المنظمة لحماية البيانات والخصوصية بين الدول العربية يعرقل التعاون الإقليمي وتبادل البيانات، مؤكدًا أن العديد من التشريعات لا تزال بحاجة إلى تطوير، خاصة في مجالات حوكمة البيانات وتنظيم استخدامات الذكاء الاصطناعي
ولفت إلى أن الأمن السيبراني يمثل أحد أخطر التحديات، في ظل تزايد الهجمات الإلكترونية مع توسع الاعتماد على الأنظمة الرقمية، ما يستدعي تطوير أنظمة حماية متقدمة تشمل التشفير وإدارة الهوية الرقمية وأنظمة الكشف المبكر عن التهديدات
كما أشار إلى ارتفاع التكلفة الاقتصادية لإنشاء وتشغيل مراكز البيانات، والتي تتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة، وهو ما يمثل عبئًا على بعض الدول، خاصة مع التوجه نحو تحقيق الاستدامة وتقليل استهلاك الطاقة
ونبّه الخشي إلى مشكلة تكامل البيانات داخل المؤسسات، حيث لا تزال العديد منها تعتمد على أنظمة قديمة غير متوافقة، ما يؤدي إلى تشتت البيانات وصعوبة الاستفادة منها في اتخاذ القرار
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الدول العربية تمتلك فرصًا كبيرة لتجاوز هذه التحديات، من خلال تعزيز الاستثمارات في التحول الرقمي، وتطوير استراتيجيات وطنية للبيانات، وبناء كوادر بشرية مؤهلة، بما يمهد الطريق نحو بناء منظومة متقدمة لإدارة البيانات تدعم التنمية المستدامة في المنطقة
الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية لإدارة البيانات الوطنية وبناء حكومات ذكية
أكد الدكتور أحمد باسل الخشي، أستاذ نظم المعلومات بكلية الهندسة الدولية، أن الذكاء الاصطناعي بات أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الحكومات الحديثة في تحسين إدارة البيانات الوطنية، مشيرًا إلى دوره المحوري في دعم التحول الرقمي وتعزيز كفاءة صنع القرار
وأوضح الخشي أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تمكّن الحكومات من تحليل كميات هائلة من البيانات بسرعة ودقة، ما يساعد على اكتشاف الأنماط والعلاقات الخفية داخل البيانات، وبالتالي فهم التحديات الاقتصادية والاجتماعية بشكل أعمق واتخاذ قرارات أكثر فاعلية
وأضاف أن من أبرز أدوار الذكاء الاصطناعي تحسين جودة البيانات الحكومية، من خلال استخدام خوارزميات التعلم الآلي في اكتشاف الأخطاء والتكرار داخل قواعد البيانات، وهو ما يرفع من دقة المعلومات المستخدمة في التخطيط الاستراتيج
وأشار إلى أن التحليلات الذكية توفر للحكومات أدوات متقدمة لدعم اتخاذ القرار، عبر تقديم توقعات مبنية على البيانات، ما يسهم في صياغة سياسات عامة أكثر كفاءة واستجابة لاحتياجات المواطنين
وفيما يتعلق بالأمن السيبراني، شدد الخشي على أن الذكاء الاصطناعي يمثل خط الدفاع الأول ضد الهجمات الإلكترونية، حيث يمكنه رصد السلوك غير الطبيعي داخل الشبكات واكتشاف التهديدات في وقت مبكر، ما يعزز حماية قواعد البيانات الوطنية
كما لفت إلى دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الخدمات الحكومية الرقمية، من خلال تحليل سلوك المستخدمين وتحسين تجربة الخدمات الإلكترونية، بما يجعلها أكثر سرعة وكفاءة وملاءمة لاحتياجات المواطنين
وأكد الخشي أن التحليلات الضخمة تمثل الأساس التقني الذي تعتمد عليه هذه المنظومة، حيث تسهم في دمج البيانات بين الجهات الحكومية المختلفة، وتحليل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، والتنبؤ بالاتجاهات المستقبلية، فضلًا عن تحسين إدارة الموارد في قطاعات حيوية مثل الطاقة والنقل والصحة
واستعرض الخشي نماذج عربية ناجحة في هذا المجال، مشيرًا إلى تجربة الإمارات التي تبنت استراتيجية طموحة للذكاء الاصطناعي، والسعودية التي أنشأت هيئة متخصصة لإدارة البيانات والذكاء الاصطناعي وتطوير الخدمات الرقمية، إضافة إلى جهود قطر في توظيف البيانات في التخطيط الحضري، ومصر التي أطلقت استراتيجية وطنية لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في دعم التنمية
واختتم تصريحه بالتأكيد على أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتحليلات البيانات لم يعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية لبناء حكومات ذكية قادرة على تحقيق التنمية المستدامة ومواكبة التحولات الرقمية العالمية

الدكتور \ صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق،
” التوازن بين السيادة الرقمية والسحابة العالمية يتطلب «نهجًا تشاركيًا ذكيًا»
أكد الدكتور صلاح محمد الدو هجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، في حديثه لمجلة استثمارات الإماراتية أن تحقيق التوازن بين السيادة الرقمية والاعتماد على مزودي الخدمات السحابية العالميين يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول العربية، مشددًا على أن الحل لا يكمن في الرفض أو القبول المطلق، بل في تبني “نهج هندسي تنظيمي وتقني متكامل”
وأوضح الدوهجي أن هذا التوازن يمكن تحقيقه من خلال ما وصفه بـ”السيادة المنظمة والتشاركية”، والتي تتيح للدول الحفاظ على التحكم في بياناتها، مع الاستفادة في الوقت ذاته من الابتكار العالمي في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي
وأشار إلى أن الخطوة الأولى تبدأ بتطوير أطر تشريعية واضحة تتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة المرتبط بالموقع الجغرافي للبيانات، نحو سيادة قانونية تفرض على الشركات العالمية الامتثال لقوانين الدول العربية. ولفت إلى أهمية سن قوانين صارمة لحماية البيانات، إلى جانب إنشاء مناطق سحابية محلية للشركات العالمية تعمل وفق القوانين الوطنية
وأضاف أن إنشاء “سحابة وطنية” تديرها كيانات محلية يمثل ركيزة أساسية في هذا التوازن، حيث تعمل كوسيط بين الجهات الحكومية ومزودي الخدمات العالميين، بما يضمن التحكم في مفاتيح التشفير وإدارة الوصول إلى البيانات، مع الاستفادة من البنية التحتية العالمية
وشدد على ضرورة تصنيف البيانات وفق حساسيتها، بحيث يتم الاحتفاظ بالبيانات السيادية والاستراتيجية داخل بنى محلية مغلقة، بينما يمكن استضافة البيانات العامة أو غير الحساسة على منصات سحابية عالمية لتحقيق الكفاءة وتقليل التكاليف
وفي السياق ذاته، أكد الدوهجي أن السيطرة على مفاتيح التشفير تمثل جوهر السيادة الرقمية، داعيًا إلى إنشاء أنظمة وطنية لإدارة التشفير تضمن حماية البيانات حتى في حال استضافتها خارج الحدود
كما أشار إلى أهمية نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، من خلال إلزام الشركات العالمية بإنشاء مراكز تدريب وتوظيف للكوادر العربية، إلى جانب دعم التصنيع المحلي لمكونات البنية التحتية الرقمية، بما يقلل الاعتماد على الخارج مستقبلاً
ودعا الدوهجي إلى تعزيز التعاون العربي والإقليمي في هذا المجال، عبر إنشاء “منظومة سحابية عربية مشتركة”، تتيح تبادل البيانات وبناء بنية تحتية جماعية، ما
يسهم في خفض التكاليف وتعزيز القدرة التفاوضية للدول العربية مع الشركات العالمية
واختتم بالتأكيد على أن تحقيق السيادة الرقمية لا يعني الانعزال عن العالم، بل بناء “طبقة حماية رقمية” تقوم على تشريعات قوية، وتصنيف ذكي للبيانات، وتشفير متقدم، وكيانات وطنية قادرة على إدارة العلاقة مع مزودي الخدمات، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا العالمية دون التفريط في التحكم والسيادة
” الشراكة بين القطاعين العام والخاص مفتاح تسريع البنية التحتية الرقمية في الدول العربية”
أكد الدكتور صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، أن تسارع وتيرة التحول الرقمي في الدول العربية يفرض ضرورة تبني نموذج شراكة حقيقي بين القطاعين العام والخاص، مشددًا على أن الحكومات وحدها لا تستطيع تحمل أعباء بناء وتشغيل البنية التحتية الرقمية، كما لا يمكن للقطاع الخاص العمل بمعزل عن الأطر الحكومية
وأوضح الدوهجي أن الشركات يجب أن تُعامل كشريك استراتيجي في عملية التحول الرقمي، وليس مجرد مورد تقني، مشيرًا إلى أن نماذج الشراكة الحديثة، وعلى رأسها “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT) تمثل أحد الحلول الفعالة لتنفيذ المشاريع الكبرى في المنطقة
وأضاف أن هذا النموذج يتيح تنفيذ البنية التحتية الرقمية بسرعة وكفاءة، مع تقليل الأعباء المالية على الحكومات من خلال تحويل النفقات الرأسمالية إلى نفقات تشغيلية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الشركات العالمية والمحلية في بناء وتشغيل الأنظمة وفق معايير متقدمة
وأشار إلى أن من أبرز مزايا هذه الشراكات التزام الشركات بتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية، ما يضمن نقل المعرفة وبناء قدرات محلية مستدامة،
لافتًا إلى أهمية تحديد أطر زمنية واضحة تضمن تحقيق عوائد عادلة للشركات، قبل نقل الملكية إلى الحكومات وفق اتفاقيات محكمة
كما شدد الدوهجي على أهمية تأسيس حاضنات ابتكار مشتركة بين الحكومات والشركات التقنية، لتطوير حلول رقمية محلية تتناسب مع احتياجات المجتمعات العربية، مثل تطبيقات الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني
ولفت إلى ضرورة تعزيز دور الشركات الوطنية، لتكون حلقة وصل بين الحكومات والشركات العالمية، بما يضمن الامتثال للقوانين المحلية، خاصة فيما يتعلق بإدارة البيانات والمسؤولية القانونية
وأكد أيضًا أن الشركات المحلية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في توحيد معايير تبادل البيانات بين الجهات المختلفة، وهو ما يسهم في تسهيل التكامل الرقمي وتحقيق التحول الشامل
واختتم الدوهجي تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نموذج “العميل والمورد” إلى نموذج “الشراكة في المخاطر والنجاح”، بحيث تتحمل الشركات جزءًا من مسؤولية النتائج، داعيًا إلى تطوير الأطر التشريعية لتنظيم هذه الشراكات بما يشمل الأصول الرقمية، وليس فقط المشروعات التقليدية
“بنية البيانات «نفط جديد» يقود لاقتصاد رقمي مستدام”
أكد الدكتور صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، أن الاستثمار في بنية تحتية قوية لإدارة البيانات لم يعد مجرد تكلفة تشغيلية، بل يمثل “استثمارًا استراتيجيًا” قادرًا على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، مشددًا على ضرورة أن تنظر الحكومات العربية إلى البيانات باعتبارها “النفط الجديد” في عصر الاقتصاد الرقمي
وأوضح الدوهجي أن هذا النوع من الاستثمار يسهم في إحداث تحول اقتصادي نوعي، من خلال خلق أسواق جديدة قائمة على تبادل البيانات وتطوير خدمات
مبتكرة، ما يعزز الناتج المحلي الإجمالي ويفتح المجال أمام تأسيس شركات رقمية جديدة
وأشار إلى أن إدارة البيانات بشكل متكامل تساعد على ترشيد الإنفاق الحكومي، عبر تقليل الازدواجية بين الجهات المختلفة، والحد من الهدر المالي، وتحسين كفاءة القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصحة والنقل، فضلًا عن دعم جهود مكافحة الفساد وتعزيز كفاءة الحكومة الرقمية
وأضاف أن وجود بنية بيانات متطورة يعزز من جاذبية الدول العربية للاستثمارات الأجنبية، حيث تفضل الشركات العالمية العمل في بيئات رقمية جاهزة، وهو ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتدوير رؤوس الأموال داخل الاقتصادات المحلية
وأكد الدوهجي أن البيانات تمثل عنصرًا أساسيًا لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، ما يتيح للحكومات والشركات اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر دقة، وتقليل المخاطر، وتطوير منتجات وخدمات تلبي احتياجات السوق، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة الأرباح والإيرادات الضريبية
ولفت إلى أن الاستثمار في هذا المجال يفتح الباب أمام وظائف نوعية عالية القيمة، مثل مهندسي البيانات ومحلليها وخبراء الأمن السيبراني، ما يسهم في بناء كوادر بشرية مؤهلة تدعم الاقتصاد الرقمي
كما أشار إلى أن تأثير البيانات يمتد إلى قطاعات متعددة، مثل السياحة، حيث يساعد تحليل بيانات الزوار في تحسين الحملات الترويجية وتسهيل الخدمات، ما يؤدي إلى زيادة العائدات السياحية
واختتم الدوهجي تصريحه بالتأكيد على أن العائد الاقتصادي من الاستثمار في بنية البيانات لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يتعداه إلى خلق قيمة اقتصادية جديدة قائمة على الابتكار، وزيادة الإيرادات، وتوطين الوظائف، داعيًا إلى إدراج هذه الاستثمارات ضمن الإنفاق الرأسمالي في الموازنات العامة، باعتبارها محركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة في الدول العربية
التعليقات مغلقة.