إفريقيا بين الانقلابات والمرتزقة: تقرير “إيجمونت” يرصد تفكك النظام الأمني وتغير موازين القوة
وفي هذا السياق، يسلّط تقرير معهد إيجمونت البلجيكي للعلاقات الدولية في بروكسل، بعنوان “مشهد أمني متشظٍ في إفريقيا: ثلاثة مسارات وتداعياتها”، الضوء على تحولات عميقة تعيد تشكيل الأمن في القارة الإفريقية، وسط تصاعد النزاعات المسلحة وتراجع فعالية المؤسسات الدولية التقليدية.
وخلص التقرير، الذي أعدّه الباحثان جوناثان فيشر ونينا فيلين، إلى أن إفريقيا تشهد أعلى مستويات الصراعات بين الدول عالميًا، إلى جانب انتشار واسع للجماعات المسلحة، حيث ارتفع العنف المرتبط بها بنحو 300% بين 2012 و2022، مع استمرار تصاعده خلال السنوات الأخيرة.
كما أشار إلى تسجيل 11 انقلابًا ناجحًا و19 محاولة انقلاب بين عامي 2020 و2025، ما عزز موجة الحكم العسكري واتجاهات الاستبداد، خصوصًا في منطقة الساحل.
تراجع التعددية الدولية
يوضح التقرير أن أحد أبرز التحولات يتمثل في تراجع التعددية الدولية، مع غياب بعثات حفظ السلام متعددة الأبعاد التابعة للأمم المتحدة في إفريقيا منذ 2014، رغم استمرار تصاعد النزاعات.
كما لفت إلى تقليص التمويل الأمريكي لعمليات الأمم المتحدة في فترات سابقة، إضافة إلى انسحابات سياسية من بعض آلياتها، ما ساهم في إضعاف شرعيتها وقدرتها على التدخل الفعّال.
تحالفات إقليمية مؤقتة
يشير التقرير إلى انتشار التحالفات العسكرية الإقليمية المؤقتة لمكافحة الإرهاب، مثل القوة متعددة الجنسيات في حوض بحيرة تشاد وقوات الساحل، والتي تعمل خارج الأطر الأممية الكاملة.
ورغم تحقيقها بعض النجاحات التكتيكية، إلا أنها غالبًا ما تفتقر إلى المساءلة، وتركّز على الحلول العسكرية دون معالجة جذور النزاعات، ما يجعل تأثيرها محدودًا وقصير الأمد.
تصاعد الأمن الخاص والمرتزقة
أما المسار الثالث، فيتمثل في توسع دور الشركات الأمنية الخاصة والقوات الأجنبية، مثل مجموعة فاغنر الروسية، وقوى أمنية من دول مثل رواندا وتركيا، إلى جانب شركات عسكرية خاصة أمريكية وأوروبية.
ويشير التقرير إلى أن هذا الاتجاه أسهم في “خصخصة الأمن”، مع تزايد الانتهاكات الحقوقية في بعض الحالات، مقابل تحقيق مكاسب أمنية وسياسية آنية لبعض الحكومات.
تفكك الحوكمة الأمنية
يحذر التقرير من أن تفاعل هذه المسارات الثلاثة يؤدي إلى تفكيك منظومة الحوكمة الأمنية في إفريقيا، وتآكل معايير الشفافية والمساءلة، وتفاقم دوائر العنف بين الدول والجماعات المسلحة.
كما يشير إلى أن الاعتماد المتزايد على حلول أمنية خارجية أو مؤقتة يعمّق الأزمة بدل حلها، في ظل غياب تسويات سياسية مستدامة.
مستقبل غامض للأمن في إفريقيا
ويختتم التقرير بالتأكيد على أن عودة نموذج حفظ السلام التقليدي للأمم المتحدة تبدو غير مرجحة في المدى القريب، ما لم يحدث تحول سياسي عالمي يعيد إحياء التعددية.
ويخلص إلى أن مستقبل الأمن في إفريقيا سيتحدد عبر ثلاث قوى رئيسية: استمرار النزاعات، صعود الأنظمة العسكرية، وتوسع سوق “الأمن الخاص”، ما يجعل القارة ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ الدولي.
التعليقات مغلقة.