الصين تُطبق “صفر جمارك” على 53 دولة إفريقية: تحوّل تجاري ضخم يعيد تشكيل التوازن الاقتصادي العالمي

في خطوة وُصفت بأنها من أوسع التحولات في السياسة التجارية العالمية تجاه القارة الإفريقية، أعلنت الصين بدء تطبيق سياسة “صفر جمارك” على واردات 53 دولة إفريقية، في إطار مبادرة تمتد حتى عام 2028. وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تصاعداً في السياسات الحمائية وتوترات سلاسل الإمداد، ما يمنح القرار أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز مجرد تخفيض الرسوم الجمركية. وبينما يراها البعض فرصة تاريخية لتعزيز صادرات إفريقيا وإعادة تشكيل خريطة التجارة، يعتبرها آخرون أداة استراتيجية تعزز النفوذ الصيني أكثر مما تحقق تحولاً جذرياً في اقتصاد القارة.

 

الصين تُعيد رسم ملامح التجارة مع إفريقيا بسياسة “صفر جمارك”

بدأت الصين، اعتباراً من الأول من مايو 2026، تطبيق إعفاء جمركي شامل على جميع الواردات القادمة من 53 دولة إفريقية تربطها بها علاقات دبلوماسية، باستثناء إسواتيني. وتمتد هذه السياسة حتى أبريل 2028، مع توسيعها لتشمل دولاً إضافية ضمن أكبر توسع في الامتيازات التجارية الصينية تجاه إفريقيا.

وتُعد هذه الخطوة امتداداً لسياسة سابقة بدأت في ديسمبر 2024، كانت تستهدف 33 دولة إفريقية من الأقل نمواً، قبل أن تتوسع لتشمل معظم دول القارة، في ما وصف بأنه أول تطبيق شامل من جانب اقتصاد عالمي رئيسي لإعفاء جمركي أحادي الاتجاه.

مكاسب مباشرة للزراعة والصادرات الإفريقية

يرى مؤيدو السياسة أن القطاع الزراعي سيكون أكبر المستفيدين، خاصة صادرات الكاكاو من غانا وكوت ديفوار، والبن والأفوكادو من كينيا، والحمضيات والنبيذ من جنوب إفريقيا. وكانت هذه المنتجات تواجه رسوماً جمركية تتراوح بين 8% و30%، ما كان يحد من تنافسيتها في السوق الصينية.

كما يُتوقع أن تسهم السياسة في جذب استثمارات جديدة نحو سلاسل القيمة الزراعية، من خلال تشجيع التصنيع المحلي داخل إفريقيا، بدعم من الشركات الصينية التي تسعى لتأمين مصادر مستدامة للمواد الخام

محدودية التأثير على النفط والمعادن

ورغم الزخم الإيجابي، يشير محللون إلى أن التأثير الحقيقي قد يكون محدوداً، خاصة أن صادرات إفريقيا الرئيسية إلى الصين  مثل النفط والمعادن  تتمتع أصلاً بإعفاءات أو رسوم منخفضة، ما يجعل المكاسب الإضافية في هذا القطاع شبه معدومة.

كما أن اختلال الميزان التجاري لا يزال قائماً، إذ بلغ العجز التجاري الإفريقي مع الصين أكثر من 100 مليار دولار، نتيجة هيمنة الصادرات الصينية المصنعة على الأسواق الإفريقية مقارنة بصادرات إفريقية تعتمد على المواد الخام.

تحديات هيكلية تعرقل الاستفادة الكاملة

تواجه الدول الإفريقية عقبات بنيوية كبيرة تحد من استفادتها من القرار، أبرزها ضعف البنية التحتية الصناعية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وصعوبة الالتزام بالمعايير الصحية واللوجستية الصارمة في السوق الصينية.

ويرى خبراء أن خفض الرسوم وحده لا يكفي، ما لم يقترن بإصلاحات داخلية في إفريقيا تستهدف تطوير الصناعة المحلية، وزيادة القيمة المضافة للمنتجات قبل تصديرها.

أبعاد جيوسياسية للقرار

تكتسب السياسة بعداً سياسياً واضحاً، إذ يعزز القرار موقع الصين كشريك تجاري أول لإفريقيا، ويمنحها نفوذاً متزايداً في الجنوب العالمي، في ظل المنافسة الاقتصادية مع القوى الغربية.

كما أن استثناء إسواتيني  بسبب علاقاتها مع تايوان  يعكس استخدام الصين للسياسة التجارية كأداة في صراعها الدبلوماسي حول “مبدأ الصين الواحدة”.

ورغم ما تحمله سياسة “صفر جمارك” من فرص واعدة لبعض القطاعات الإفريقية، فإن تأثيرها الفعلي سيظل مرتبطاً بقدرة الدول الإفريقية على زيادة الإنتاج، وتحسين جودة السلع، وتطوير بنيتها الصناعية. وبين التفاؤل الحذر والتحفظ الاقتصادي، تبدو المبادرة خطوة مهمة لكنها ليست كافية وحدها لإعادة تشكيل الميزان التجاري بين الصين وإفريقيا بشكل جذري، ما لم تُترجم إلى تحول إنتاجي حقيقي داخل القارة.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com