إفريقيا ومجلس الأمن.. هل تقترب القارة من كسر احتكار «الخمسة الكبار»؟

عادت قضية إصلاح مجلس الأمن الدولي إلى واجهة النقاش العالمي، مدفوعة بتصاعد الأزمات الدولية وتزايد الانتقادات الموجهة لبنية النظام الدولي الحالي، في وقت تتمسك فيه القارة الإفريقية بحقها في الحصول على تمثيل دائم داخل المجلس، باعتباره خطوة ضرورية لتصحيح ما تصفه بـ«الظلم التاريخي» المستمر منذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945.

وبات ملف «المقعد الإفريقي الدائم» أحد أبرز العناوين المطروحة في أجندة الحوكمة العالمية، خاصة مع تنامي خطاب «الجنوب العالمي» واتساع الدعوات لإعادة توزيع النفوذ داخل المؤسسات الدولية بما يعكس التحولات السياسية والاقتصادية والديمغرافية التي يشهدها العالم.

مطالب إفريقية موحدة

تستند إفريقيا في تحركها إلى «توافق إزولويني» و«إعلان سرت»، اللذين يعكسان الموقف الإفريقي المشترك بشأن إصلاح مجلس الأمن، ويطالبان بمنح القارة مقعدين دائمين يتمتعان بكامل صلاحيات العضوية، بما في ذلك حق النقض «الفيتو»، إضافة إلى خمسة مقاعد غير دائمة.

ويرى الاتحاد الإفريقي أن استمرار غياب القارة عن العضوية الدائمة يمثل اختلالاً بنيوياً في النظام الدولي، خصوصاً أن إفريقيا تضم 54 دولة تمثل نحو 28% من عضوية الأمم المتحدة، كما تشكل ملفاتها جزءاً كبيراً من جدول أعمال مجلس الأمن، سواء فيما يتعلق بالنزاعات المسلحة أو عمليات حفظ السلام.

وخلال الاجتماع الوزاري الخاص بإصلاح مجلس الأمن على هامش القمة الإفريقية الفرنسية في نيروبي، شدد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي محمود علي يوسف على أن إفريقيا «لا تطلب معروفاً، بل تطالب بتصحيح ظلم تاريخي»، مجدداً تمسك القارة بموقفها الموحد بشأن الإصلاح.

لماذا أصبح الإصلاح أكثر إلحاحاً؟

اكتسبت الدعوات لإصلاح مجلس الأمن زخماً متزايداً خلال السنوات الأخيرة، في ظل الانتقادات الواسعة لعجز المجلس عن التعامل بفعالية مع أزمات دولية كبرى، أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية، والحرب في غزة، والتوترات الإقليمية المتصاعدة في الشرق الأوسط.

كما تعرض نظام «الفيتو» لانتقادات حادة، باعتباره أحد أبرز أسباب شلل المجلس، إذ يسمح لأي دولة من الأعضاء الدائمين الخمسة بإسقاط أي مشروع قرار مهما حظي بتأييد واسع داخل المجتمع الدولي.

ويرى مراقبون أن مجلس الأمن لا يزال يعكس توازنات القوى التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وليس واقع العالم الحالي الذي يشهد صعود قوى جديدة وتراجعاً تدريجياً للهيمنة الغربية التقليدية.

وفي هذا السياق، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن المجلس «لا يزال يعكس موازين القوى لعام 1945، وهو أمر لم يعد مقبولاً».

معركة الفيتو

يُعد مطلب حصول إفريقيا على حق النقض من أكثر النقاط تعقيداً في ملف الإصلاح، إذ ترى الدول الإفريقية أن منحها عضوية دائمة دون «فيتو» سيخلق فئة جديدة من «الأعضاء الدائمين من الدرجة الثانية».

لكن القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، تبدو غير متحمسة لتوسيع نطاق استخدام الفيتو أو تقاسم هذا الامتياز مع أعضاء جدد، رغم إعلانها دعم مبدأ توسيع التمثيل الإفريقي داخل المجلس.

وفي المقابل، تتبنى الصين وروسيا خطاباً داعماً للمطالب الإفريقية ضمن سياق دعم «الجنوب العالمي»، إلا أن مواقفهما لا تزال تفتقر إلى التزامات عملية واضحة بشأن منح الأعضاء الجدد حق النقض.

تنافس إفريقي صامت

ورغم نجاح الاتحاد الإفريقي في توحيد الموقف السياسي بشأن مبدأ الإصلاح، فإن سؤال «من سيمثل إفريقيا؟» لا يزال معلقاً دون حسم.

وتبرز أسماء دول مثل مصر وجنوب إفريقيا ونيجيريا وإثيوبيا بوصفها أبرز المرشحين المحتملين لشغل أي مقعد دائم مستقبلي، في ظل ما تمتلكه هذه الدول من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي داخل القارة.

ويحذر مراقبون من أن غياب آلية إفريقية واضحة لاختيار ممثلي القارة قد يتحول إلى عقبة رئيسية أمام أي تقدم فعلي في ملف الإصلاح، خاصة مع بروز مؤشرات على تنافس غير معلن بين القوى الإفريقية الكبرى.

عقبات قانونية وسياسية

يصطدم إصلاح مجلس الأمن بعقبات قانونية معقدة، إذ يتطلب تعديل ميثاق الأمم المتحدة موافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، إلى جانب تصديق جميع الدول الخمس دائمة العضوية، ما يمنح هذه الدول حق تعطيل أي تعديل لا يتوافق مع مصالحها.

كما أن غياب توافق دولي على نموذج الإصلاح يمثل تحدياً إضافياً، في ظل تعدد المبادرات والمقترحات المتنافسة، سواء من مجموعة «G4» التي تضم ألمانيا واليابان والهند والبرازيل، أو مجموعة «الاتحاد من أجل التوافق» الرافضة لإضافة أعضاء دائمين جدد.

هل تمثل اللحظة الحالية فرصة تاريخية؟

رغم التعقيدات، يرى كثير من المراقبين أن التحولات الجارية في النظام الدولي قد تمنح إفريقيا فرصة غير مسبوقة لتعزيز موقعها داخل مؤسسات الحوكمة العالمية.

فالقارة باتت تمتلك أهمية استراتيجية متزايدة بفعل مواردها الطبيعية الضخمة، والمعادن الحيوية اللازمة للتحول الطاقي، والنمو السكاني المتسارع، إضافة إلى تصاعد التنافس الدولي عليها.

كما أن توسع تكتل بريكس وانضمام دول إفريقية جديدة إليه عززا من حضور القارة داخل النقاشات المتعلقة بإصلاح النظام الدولي ومؤسساته.

لكن نجاح إفريقيا في انتزاع مقعد دائم داخل مجلس الأمن سيظل مرتبطاً بقدرتها على الحفاظ على وحدة موقفها، وحسم الخلافات المتعلقة بالتمثيل، وبناء تحالفات دولية قادرة على تحويل الدعم السياسي إلى خطوات عملية داخل الأمم المتحدة.

وبينما لا يزال «المقعد الإفريقي الدائم» هدفاً بعيد المنال حتى الآن، فإن المؤكد أن القارة لم تعد تقبل البقاء خارج دائرة صنع القرار الدولي، وأن صوتها بات أكثر حضوراً وتأثيراً في معركة إعادة تشكيل النظام العالمي.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com