حرب إيران تشعل الأسواق …مليارات الخسائر وصدمات تضخمية تهدد العالم

أجرته\ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا

 

 

في ظل تصاعد التوترات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، يدخل الاقتصاد العالمي مرحلة أكثر اضطراباً تعكسها بيانات الأسواق المالية وتقلبات أسعار الطاقة. فقد شهدت أسواق النفط العالمية ارتفاعات حادة تجاوزت في بعض الجلسات 8% خلال أيام التصعيد الأولى، قبل أن تستقر نسبياً عند مستويات أعلى من متوسطاتها خلال العام الماضي، مع بقاء خام برنت قرب نطاق 100–110 دولارات للبرميل، وهو ما يعكس علاوة المخاطر الجيوسياسية المتزايدة في الأسواق

وتشير تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية إلى أن أي اضطراب في إمدادات المنطقة قد يؤثر على ما بين 15% إلى 20% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً عبر مضيق هرمز، وهو أحد أهم الممرات الاستراتيجية للطاقة في العالم. هذا التهديد المحتمل دفع أسعار الشحن البحري والتأمين ضد المخاطر إلى الارتفاع بنسب تتراوح بين 20% و35% في فترات التوتر، وفق بيانات شركات تأمين بحرية دولية

وفي أسواق المال، انعكس التصعيد على زيادة حدة التقلبات، حيث ارتفع مؤشر “VIX” لقياس الخوف في الأسواق الأمريكية بنحو 25% خلال ذروة التوترات، بينما سجلت أسواق الأسهم العالمية خسائر متباينة تجاوزت في بعض الجلسات 2% إلى 4%، مع توجه المستثمرين نحو الأصول الآمنة مثل الدولار الأمريكي والذهب، الذي قفز إلى مستويات تاريخية تجاوزت 4400 دولار للأونصة في بعض التداولات

كما امتدت التداعيات إلى سلاسل التوريد العالمية التي لا تزال تعاني من هشاشة ممتدة منذ جائحة كوفيد-19 وأزمة الطاقة الأوروبية، إذ تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة بنسبة 10% فقط قد يرفع معدلات التضخم العالمي بنحو 0.4 إلى 0.6 نقطة مئوية، ما يزيد الضغوط على البنوك المركزية التي تواجه بالفعل تحديات تحقيق التوازن بين كبح التضخم ودعم النمو

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة أن الحرب الأمريكية الإيرانية لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمثل صدمة اقتصادية عالمية متعددة القنوات، تمتد من أسواق الطاقة إلى حركة التجارة الدولية، مروراً بأسواق العملات وتدفقات الاستثمار، في وقت يتسم فيه الاقتصاد العالمي بضعف نسبي أمام الصدمات الجيوسياسية وارتفاع مستويات الدين العام وتباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى

ويهدف هذا الاستطلاع إلى تقديم قراءة اقتصادية شاملة لتأثيرات هذا الصراع على الاقتصاد العالمي، من خلال تحليل انعكاساته على الأسواق الدولية، وتحديد أكثر الاقتصادات تضرراً، ورصد تداعياته على أوروبا ودول الخليج والولايات المتحدة، بما يتيح فهماً أدق لطبيعة الترابط بين الجغرافيا السياسية والاستقرار الاقتصادي في المرحلة الراهنة

 

د. يوسف بدر.. استمرار الحرب مع إيران يهدد الاقتصاد العالمي بركود واسع ويعيد تشكيل خريطة التحالفات والطاقة

 

قال الدكتور يوسف بدر خبير في  شؤون الشرق الأوسط في حديثة ((لمجلة استثمارات الإماراتية))  إن استمرار الحرب مع إيران لأشهر إضافية يمثل تهديدًا مباشرًا للاستقرار الاقتصادي العالمي، في ظل تصاعد الضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة التجارة الدولية، مشيرًا إلى أن طهران تدرك جيدًا أهمية “ورقة مضيق هرمز” باعتبارها إحدى أخطر أدوات التأثير الاستراتيجي في الصراع، في وقت تسعى فيه الإدارة الأمريكية بقيادة دونالد ترامب إلى احتواء هذا النفوذ وتقليل تداعياته الاقتصادية والجيوسياسية

وأوضح أن تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي، تعكس حالة من عدم التفاؤل بشأن استمرار الحرب أو حتى بقاء التوتر العسكري، لافتًا إلى أن توقعات النمو العالمي خلال عامي 2026 و2027 قد تتراجع إلى مستويات تتراوح بين 1.4% و2.6%، بينما قد تواجه بعض الاقتصادات الكبرى انكماشات أعمق تصل إلى نحو 10%، وفقًا لقدرة كل دولة على امتصاص صدمات الأزمة وتجنب آثارها المباشرة

وأضاف بدر أن خطورة المشهد ترتبط بشكل أساسي باستمرار تداعيات أي اضطراب في مضيق هرمز، وما يترتب عليه من قفزات حادة في أسعار الطاقة، وتعطيل سلاسل التوريد والإمداد، فضلًا عن اضطراب حركة الملاحة الجوية والبحرية، وهو ما ينعكس مباشرة على معدلات الإنتاج والتجارة العالمية

وفي ما يتعلق برد فعل البنوك المركزية، أشار إلى أن السياسة النقدية العالمية تتجه نحو ما وصفه بـ”إدارة الوقت”، عبر الإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة لفترة أطول، بهدف امتصاص السيولة وكبح الطلب في مواجهة “تضخم التكلفة” الناتج عن ارتفاع أسعار الوقود والطاقة. لكنه حذّر في الوقت ذاته من أن هذه السياسات قد تؤدي إلى زيادة كلفة الاقتراض وتباطؤ النشاط الاقتصادي، ما قد يفاقم الضغوط التضخمية بدلًا من احتوائها

وأضاف أن القطاع المصرفي بدوره يتحرك لحماية استقراره في ظل بيئة مضطربة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الحكومية مع تصاعد معدلات التضخم وما يرافقها من مطالب اجتماعية وسياسية بزيادة الأجور والرواتب

وحول إمكانية تحول الأزمة إلى فرصة لبعض الدول المنتجة للطاقة، أوضح بدر أن المكاسب الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط والغاز تظل مؤقتة وهشة، خاصة إذا تعطلت مسارات التصدير أو دخل الاقتصاد العالمي في حالة ركود واسعة.

وأكد أن ارتفاع أسعار الطاقة يفقد أثره الإيجابي إذا تراجعت القدرة الشرائية العالمية أو تقلصت الأسواق القادرة على استيعاب الإنتاج الصناعي

وأشار إلى أن دولًا آسيوية كبرى مثل الصين استطاعت خلال السنوات الماضية تعزيز مكانتها في الأسواق العالمية بفضل انخفاض تكاليف الإنتاج، إلا أن استمرار الحرب وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين قد يهدد هذه المعادلة، بما ينعكس سلبًا حتى على الدول المنتجة للطاقة نفسها

وأكد أن الفرص المتاحة للدول المنتجة للطاقة تبقى نسبية وليست استراتيجية، لأن الاستفادة منها مرتبطة باستقرار البيئة الاقتصادية والأمنية العالمية، وليس بمجرد ارتفاع الأسعار. وأضاف أن معادلة النفوذ في أسواق الطاقة لم تعد تعتمد على الإنتاج وحده، بل تشمل أمن النقل والتأمين، وكلفة التشغيل، والقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية

وفي ما يتعلق بانعكاسات الأزمة على العلاقات التجارية والدبلوماسية، قال بدر إن الحرب بدأت بالفعل في إعادة تشكيل التحالفات الاقتصادية ومسارات الشراكة الدولية، موضحًا أن علاقات التعاون في قطاع الطاقة، مثل الشراكة بين الهند والإمارات العربية المتحدة، قد تواجه تحديات متزايدة نتيجة حالة عدم الاستقرار، ما يدفع الدول المستوردة للطاقة إلى تنويع مصادرها والبحث عن بدائل أكثر أمانًا

وأضاف أن أوروبا أصبحت في منافسة مباشرة مع آسيا على واردات الغاز الطبيعي المسال القادم من قطر، وهو ما يعكس التحولات العميقة في خريطة الطاقة العالمية وإعادة تشكيل العلاقات الدبلوماسية المرتبطة بها

كما أشار إلى أن تحركات الإمارات العربية المتحدة نحو تعزيز استقلالية قرارها النفطي تعكس توجهًا استراتيجيًا لدى الدول المنتجة للتحرر من القيود التقليدية، بما يتيح لها إدارة أسواق الطاقة بما يتماشى مع خططها الاقتصادية طويلة المدى والاستعداد لمرحلة ما بعد النفط…

واختتم الدكتور يوسف بدر تصريحاته بالتأكيد على أن الحرب على إيران تمثل “صدمة اختبار” حقيقية للنظام الاقتصادي العالمي، وفرصة عملية لقياس مدى جاهزية الدول لمرحلة التحولات الكبرى في أسواق الطاقة وإعادة تشكيل موازين النفوذ الاقتصادي والسياسي عالميًا

 

د. يوسف أحمد حسون.. الحرب تعيد تشكيل خريطة استثمارات الطاقة عالميًا وتسرّع التحول نحو البدائل الآمنة والربط الإقليمي

 

قال الدكتور المهندس يوسف أحمد حسون مدير عام مركز بحوث الطاقة بسوريا في تصريحاته (( لمجلة استثمارات الإماراتية ))إن الحروب والنزاعات الجيوسياسية تؤدي عادةً إلى إعادة تقييم شاملة للمخاطر الاستثمارية في قطاع الطاقة، ما يدفع الشركات والممولين في المناطق المتأثرة مباشرة إلى إلغاء أو تأجيل أو إعادة هيكلة مشاريع البنى التحتية الكبرى، مثل المصافي وخطوط الأنابيب ومحطات التوليد ومرافئ التصدير، نتيجة ارتفاع مخاطر التشغيل والتأمين والتمويل

وأوضح أن هذا التوتر ينعكس خارج مناطق الصراع بشكل مختلف، إذ ترتفع جاذبية الاستثمار في الدول الأكثر استقرارًا سياسيًا، بالتوازي مع تسارع التوجه نحو مشاريع الطاقة البديلة، وعلى رأسها الغاز الطبيعي المسال والطاقة المتجددة، بما يعيد توجيه التدفقات الاستثمارية نحو الأسواق الآمنة والقطاعات الأكثر مرونة في مواجهة الأزمات

 

“تعامل هيئات الطاقة مع ارتفاع تكاليف التأمين والشحن في الخليج”

 

وأشار حسون إلى أن مواجهة ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري في الخليج تتطلب حزمة إجراءات متكاملة، تبدأ بتعزيز التنسيق الأمني لحماية الممرات البحرية، مرورًا باستخدام أدوات التحوط المالي، وتنويع مسارات التصدير، وصولًا إلى زيادة الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية لتخفيف الضغوط قصيرة الأجل

وأكد أن هذه التطورات ستدفع، على المدى المتوسط، نحو تسريع الاستثمار في البنى التحتية البديلة، خاصة خطوط الأنابيب البرية ومرافئ التصدير خارج مناطق التوتر الجيوسياسي، باعتبارها خيارًا أكثر استقرارًا وأقل تعرضًا للمخاطر

 

“إعادة رسم خريطة عقود الغاز طويلة الأجل”

وفي ما يتعلق بعقود الغاز طويلة الأجل، اعتبر حسون أن النزاعات الجيوسياسية تدفع نحو إعادة نظر شاملة في آليات التعاقد، حيث تتجه أوروبا إلى تعزيز أمن الإمدادات عبر عقود طويلة الأمد أكثر مرونة مع الموردين في الخليج، بهدف تقليل الاعتماد على الأسواق الفورية

وفي المقابل، تسعى الدول الآسيوية الكبرى مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية إلى الحفاظ على حصصها من الإمدادات عبر تجديد العقود القائمة أو توسيعها، ما يخلق حالة تنافسية تعيد توزيع الكميات المتاحة وتفرض تعديلات على آليات التسعير وشروط التعاقد، بما يعزز مكانة دول الخليج كمورد استراتيجي رئيسي في سوق الغاز العالمي

 

وشدد مدير عام الطاقة في سوريا على أهمية الدور الذي تضطلع به الهيئات الوطنية والدولية في تهدئة الأسواق ومنع المضاربات المفرطة، من خلال توفير بيانات دقيقة وشفافة حول الإنتاج والمخزون والصادرات، بما يحد من حالة عدم اليقين التي تغذي تقلبات الأسعار

وأضاف أن هذا الدور يجب أن يتكامل مع البنوك المركزية والجهات الرقابية وأسواق السلع، لمراقبة السلوك المضاربي وضمان الالتزام بالضوابط التنظيمية، بما يعزز استقرار السوق العالمي للطاقة

“الربط الكهربائي الإقليمي كخيار استراتيجي”

 

واعتبر حسون أن الأزمات الحالية شكلت حافزًا قويًا لتسريع مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي، باعتبارها من أكثر الأدوات فاعلية لتعزيز أمن الطاقة ورفع كفاءة الأنظمة الكهربائية

وأوضح أن الربط الإقليمي يتيح تبادل الفوائض بين الدول، وتقليل الحاجة إلى احتياطيات تشغيلية مرتفعة، وتحسين استيعاب مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب خفض الاعتماد على الوقود المستورد وتقليل مخاطر الانقطاعات الناتجة عن اضطرابات الإمداد

 

وختم بالقول إن هذه المشاريع باتت تحظى بأولوية متزايدة على المستويين السياسي والتمويلي في المنطقة العربية وأوروبا وآسيا، باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لتحقيق الاستقرار وخفض التكاليف وتعزيز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة

 

محمد فؤاد: التحول في مزيج الطاقة عملية طويلة.. وضغوط الغاز مرشحة للاستمرار وسط تقلبات حادة

 

ومن جانبه قال الخبير الاقتصادي وعضو لجنة الاقتصاد الكلي الاستشارية لمجلس الوزراء محمد فؤاد في حديثه ((لمجلة استثمارات الإماراتية )) إن الحديث عن تسريع التحول في مزيج الطاقة داخل مصر أو غيرها من الدول يظل هدفًا استراتيجيًا طموحًا، لكنه في الواقع يمثل عملية طويلة ومعقدة لا يمكن إنجازها خلال فترة زمنية قصيرة، مشيرًا إلى أن الانتقال نحو نسب مرتفعة من الاعتماد على الطاقة النظيفة يتطلب استثمارات ضخمة وتطويرًا تدريجيًا ومستمرًا للبنية التحتية

وأوضح أن مصر تعتمد حاليًا على مزيج طاقة يتراوح بين 17 و18% من مصادر متجددة، في حين تستهدف الدولة رفع هذه النسبة إلى ما بين 40 و42% بحلول عام 2030، معتبرًا أن هذا الهدف “شديد الصعوبة” ما لم يحدث توسع كبير في الاستثمارات، وشبكات النقل، وجذب رؤوس أموال أجنبية، إلى جانب تطوير التكنولوجيا الداعمة لقطاع الطاقة

وأكد فؤاد أن التحول في مزيج الطاقة ليس قرارًا سريع التنفيذ، بل مسار تراكمي يعتمد على تخطيط استراتيجي طويل الأمد يشمل الإنتاج، والبنية التحتية، والاستثمار، والتكامل مع الأسواق العالمية

“تأثيرات مباشرة على سوق الغاز”

وفي ما يتعلق بقطاع الغاز الطبيعي، أوضح أن التأثيرات الحالية تنقسم إلى جانبين رئيسيين، الأول يتعلق بالإنتاج، حيث لا تزال الصورة غير مكتملة، إلا أنه رجّح وجود اضطرابات محتملة في بعض مناطق الإنتاج

وأشار إلى أن بعض التقارير تتحدث عن اضطرابات في ميناء راس لفان، أحد أبرز مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال عالميًا، وهو ما قد يؤدي إلى تأثر جزء من الشحنات، مع تقديرات غير رسمية تشير إلى إمكانية تأثر نحو 20% من الإمدادات، لافتًا في الوقت نفسه إلى إعلان حالات “القوة القاهرة” على بعض الشحنات بما يعكس حجم الضغوط على السوق

“أسعار الغاز: ضغط قصير الأجل وعدم استقرار مستمر”

وتوقع الخبير أن تبقى أسعار الغاز عند مستويات مرتفعة في المدى القريب وحتى انتهاء الأزمة، مدفوعة بحالة عدم اليقين في الإمدادات العالمية والتوترات الجيوسياسية المستمرة في أسواق الطاقة

وفي المقابل، أشار إلى أن بعض المؤسسات المالية العالمية، مثل “بنك أوف أمريكا”، تتوقع تراجع الأسعار على المدى الطويل، إلا أنه شدد على أن هذه التقديرات “غير واقعية في المدى المتوسط” في ظل استمرار التقلبات الحالية في سوق الغاز الطبيعي المسال

 

واختتم فؤاد تصريحه بالتأكيد على أن أسعار السوق الفورية للغاز ما تزال “شديدة التقلب ومثيرة للقلق”، وهو ما يفرض ضغوطًا إضافية على الدول المستوردة للطاقة ويزيد من حالة عدم الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية

 

د. يسري أبو شادي: التصعيد العسكري لن يوقف البرامج النووية السلمية في المنطقة وتأثيره على الاستثمارات “محدود

 

أكد كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والحاصل على جائزة نوبل للسلام عام 2005  الدكتور يسري أبو شادي في تصريحاته(( لمجلة استثمارات الإماراتية )) أن التصعيد العسكري في المنطقة، لا سيما في ظل المواجهة الأمريكية–الإيرانية، قد يفرض ضغوطًا مؤقتة على قطاع الطاقة النووية السلمية، إلا أنه لن يؤدي إلى تعطيل برامج المفاعلات النووية في الشرق الأوسط، مشددًا على أن تأثيره على الاستثمارات الدولية سيظل “محدودًا” ما لم تتسع دائرة الصراع بشكل كبير

 

وأوضح أبو شادي أن إيران كانت أول دولة في المنطقة تشغل مفاعلًا نوويًا لإنتاج الكهرباء بشكل سلمي من خلال مفاعل بوشهر الذي بدأ العمل عام 2012، مشيرًا إلى أنه رغم تعرضه لتوقفات محدودة خلال فترات التوتر، فإنه عاد إلى التشغيل واستمر في الإنتاج بشكل طبيعي

وأضاف أن الإمارات تمثل النموذج العربي الأبرز في مجال الطاقة النووية السلمية، بعد نجاحها في تشغيل أربعة مفاعلات في محطة براكة بالتعاون مع كوريا الجنوبية ووفق تراخيص دولية، موضحًا أن هذه المفاعلات توفر ما يقارب 25% من احتياجات الدولة من الكهرباء، ما يعزز دور الطاقة النووية في منظومة الطاقة الوطنية

ولفت إلى أن بعض الحوادث الأخيرة، مثل الاستهداف الذي طال مولدًا احتياطيًا قرب محطة براكة، تحمل دلالات سياسية مرتبطة بتصاعد التوتر الإقليمي، لكنها لم تمس البنية النووية الحساسة أو مناطق الخطر الإشعاعي، مؤكدًا أن أي توقف في عمل المفاعلات ستكون له انعكاسات كبيرة على قطاع الطاقة والاقتصاد الإماراتي

 

وأشار إلى أن الطاقة النووية أصبحت ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة داخل المنطقة، موضحًا أن مصر تمضي في تنفيذ مشروع محطة الضبعة النووية التي تضم أربعة مفاعلات، مع توقع تشغيل أول مفاعل خلال نحو عامين، بما يساهم في توفير ما يقارب 10% من احتياجات الكهرباء في البلاد وبيّن أن أهمية الطاقة النووية تكمن في قدرتها على توفير “الحمل الأساسي” للكهرباء بشكل مستقر وعلى مدار الساعة، بخلاف مصادر الطاقة المتجددة التي تعتمد على الظروف المناخية، لافتًا إلى أن الوقود النووي يتميز بكفاءة تشغيل طويلة قد تمتد لسنوات، بينما يصل العمر الافتراضي للمفاعلات إلى ما بين 60 و80 عامًا

 

وأضاف أن تركيا تقترب من دخول النادي النووي عبر تشغيل أول مفاعل لها، في حين تدرس دول مثل السعودية والأردن تطوير مشروعات المفاعلات النووية الصغيرة، التي تناسب الشبكات المحدودة والمناطق النائية، مع وجود اهتمام متزايد في الجزائر وعدد من الدول الإفريقية بالمسار النووي السلمي

 

وأكد أبو شادي أن السعودية تمتلك طموحات واضحة في هذا القطاع رغم تباطؤ بعض الخطوات السابقة، متوقعًا أن تشهد السنوات المقبلة توسعًا أكبر في برامجها النووية، ضمن توجه إقليمي متصاعد نحو تنويع مصادر الطاقة

وشدد في ختام تصريحاته على أن الحروب والتوترات الأمنية قد تُحدث ضغوطًا نفسية واستثمارية على بعض المشروعات، لكنها لن توقف الاتجاه العالمي والإقليمي نحو الطاقة النووية السلمية، التي باتت تُعد أحد أهم مصادر الطاقة النظيفة والمستدامة في المستقبل

 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com