البرلمان الليبي أمام مفترق طرق.. تسوية سياسية تنهي الانقسام أم أزمات المعيشة تفرض أولوياتها؟

تواجه الرئاسة الجديدة لمجلس النواب الليبي تحدياً معقداً بين الدفع نحو تسوية سياسية تنهي الانقسام المؤسسي والحكومي المستمر منذ سنوات، والاستجابة للأزمات الاقتصادية والمعيشية التي تضغط على المواطنين، في وقت تتباين فيه التوقعات بشأن الملفات التي ستتصدر أجندة المجلس خلال المرحلة المقبلة.

 

وتتركز الأنظار على موقف الرئاسة الجديدة من اتفاق «4+4»، الذي أُبرم بين ممثلين عن طرفي الصراع في ليبيا برعاية أممية نهاية أغسطس الماضي، ويستهدف التمهيد لتشكيل سلطة تنفيذية موحدة تقود البلاد نحو الانتخابات خلال عامين، وسط تقديرات بأن يحظى الاتفاق بأولوية سياسية في ضوء التقارب بين قيادة المجلس الجديدة والقيادة العامة لـ الجيش الوطني الداعمة لتطبيقه.

 

في المقابل، تبرز مطالب بتفعيل الدورين التشريعي والرقابي للبرلمان لمواجهة تداعيات ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، خصوصاً أن الانقسام السياسي انعكس على إدارة مؤسسات الدولة والإنفاق العام، في ظل وجود حكومتين متنافستين على السلطة.

 

ويرى الباحث في الدراسات الاستراتيجية والسياسية، محمد امطيريد، أن التشريعات والإجراءات المرتبطة باتفاق «4+4» لن تكون بالضرورة الملف الوحيد على طاولة الرئاسة الجديدة، محذراً من أن يؤدي التركيز على التسوية السياسية إلى إبعاد القضايا المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين عن الاهتمام التشريعي.

 

وأشار امطيريد إلى أن الحديث عن تضمين الاتفاق في الإعلان الدستوري عزز الانطباعات بشأن تقدم الملفات السياسية على غيرها، لافتاً إلى احتمال طرح ملفات أخرى، من بينها الاتفاقية البحرية الموقعة بين ليبيا وتركيا عام 2019.

 

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحركات أميركية وأممية لتوحيد المؤسسات الليبية والسلطة التنفيذية. وبعد تصريحات مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس بشأن تكامل المبادرة الأميركية مع جهود البعثة الأممية، تزايدت التكهنات حول إمكانية أن يشكل اتفاق «4+4» إطاراً لتقاسم السلطة، يتولى بموجبه صدام حفتر رئاسة المجلس الرئاسي، مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة في رئاسة الحكومة، وهي صيغة لا تزال في نطاق التداول والتوقعات.

 

على الجانب الآخر، يعتقد رئيس حزب «المستقلين الديمقراطي» الليبي، سامي الصيد الرخصي، أن تطبيق الاتفاق سيحتل موقع الصدارة في أولويات الرئاسة الجديدة، مدفوعاً بالدعم الذي تحظى به من قيادة الجيش الوطني لكنه استبعد أن ينعكس ذلك سريعاً على تفعيل الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان بما يخفف الأعباء المعيشية عن الليبيين.

 

وحذر الرخصي من أن الخلافات بشأن شرعية الجلسة التي أُزيح فيها عقيلة صالح من رئاسة المجلس قد تهدد تماسك البرلمان، معتبراً أن انقسامه المحتمل سيمثل تطوراً بالغ الحساسية في ظل الانقسامات التي طالت مؤسسات الدولة الليبية.

 

وفي محاولة للجمع بين المسارين السياسي والاقتصادي، توقع عضو مجلس النواب عمار الأبلق أن تعمل الرئاسة الجديدة على تحقيق توازن بين معالجة الانقسام المؤسسي ودفع التسوية السياسية، وبين الاستجابة للأزمات اليومية، وفي مقدمتها الرواتب وارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية.

 

وأشار الأبلق إلى أن تصريحات رئيس المجلس الجديد، الصالحين عبد النبي، بشأن الاهتمام بملف الرواتب تعكس أهمية هذا الجانب، في ظل وجود نحو مليونين و200 ألف مواطن يعملون في مؤسسات الدولة. كما دعا إلى إقرار ميزانية موحدة وواضحة تحد من الإنفاق المتوسع للحكومتين المتنافستين، وتضع إطاراً أكثر انضباطاً لإدارة الموارد العامة.

 

ورجح الأبلق إمكانية إحراز تقدم في بعض الملفات الخدمية، مثل الكهرباء وتوفير السيولة النقدية، بما يخفف جانباً من معاناة المواطنين، لكنه أشار إلى أن فرص إجراء الانتخابات لا تزال بعيدة.

 

وكانت هيئة رئاسة مجلس النواب الجديدة قد عقدت اجتماعها الأول منتصف الأسبوع الماضي، برئاسة الصالحين عبد النبي، وبمشاركة نائبيه طارق الأشتر ومصباح دومة، لبحث آليات عمل الهيئة والمجلس خلال الفترة المقبلة، في مرحلة تتشابك فيها استحقاقات التسوية السياسية مع الضغوط الاقتصادية وتحديات الحفاظ على وحدة المؤسسة التشريعية.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com