أزمة الطاقة والتضخم الجامح اختبار صمود الاقتصاد العالمي
أجرته\ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا

في ظل تصاعد التوترات التجارية واستمرار الضبابية التي تحيط بالسياسات الاقتصادية العالمية، بعث البنك الدولي برسالة حذِرة لكنها لافتة، مؤكداً أن الاقتصاد العالمي أظهر صموداً أكبر من المتوقع أمام الأزمات المتلاحقة
ووفق أحدث تقديرات المؤسسة الدولية، فإن النمو العالمي يسير في مسار مستقر نسبياً خلال العامين المقبلين، مدفوعاً بأداء أفضل من المتوقع في بعض الاقتصادات الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة. غير أن التقرير لم يخلُ من التحذيرات، إذ أشار إلى أن وتيرة النمو الضعيفة قد تجعل العقد الحالي الأبطأ منذ ستينات القرن الماضي، مع اتساع فجوة مستويات المعيشة بين الدول المتقدمة والنامية
ويأتي هذا التقييم في وقت تتشابك فيه الأزمات العالمية، حيث يواصل التضخم المتسارع الضغط على القدرة الشرائية للأفراد والحكومات، فيما تعيد أزمة الطاقة رسم خرائط النفوذ وتكشف هشاشة الاعتماد على مصادر محدودة. هذا التداخل بين ارتفاع الأسعار واضطراب أسواق الطاقة يضع حتى الاقتصادات الكبرى أمام امتحان صعب لصمودها وقدرتها على التكيف
وبين محاولات السيطرة على معدلات التضخم وتأمين إمدادات الطاقة، يظل السؤال الأبرز الذي يطرحه إستطلاع مجلة الاستثمارات الإماراتية.. هل يستطيع الاقتصاد العالمي تجاوز هذه العاصفة دون أن يفقد توازنه

د كرم سلام: التضخم وأزمة الطاقة اختبار حاسم لمرونة الاقتصاد العالمي
وتعليقاً على ذلك قال الدكتور كرم سلام عبدالرؤوف سلام، الخبير الاقتصادي الدولي ومستشار العلاقات الاقتصادية الدولية في تصريحاته” لمجلة استثمارات الإماراتية”، إن الاقتصاد العالمي يواجه منذ سنوات تحدّياً معقّداً يجمع بين موجات تضخمية غير مسبوقة وأزمات متلاحقة في أسواق الطاقة، في ظل بيئة دولية تتسم بارتفاع منسوب المخاطر وعدم اليقين
وأوضح سلام أن تداعيات جائحة «كوفيد-19»، وما خلّفته من اختناقات في سلاسل الإمداد، إلى جانب الحرب الروسية–الأوكرانية، حوّلت التضخم من ظاهرة مؤقتة إلى أزمة هيكلية حقيقية، تختبر قدرة الاقتصادات على التكيّف والصمود، وتفرض ضغوطاً متزايدة على السياسات النقدية والمالية، وكذلك على قرارات الاستثمار والنمو
وأشار إلى أن موجة التضخم العالمية الحالية نتجت عن تداخل عدة عوامل، في مقدمتها صدمة العرض بعد الجائحة، والارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، إضافة إلى التوترات الجيوسياسية، إلى جانب السياسات النقدية والمالية التوسعية التي ضخت سيولة كبيرة في الأسواق. ولفت إلى أن هذه الضغوط لم تعد محصورة في الاقتصادات المتقدمة، بل انتقلت بقوة إلى الأسواق الناشئة، التي لا تزال تواجه معدلات تضخم أعلى وأكثر تقلباً
وأكد الخبير الاقتصادي أن أثر ارتفاع أسعار الطاقة يختلف بوضوح بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة، موضحاً أن الدول المتقدمة تمتلك أدوات أفضل لامتصاص الصدمات، من خلال تنويع مصادر الطاقة وتحسين الكفاءة، ما ساعدها على الحد من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى التضخم العام. في المقابل، تعاني الاقتصادات الناشئة من اعتماد أكبر على واردات الطاقة، ما يجعلها أكثر عرضة لما يُعرف بـ«التضخم المستورد»، ويؤدي إلى ارتفاع سريع في تكاليف الإنتاج والمعيشة وفيما يتعلق بآفاق أسواق الطاقة، توقع الدكتور كرم سلام استمرار حالة التذبذب خلال السنوات المقبلة، مع احتمالات لتراجع نسبي في الأسعار في حال تباطؤ الطلب العالمي، مقابل سيناريوهات صعود حاد إذا تصاعدت التوترات الجيوسياسية، خاصة في مناطق حساسة مثل الشرق الأوسط. كما أشار إلى أن التحول نحو الطاقة المتجددة يمثل عاملاً مهماً في تهدئة الضغوط على المدى الطويل، لكنه مسار تدريجي يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً كافياً لظهور نتائجه
وختم سلام بالتأكيد على أن التضخم وأزمة الطاقة سيظلان من أبرز القضايا المؤثرة في مسار النمو العالمي خلال العقد المقبل، داعياً إلى تبني سياسات اقتصادية واستثمارية شاملة ومرنة، تراعي تقلبات أسواق الطاقة والتحديات البنيوية التي تواجه الأسواق الناشئة، بما يضمن تعزيز القدرة على الصمود وتحقيق نمو أكثر استدامة في مواجهة الصدمات المستقبلية

الدكتور علي الأعور : تباطؤ التضخم لا يعني نهاية المخاطر… والإصلاحات الهيكلية مفتاح تفادي ركود عالمي
قال الخبير الدولي استاذ تسوية النزاعات الإقليمية الدكتور علي الأعورفي حديثه ” لمجلة الاستثمارات الإماراتية” إن التوقعات بانخفاض التضخم العالمي إلى 2.6 في المائة في عام 2026 تمثل إشارة إيجابية للأسواق، لكنها لا تعني بالضرورة عودة سريعة إلى مسار نمو قوي ومستدام، في ظل استمرار التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد العالمي
وأوضح الخبير أن تراجع التضخم يعكس بالأساس ضعف أسواق العمل وانخفاض أسعار الطاقة، وليس تحسناً جذرياً في محركات النمو، محذّراً من أن الاقتصاد العالمي بات «أكثر قدرة على الصمود وأقل قدرة على النمو»، وهي معادلة لا يمكن أن تستمر طويلاً دون أن تُحدث ضغوطاً متزايدة على المالية العامة وأسواق الائتمان، خصوصاً مع بلوغ مستويات الديون العامة والخاصة أرقاماً قياسية
وأضاف أن التوقعات بنمو أبطأ خلال السنوات المقبلة، مقارنة حتى بفترة التسعينات التي اتسمت بالاضطراب، تفرض على الحكومات في الاقتصادات المتقدمة والناشئة
تحركاً سريعاً وجاداً لتفادي سيناريو الركود وارتفاع البطالة. و تحرير استثمارات القطاع الخاص، وتعزيز التجارة، وضبط الاستهلاك العام، إلى جانب الاستثمار المكثف في التكنولوجيا الحديثة والتعليم، تمثل ركائز أساسية لإعادة تنشيط النمو العالمي
وفيما يتعلق بالاقتصادات النامية، أشار الخبير ذاته إلى أن تباطؤ النمو المتوقع في 2026 إلى 4 في المائة يعكس هشاشة التعافي، رغم التحسن المنتظر في 2027 بدعم من انحسار التوترات التجارية واستقرار أسعار السلع وتحسن الأوضاع المالية. لكنه شدد على أن هذا التحسن سيظل محدود الأثر ما لم يترافق مع إصلاحات هيكلية عميقة تعزز الإنتاجية وتجذب الاستثمارات طويلة الأجل
كما لفت إلى أن تسارع النمو في البلدان منخفضة الدخل إلى متوسط 5.6 في المائة خلال 2026-2027 يُعد تطوراً إيجابياً، لكنه غير كافٍ لسد فجوة الدخل المتسعة مع الاقتصادات المتقدمة، في ظل توقع بقاء نمو نصيب الفرد من الدخل في الاقتصادات النامية دون مستوياته التاريخية
وختم الخبير بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في خفض التضخم، بل في إعادة بناء محركات النمو الشامل، محذّراً من أن استمرار الفجوة بين الاقتصادات المتقدمة والنامية قد يفاقم الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية، ما لم تُتخذ سياسات جريئة تدعم الاستثمار والإنتاج وتحقق تنمية أكثر عدالة واستدامة

د. خالد أبو زيد: التضخم وأزمات الطاقة أعادا رسم خريطة الاستثمار الأجنبي في الأسواق الناشئة
ومن جانبه قال خبير الاقتصاد والطاقة الدكتور خالد أبو زيد، مدير عام بقطاع البترول المصري، في حديثه” لمجلة استثمارات الإماراتية “إن التضخم وارتفاع أسعار الطاقة شكّلا خلال السنوات الأخيرة عاملين حاسمين في إعادة توجيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الأسواق الناشئة، مؤكداً أن الاقتصاد والسياسة بالفعل «وجهان لعملة واحدة»، وأن أي اضطراب جيوسياسي أو اقتصادي عالمي ينعكس فوراً على قرارات المستثمرين
وأوضح أبو زيد أن التضخم المحلي في الدول الناشئة يرتبط بشكل مباشر بسعر صرف العملة الوطنية وقدرتها على دعم التجارة الخارجية، مشيراً إلى أن تراجع قيمة العملة، إذا لم يكن مصحوباً بزيادة في الإنتاج المحلي والصادرات، يؤدي إلى تضخم مستورد يضعف الثقة في بيئة الاستثمار. وأضاف أن المستثمر الأجنبي يبحث في المقام الأول عن الاستقرار النقدي، وضوح السياسات، وقدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات، وهي عوامل تضررت بشدة مع تصاعد موجات التضخم وارتفاع كلفة الطاقة
وأشار إلى أن التضخم العالمي، خاصة التضخم الأساسي المرتبط بأسعار الطاقة، ناتج عن صدمات العرض والطلب في أسواق النفط والغاز، إضافة إلى الصراعات الجيوسياسية وتغير موازين الطاقة عالمياً، وهو ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، ومن ثم تراجع هوامش الربحية في كثير من القطاعات داخل الأسواق الناشئة، الأمر الذي دفع جزءاً من الاستثمارات الأجنبية إلى التريث أو إعادة التمركز
وأكد أن العلاقة بين التضخم وأسعار الطاقة علاقة تبادلية ومعقدة؛ فارتفاع أسعار الطاقة يرفع التضخم عبر زيادة تكاليف التشغيل والمعيشة، بينما يؤدي التضخم المرتفع إلى تشديد السياسات النقدية ورفع أسعار الفائدة، ما يزيد كلفة تمويل المشروعات، خاصة في قطاعات الطاقة والطاقة النظيفة، ويحد من تدفقات الاستثمار طويل الأجل
وفي المقابل، شدد أبو زيد على أن بعض القطاعات أثبتت قدرة أعلى على الصمود وجذب الاستثمارات رغم الأزمات، وفي مقدمتها البنية التحتية للطاقة، والمرافق العامة، والسلع الأساسية، والرعاية الصحية، نظراً لارتباطها المباشر بالأمن الاقتصادي والاجتماعي، وامتلاكها طلباً مستقراً حتى في أوقات التضخم وأزمات الطاقة
وحول آفاق أسعار الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة، توقع أبو زيد أن تشهد الأسواق استقراراً نسبياً مع ميل للانخفاض في أسعار النفط والغاز نتيجة وفرة المعروض وتباطؤ نسبي في الطلب العالمي، مع بقاء الطلب قوياً في آسيا وأوروبا. وفي المقابل، أشار إلى أن الطاقة المتجددة ستواصل نموها السريع مدفوعة بالسياسات البيئية وانخفاض تكاليف الإنتاج، ما سيدفع تدريجياً نحو مزيج طاقة أكثر توازناً
غير أنه حذّر من أن هذا السيناريو الإيجابي يظل رهناً بعدة مخاطر، أبرزها التقلبات الجيوسياسية، وتغير السياسات الحكومية، وحدوث انتعاش اقتصادي عالمي مفاجئ قد يعيد الضغط على أسعار الطاقة ويرفع معدلات التضخم من جديد
واختتم الدكتور خالد أبو زيد بالتأكيد على أن قدرة الأسواق الناشئة على استعادة زخم الاستثمار الأجنبي المباشر تتطلب إصلاحات هيكلية عميقة، واستقراراً نقدياً، وسياسات طاقة واضحة وطويلة الأجل، بما يعزز الثقة ويحوّل التحديات الراهنة إلى فرص للنمو المستدام

الدكتور علي الدكرورى: التضخم وأزمة الطاقة اختبار لمرونة الاقتصاد العالمي ومسار نحو سياسات واقعية طويلة الأمد”
صرح رجل الأعمال والمستثمر الدولي الدكتور علي الدكرورى “لمجلة استثمارات الإماراتية”
أن ما يشهده الاقتصاد العالمي اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمرونته وقدرته على إعادة التوازن. التضخم وأزمة الطاقة .أوضحا أن النمو وحده لا يكفي، وأن الاستقرار الاقتصادي يحتاج إلى سياسات واقعية طويلة الأمد.
لقد أثبتت التجربة أن الاعتماد على مصادر محدودة للطاقة أو على أدوات نقدية فقط لم يعد حلاً.. المطلوب الآن هو مزيج ذكي يجمع بين ضبط التضخم، تأمين الطاقة، ودعم الإنتاج الحقيقي، خاصة في الاقتصادات الناشئة التي تتحمل العبء الأكبر.
والفرصة ما زالت قائمة، لكنها مشروطة بتنويع مصادر الطاقة، الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم، وتمكين القطاع الخاص ليكون شريكاً أساسياً في النمو، لا مجرد طرف ثانوي. المرحلة المقبلة لن تكافئ من ينتظر، بل من يتحرك بوعي ويستثمر في بناء اقتصاد أكثر صلابة وعدالة.”
.

إسلام أوزكان: «الاصطفاء الاستثماري» يعيد رسم خريطة الأسواق الناشئة في ظل التضخم وأزمات الطاقة
قال الباحث التركي إسلام أوزكان، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، في تصريحاته ” لمجلة استثمارات الإماراتية “إن تأثير التضخم وارتفاع أسعار الطاقة على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر في الأسواق الناشئة لا يمكن توصيفه بحالة «هروب جماعي» للمستثمرين، بل بما أسماه مرحلة «الاصطفاء الشديد»، حيث بات رأس المال العالمي أكثر انتقائية وحساسية للمخاطر
وأوضح أوزكان أن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة في الاقتصادات المتقدمة، نتيجة الضغوط التضخمية، رفع تكلفة رأس المال في الأسواق الناشئة بشكل ملحوظ، ودفع المستثمرين إلى إعادة تقييم جدوى المخاطرة خارج بلدانهم، في ظل عوائد مرتفعة وآمنة نسبياً داخل أسواقهم المحلية. ونتيجة لذلك، أصبحت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر أكثر تبايناً بين الدول، بحسب موقعها من معادلة الطاقة
وأشار إلى وجود انقسام واضح بين الدول المستوردة للطاقة، مثل تركيا ومصر، التي تواجه ضغوطاً على العملات المحلية وارتفاعاً في فاتورة الاستيراد، ما يضعف جاذبيتها الاستثمارية، وبين الدول المصدّرة للطاقة، كدول الخليج والبرازيل، التي استفادت من ارتفاع الأسعار وسجلت طفرة لافتة في تدفقات الاستثمار الأجنبي، مؤكداً أن «الرياح تميل لصالح من يمتلك المورد»
وحول القطاعات الأكثر قدرة على الصمود، شدد أوزكان على أن الطاقة المتجددة باتت في صدارة القطاعات الجاذبة للاستثمار، نظراً لانخفاض تقلب تكاليفها مقارنة بالوقود الأحفوري، وتحولها إلى خيار استراتيجي في مواجهة أزمات الطاقة. كما لفت إلى أن قطاعي الرعاية الصحية والتكنولوجيا يواصلان الحفاظ على قوتهما، إذ لا يتراجع الطلب على الدواء والخدمات الصحية، بينما تدفع الضغوط التضخمية الشركات إلى الاستثمار في الذكاء الاصطناعي والأتمتة لخفض التكاليف. وأضاف أن السلع الاستهلاكية الأساسية تظل قادرة على حماية هوامش أرباحها بفضل ما يُعرف بالقوة التسعيرية
وفيما يخص آفاق أسعار الطاقة خلال السنوات الخمس المقبلة، توقع الباحث التركي أن تشهد الأسواق مرحلة «تصحيح وهدوء» خلال عامي 2026 و2027، مع احتمال استقرار أسعار النفط في نطاق يتراوح بين 60 و70 دولاراً للبرميل، مدفوعة بزيادة المعروض. لكنه حذّر من سيناريو مختلف بعد عام 2028، إذ قد يؤدي نقص الاستثمارات في تطوير الحقول الجديدة إلى انكماش المعروض وعودة الأسعار للارتفاع فوق مستوى 80 دولاراً للبرميل
أما سوق الغاز الطبيعي، فرأى أوزكان أنه سيظل الأكثر تقلباً، وخاضعاً للتجاذبات الجيوسياسية بين أوروبا وآسيا، في ظل إعادة تشكيل خريطة الإمدادات العالمية
وختم بالقول إن أسواق الطاقة «لن تعود رخيصة كما كانت»، لكنها مقبلة على مرحلة من التقلبات الأكثر قابلية للإدارة، وهو ما يفرض على الأسواق الناشئة تبني سياسات أكثر مرونة ووضوحاً لجذب الاستثمار الأجنبي في بيئة عالمية تتسم بارتفاع المخاطر وتبدل الأولويات
التعليقات مغلقة.