الإمارات ،، ضعوا أحزمة الأمان… أنتم في مأمن

بقلم : أكرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

بدأت كتابة هذه الكلمات من المطار، وأنا أعود إلى الإمارات بعد العطلة. كان أمامي جواز سفري وفنجان قهوتي، وخلف الزجاج طائرة تستعد للمغادرة، فيما كانت عائلتي ستلحق بي مساءً على رحلة أخرى. مشهد عادي في حياة المسافر، لكنه لم يكن عاديًا بالنسبة إليّ هذه المرة. فخبر ما جرى على رحلة «فلاي دبي» FZ1073 كان حاضرًا في ذهني، ووضع أمامي سؤالًا بسيطًا في كلماته، عميقًا في معناه: ماذا يعني أن تثق بدولة إلى الحد الذي تضع فيه نفسك ومن تحب في عهدة أمنها؟

ما جرى لم يعد مجرد روايات متداولة. الهيئة العامة للطيران المدني في دولة الإمارات وصفته رسميًا بأنه «حادث أمني تمت السيطرة عليه»، ثم انتقل الملف إلى تحقيق قضائي إماراتي متخصص، يشمل الظروف والأسباب والدوافع، وما إذا كان هناك تخطيط أو توجيه مسبق. أما النتائج، فمكانها الطبيعي التحقيق، لا التكهن، وتبقى الكلمة الفصل للسلطات المعنية.

وقبل أي قراءة، تحية لأفراد من طاقم الشركة كانوا على متن الطائرة، فأمّنوها وهبطوا بها وبركابها بسلام، ودعاء بالشفاء لمن أصيب، وشكر للمملكة العربية السعودية الشقيقة التي فتحت مدرجها ومستشفياتها في ساعة الشدة.

وأنا في المطار، لم يشغلني كيف وقع ما وقع؛ فهذه مهمة المحققين. شغلني شيء آخر: ما الذي يجعل أبًا، بعد حادث بهذه الخطورة، يحمل جواز سفره، ويحتسي قهوته، ويضع حزام الأمان ويصعد إلى طائرته مطمئنًا، وهو يعرف أن عائلته ستفعل الشيء نفسه بعد ساعات؟
هنا، في رأيي، يبدأ معنى الدولة.

فالثقة ليست أن نعتقد أن الحوادث لا تقع، ولا أن نطالب دولة بأن تلغي الخطر من الحياة. الثقة أن نعرف أن خلف هدوء حياتنا مؤسسات تعرف ماذا تفعل عندما يقع ما لم يكن متوقعًا، وقيادةً اعتادت أن تعبر الأزمات وفي يدها خريطة ما بعدها. والأمن الحقيقي لا يُقاس فقط بما تم منعه، بل بقدرة الدولة على احتواء ما وقع، وفهمه، ومعرفة أين كانت الثغرة، ثم إغلاقها قبل أن تتحول الواقعة إلى نمط.

واليوم وصلتُ إلى الإمارات، ثم وصلت عائلتي بعدي. وضعت الحقائب جانبًا، لكن السؤال الذي رافقني من المطار لم ينتهِ عند باب الوصول. ربما أصبح جوابه أوضح.

بحكم عملي في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية، يصعب عليّ أن أفصل الأمن عن الاقتصاد. فنحن نعرف كيف نحسب قيمة المطار والميناء والطريق والفندق والمصنع والبرج، لكن هناك أصلًا آخر لا يظهر كاملًا في الميزانيات، مع أنه قد يكون شرطًا لقيمة كل ما سبق: الثقة في المكان. المستثمر يحتاجها قبل أن يضع رأس ماله، والشركة قبل أن تتخذ من مدينة مقرًّا لها، والسائح قبل أن يأتي بعائلته. وأنا احتجتها عندما صعدت إلى طائرتي، واحتاجتها عائلتي حين صعدت بعدي.

لهذا لا أرى في حادث منفرد، مهما كانت خطورته، تهديدًا اقتصاديًا للإمارات بذاته. الخطر يبدأ إذا تحولت الواقعة إلى شك في المنظومة، أو إذا كشف التحقيق عن ثغرة ولم تُغلق. فالاقتصاد يستطيع أن يعيش مع وجود المخاطر، لكنه يصعب عليه أن يعيش مع غياب القدرة على إدارتها. ومن هنا تصبح سرعة التحقيق، ودقته، والمحاسبة عند ثبوت المسؤولية، ومعالجة أي خلل محتمل، مسائل اقتصادية بقدر ما هي أمنية.

والإمارات لم تبنِ أمنها لكي تغلق أبوابها، بل لكي تستطيع إبقاءها مفتوحة. وفي بلد يستقبل العالم بجنسياته وثقافاته وأديانه، تصبح المعادلة دقيقة: التسامح لا يلغي المسؤولية، والانفتاح لا يعني الغفلة، والضيافة لا تلغي حرمة البيت. ومن اختار الإمارات وطنًا أو إقامةً أو محطةً في حياته، عليه أن يصون هذه المعادلة كما تصونه هي.

 

والمسؤولية، في النهاية، شخصية يحددها القانون؛ فلا جنسية تُدان بفعل فرد، ولا مجتمع يحمل وزر شخص.
وهنا وجدت الجواب الذي كنت أبحث عنه منذ أن وضعت فنجان القهوة إلى جانب جواز سفري: الأمن في الإمارات ليس تكلفة لحماية الاقتصاد؛ الأمن نفسه أحد رؤوس أمواله غير المرئية. لأن هناك ثروة لا تُقاس فقط بما تملكه الدولة، بل بمقدار ما يثق الناس في قدرتها على حماية ما يملكون ومن يحبون.

والحمد لله على سلامة الوصول. لكنني عدت من الرحلة بفكرة أثقل من حقيبة السفر: الدولة لا تبني الثقة عندما تعد الناس بأن الخطر لن يأتي؛ تبنيها عندما يعرفون أن الخطر، إن أتى، سيجد أمامه دولة.
نحن نضع حول أجسادنا حزام الأمان قبل الإقلاع. أما الحزام الأكبر حول الإنسان والمجتمع والاقتصاد، فلا نحتاج أن نراه كل يوم لكي نعرف أنه موجود.
ضعوا أحزمة الأمان… أنتم في مأمن.
اللهم احفظ الإمارات وأهلها، وكل من استأمنها على نفسه وأهله.

 

 

 

 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com