الإمارات… حين تصبح الإنسانيةُ نهجَ وطن لانا نسيبة، ابنة تجربة إماراتية جعلت من التعايش والعطاء مسؤولية تتجاوز الحدود
بقلم : أكرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية
ليست كل الأوطان حكاية تُروى، فبعضها يكتب حكاية جديدة كلما اعتقد العالم أنه قرأ فصولها الأخيرة. والإمارات العربية المتحدة واحدة من تلك الأوطان التي لا تختصرها مساحتها، ولا تقيس عظمتها وفرة الثروات، ولا تكفي سنوات عمرها لقياس ما أنجزته؛ فهي وطن جعل من الزمن قيمة، ومن الإرادة مشروعًا، ومن بناء الإنسان طريقًا إلى مكانته بين الأمم.
ومن يعيش في الإمارات يعرف أن هذا البناء لا يُرى في العمران وحده، بل في تفاصيل العيش. ففي المدينة الواحدة تقوم المساجد والكنائس والمعابد على مقربة بعضها من بعض، ويحتفل الناس بأعيادهم على اختلاف أديانهم، ويحتفظ المقيم بلغته وعاداته وطقوسه، فلا يُطلب منه أن يتخلى عنها ثمنًا لإقامته.
ولم يأتِ ذلك مصادفة، بل هو امتداد لرؤية حكيمة حملها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيّب الله ثراهما، ومعهما إخوانهما الآباء المؤسسون. رجالٌ سبق إيمانُهم بالوطن ولادةَ الدولة، وأدركوا أن الاتحاد لا يقوم على جمع الأرض تحت راية واحدة فحسب، بل على جمع الإرادات حول مستقبل يكون الإنسان فيه غاية البناء وأساس استمراره.
ومن تلك الرؤية وُلدت دولة جعلت من التعايش قيمة تتوارثها الأجيال، وتطورت هذه القيمة مع الزمن إلى سياسات ومؤسسات ومبادرات. ففي أبوظبي وُقّعت في الرابع من شباط 2019 وثيقة الأخوة الإنسانية، وفيها قام بيت العائلة الإبراهيمية، يجمع مسجدًا وكنيسة وكنيسًا في موضع واحد. وهي تجربة معلنة لا تخفى على أحد، ولو أخذ بها العالم لقلّت حروبه.
ولعل ما يميز هذه التجربة أنها لم تقصر نجاحاتها على الداخل. فقد تحولت الإمارات، عبر العقود، إلى ملتقى لشعوب وثقافات ولغات متعددة، وامتدت مبادراتها الإنسانية والإغاثية إلى مناطق بعيدة من العالم. وبين المشهدين علاقة أعمق مما يبدو للوهلة الأولى؛ فالدولة التي أبدعت في إدارة التنوع الإنساني على أرضها، وجعلت من اختلاف الجنسيات والثقافات مصدر غنى لا سببًا للانقسام، قدّمت تجربة تتجاوز مفهوم التعايش إلى القدرة على بناء الثقة وتنظيم المصالح المشتركة. وحين تقترن هذه القدرة بثقافة العطاء، تصبح المسؤولية الإنسانية أوسع من الجغرافيا وأكبر من حسابات المصالح المباشرة.
وحين أنظر إلى الإمارات اليوم، لا أرى الأبراج والمطارات والموانئ والمناطق الاقتصادية وحدها، على ما تمثله من إنجازات، بل أرى وطنًا استطاع أن يجعل من موقعه نقطة اتصال بين القارات، ومن اقتصاده مساحة للتبادل والاستثمار، ومن مؤسساته أدوات لبناء الثقة. والأهم أنه لم يكتفِ باستقطاب الخبرات العالمية، بل مضى في إعداد كفاءاته الوطنية لتشارك في إدارة ملفات دولية شديدة التعقيد.
وقد علّمتني سنوات العمل في مؤسسات الدولة وميادين التنمية في أفريقيا أن الثروات وحدها لا تصنع ازدهار الأوطان؛ فالرؤية الحكيمة، والمؤسسات الفاعلة، والاستثمار في الإنسان هي التي تحوّل الموارد إلى إنجازات. ومن هذا المنظور أقرأ التجربة الإماراتية.
وهنا تحديدًا يكتسب ترشيح معالي لانا زكي نسيبة لمنصب الأمين العام للأمم المتحدة دلالته؛ فهو ليس حدثًا منفصلًا عن مسيرة الدولة، بل شاهد على ما يمكن أن يبلغه الاستثمار في الكفاءات الوطنية حين تتاح لها فرص التعلم والممارسة وتحمل المسؤولية.
لقد أمضت لانا نسيبة سنوات طويلة في أروقة الأمم المتحدة، حيث شغلت منصب المندوبة الدائمة لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، وعملت خلال عضوية بلادها في مجلس الأمن في ملفات تتقاطع فيها السياسة بالأمن، والدبلوماسية بالقانون الدولي، والمصالح الوطنية بالمسؤوليات الجماعية. ومن يعرف طبيعة العمل داخل هذه المؤسسة يدرك أن الحضور فيها لا يُقاس بعدد الخطب التي تُلقى، بل بالقدرة على الإصغاء والتفاوض وفهم المصالح المتعارضة، وعلى إيجاد المساحات الصغيرة التي يمكن أن تنشأ منها تفاهمات كبيرة. إنها خبرة لا تصنعها الألقاب، وإنما تصقلها السنوات والمواقف والقرارات الصعبة.
لم تكن أروقة الأمم المتحدة يومًا خالية من الدبلوماسيين المحنّكين، ولا افتقرت قاعاتها إلى الخطب والقرارات والوعود. ومع ذلك، ما زالت الحروب تسبق مساعي السلام، وتصل المآسي إلى الشعوب قبل أن تصل إليها قرارات الإنقاذ. فالعالم لا ينتظر أمينًا عامًا جديدًا ليعيد وصف أزماته، بل ينتظر قيادة تعرف كيف تنتزع من خلافات الدول مساحةً للفعل، وكيف ترى الإنسان قبل أن تسأل عن جنسيته أو دينه أو موطنه.
ومن هنا يتجاوز ترشيح لانا نسيبة حدود السيرة الدبلوماسية. فهي ابنة وطن نشأت في ظل نهج يرى أن مدّ يد العون إلى المحتاج، أينما وُجد، مسؤولية إنسانية لا تتوقف عند حدود الأوطان. وتحمل إلى تجربتها الدولية معرفةً ببيئة استطاعت أن تجمع على أرضها أبناء أكثر من مئتي جنسية، من دون أن تجعل اختلاف لغاتهم وأديانهم عائقًا أمام العيش والعمل المشترك. وهذه الخلفية لا تمنح أحدًا وصفة جاهزة لحل النزاعات الدولية، لكنها تذكّر بأن إدارة الاختلاف تبدأ بالاعتراف بالآخر، وأن الدبلوماسية لا تستطيع بناء السلام إذا فقدت قدرتها على رؤية الإنسان وراء المواقف السياسية.
غير أن الانتقال من تمثيل الدولة إلى قيادة الأمانة العامة للأمم المتحدة يفرض انتقالًا في طبيعة المسؤولية؛ فالدبلوماسي يدافع عن مصالح وطنه، أما الأمين العام فمؤتمن على الميثاق وعلى مسؤوليات المنظمة تجاه أعضائها جميعًا. ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لأي ترشيح لا تكمن في جنسية صاحبه وحدها، بل في قدرته على اكتساب ثقة المختلفين، والحفاظ على استقلالية قراره، والعمل ضمن مؤسسة تتقاطع فيها إرادات الدول، وتقيّدها أحيانًا حسابات القوة وحق النقض.
ولعل ما يلفتني في هذه المحطة أن الإمارات تدخل النقاش الدولي من خلال تقديم تجربة وكفاءة إلى اختبار عالمي مفتوح. وبين الأمرين مسافة كبيرة؛ فهناك دول تكتفي بمتابعة التحولات من بعيد، ودول تعمل حتى يصبح حضورها جزءًا من حسابات العالم وقراراته.
فالإمارات التي كانت بالأمس تبني مكانها على خريطة العالم، أصبحت اليوم حاضرة في النقاش حول من يقود إحدى أهم مؤسساته. وبين البدايتين وطنٌ لم يطلب الاعتراف، بل استحقّه.
التعليقات مغلقة.