التشريعات الإماراتية.. قوة استراتيجية ترسّخ جاذبية الاستثمار وتقود المنافسة العالمية

أجرته \ رباب سعيد مديرة دائرة الاستطلاعات والمقالات والأبحاث في مجلة استثمارات الإماراتية

 

 

لم تعد ريادة الاقتصادات تُقاس بحجم رؤوس الأموال التي تستقطبها فحسب، بل بقدرتها على بناء منظومة تشريعية مرنة ومستقرة تحول الفرص إلى استثمارات، وتحمي الحقوق، وتمنح المستثمرين وضوحاً في اتخاذ القرار. وفي هذا السباق العالمي، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً اقتصادياً يستحق الدراسة، بعدما جمعت بين تحديث القوانين، وتيسير ممارسة الأعمال، وتعزيز تنافسية بيئة الاستثمار، بما يدعم مكانتها مركزاً عالمياً لرؤوس الأموال والشركات ورواد الأعمال

 

وتعكس المؤشرات الدولية حجم هذا التقدم إذ احتفظت الإمارات بالمركز الأول عالمياً في تقرير المرصد العالمي لريادة الأعمال لعام 2025–2026 للعام الخامس على التوالي، كما سجلت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها مستوى قياسياً بلغ 177.3 مليار درهم خلال عام 2025، بزيادة سنوية قدرها 6%، لتحتل المرتبة التاسعة عالمياً بين الوجهات المستقطبة للاستثمار الأجنبي المباشر، وفق تقرير الاستثمار العالمي الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد

 

وراء هذه الأرقام منظومة من السياسات والتشريعات التي تستهدف تعزيز انفتاح الاقتصاد، وتوسيع فرص الاستثمار الأجنبي، وتطوير الأطر المنظمة للشركات والأنشطة التجارية والقطاعات المالية والتكنولوجية. لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما حققته الإمارات من مراكز متقدمة فحسب، بل بكيفية إسهام التشريعات الاقتصادية في بناء هذه الثقة، ومدى انعكاسها على قرارات المستثمرين وتوسع الشركات واستدامة تدفقات رؤوس الأموال

 

من هنا، يفتح هذا الاستطلاع  ملف التشريعات الاقتصادية الإماراتية من منظور يتجاوز استعراض القوانين إلى تقييم أثرها العملي، مستطلعاً رؤى خبراء القانون والمستثمرين حول عناصر القوة في التجربة الإماراتية، والتحديات التي لا تزال قائمة، والفرص المتاحة لمواصلة التطوير. كما يناقش كيف يمكن للمشرّع أن يوازن بين المرونة التنظيمية والحوكمة وحماية الحقوق، وأن يجعل من وضوح القواعد وسرعة الإجراءات وكفاءة إنفاذ القانون مزايا تنافسية مستدامة، في سوق عالمية تتزايد فيها المنافسة على كل استثمار جديد

 

التشريع سلاح الاستثمار.. كيف صنعت الإمارات الثقة وجذبت رؤوس الأموال؟

 

 

د. باسم الخديوي: قوة التشريع لا تُقاس بعدد القوانين.. بل بقدرته على حماية المستثمر وترسيخ الثقة وتحويل الفرص الاقتصادية إلى استثمارات مستدامة

 

يقول الدكتور باسم الخديوي المؤسس والشريك الإداري لشركة الخديوي للمحاماة والاستشارات القانونية في حديثه “لمجلة استثمارات الإماراتية ” أن  تجربة دولة الإمارات العربية المتحدة   في إنشاء مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي  تكشف عن رؤية متقدمة لدور التشريع في تعزيز تنافسية الاقتصاد وجذب الاستثمارات الدولية. فقد أدرك المشرّع الإماراتي أن قرار المستثمر لا يتوقف على فرص الربح والحوافز المتاحة فحسب، بل يرتبط أيضاً بمدى وضوح القواعد القانونية، وإمكانية توقع آثار التعاقدات، وكفاءة المؤسسات المعنية بتسوية المنازعات وحماية الحقوق.

 

ومن هذا المنطلق، أتاح الإطار التشريعي الإماراتي للمركزين بناء بيئتين قانونيتين متخصصتين تستجيبان لاحتياجات المعاملات المالية والتجارية العابرة للحدود، مع الاستفادة من تقاليد القانون العام الإنجليزي (Common Law)، كلٌّ وفق نهجه القانوني الخاص. وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة لأنها توضح كيف يمكن للتطوير التشريعي والمؤسسي أن يتحول إلى عنصر داعم للثقة الاستثمارية، وأن يسهم في تعزيز قدرة الدولة على استقطاب الشركات ورؤوس الأموال الدولية.

 

وتطرح هذه التجربة سؤالاً مهماً أمام المشرّع المصري: كيف يمكن الاستفادة من النموذج الإماراتي في تطوير الأدوات القانونية المنظمة للاستثمار، بما يعزز جاذبية السوق المصرية، مع مراعاة خصوصية النظام القانوني الوطني والضمانات الدستورية الحاكمة له؟

 

القانون من منظور المستثمر

 

أوضح الخديوي أن عندما يفكر مستثمر في شراء حصة في شركة خارج بلده، فإنه لا يقتصر في تقييمه على الأرباح المتوقعة وفرص النمو، بل يبحث أيضاً عن مدى الحماية القانونية التي يتمتع بها، ووضوح حقوقه والتزاماته، والآليات المتاحة لحماية مصالحه إذا نشأ خلاف مع الشركاء أو الأطراف المتعاقدة.

 

فإذا تبين أن المعلومات المقدمة إليه غير صحيحة، أو واجه صعوبة في التخارج من استثماره، فإن القانون الواجب التطبيق، ومدى كفاءة المؤسسات التي تنفذه، يصبحان عاملين مؤثرين في تقييم المخاطر واتخاذ القرار الاستثماري. ولذلك، فإن الثقة القانونية لا تبدأ عند وقوع النزاع، بل تدخل في حسابات المستثمر منذ مرحلة التفاوض وصياغة العقود.

 

وهنا تبرز أهمية الأنظمة القانونية المألوفة لدى قطاع واسع من المستثمرين ومستشاريهم. فالقانون العام الإنجليزي يمنح السوابق القضائية دوراً محورياً في تفسير القواعد القانونية وتطويرها، إلى جانب التشريعات المكتوبة. وتساعد الأحكام الصادرة في القضايا السابقة على فهم المبادئ التي استقرت عليها المحاكم، وتقدير كيفية التعامل مع نزاعات جديدة تتشابه في ظروفها القانونية.

 

ومع ذلك، لا يعني تفضيل بعض المستثمرين لهذا النظام أن جميع المستثمرين يفضلونه، أو أن اتباعه يضمن نتيجة معينة في كل نزاع. فالثقة القانونية ترتبط كذلك بوضوح التشريعات واستقرارها، وجودة القضاء، وفاعلية تنفيذ الأحكام. كما تظل فرص السوق وتكلفة التمويل وكفاءة الإدارة والبنية التحتية عوامل أساسية في القرار الاستثماري. ومن ثم، فإن توفير بيئة قانونية مألوفة يمثل ميزة تنافسية مهمة، لكنه لا يغني عن بقية مقومات الاستثمار.

 

مرونة تشريعية تستند إلى إطار قانوني واضح

وأشار الدكتور باسم الخديوي إلي المشرّع الإماراتي  أدرك أن استقطاب المؤسسات المالية والشركات الدولية يتطلب بيئة قانونية قادرة على استيعاب أنماط متطورة من التعاقد والتمويل وتسوية المنازعات. لذلك، أتاح الإطار الدستوري والتشريعي إنشاء مناطق مالية حرة تتمتع بتنظيمات خاصة في مجالات مدنية وتجارية محددة، بما يسمح بتطوير قواعد تتلاءم مع طبيعة الأعمال الدولية واحتياجاتها.

 

وتتمثل أهمية هذه التجربة في أن المرونة التشريعية لم تُترك دون ضوابط، بل ارتبطت بتحديد نطاق القواعد الخاصة والاختصاصات والحدود التي تعمل ضمنها. وظلت هذه المناطق جزءاً من دولة الإمارات، خاضعة لدستورها وللقوانين الاتحادية الواجبة التطبيق عليها، وفقاً للأحكام المنظمة لكل مجال.

 

ومن وجهة نظري، فإن هذا الجانب يقدم درساً مهماً للمشرّع المصري؛ إذ إن تطوير البيئة القانونية لا يتحقق بمجرد إصدار تشريعات جديدة، وإنما يتطلب تحديداً دقيقاً لنطاق تطبيقها، وتوزيعاً واضحاً للاختصاصات، وإنشاء مؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة.

 

فالمستثمر يحتاج إلى معرفة القانون الذي يحكم معاملاته، والجهة المختصة بالفصل في منازعاته، والإجراءات التي يتعين اتباعها، ومدى فاعلية تنفيذ الأحكام. وكلما كانت هذه العناصر واضحة ومستقرة، ازدادت قدرة المستثمر على تقدير المخاطر واتخاذ قراراته بثقة أكبر.

 

دبي وأبوظبي.. مساران لتطوير البيئة القانونية

وأكد الخديوي أن  مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي  يقدمان تجربتين  نموذجتين مختلفين للاستفادة من تقاليد القانون العام الإنجليزي في بناء بيئة قانونية ملائمة للأعمال الدولية.

 

ففي مركز دبي المالي العالمي، تطورت منظومة تشريعية خاصة تنظم مجالات متعددة، من بينها العقود والشركات والإعسار، مستفيدة من تقاليد القانون العام الإنجليزي ومن خبرات قانونية دولية متنوعة. وتتولى محاكم المركز الفصل في المنازعات الداخلة ضمن اختصاصها وتفسير القوانين ذات الصلة، بما يسهم في تطوير التطبيق القضائي مع تراكم الخبرات العملية.

 

أما سوق أبوظبي العالمي، فقد اختار تطبيق القانون العام الإنجليزي مباشرة ضمن إطاره القانوني، بما أتاح الاستفادة من رصيد متراكم من المبادئ والأحكام القضائية. ويساعد هذا النهج على توفير مرجعية قانونية مألوفة لدى عدد من المستثمرين الدوليين، مع مراعاة التشريعات المنظمة للسوق والقواعد الأعلى واجبة التطبيق.

 

ولا يعني هذا التطبيق أن جميع التشريعات البريطانية تسري تلقائياً في أبوظبي، بل إن الاستفادة من القانون العام الإنجليزي تتم ضمن الإطار القانوني الذي يحدد نطاقه وآليات تطبيقه.

 

ويكشف اختلاف المسارين عن مرونة المشرّع الإماراتي في اختيار الأدوات القانونية المناسبة لاحتياجات كل مركز. كما يؤكد أن نجاح التجربة لا يرتبط بمجرد تبني قواعد أجنبية، وإنما بمدى وضوحها واتساقها مع الإطار القانوني المحلي، وكفاءة المؤسسات التي تتولى تطبيقها.

 

ما الذي يمكن أن يستفيد منه المشرّع المصري؟

وقال الخديوي أن المشرّع المصري  يمتلك خبرة في تنظيم أنشطة ومناطق ذات طبيعة خاصة، كما توفر المنظومة القانونية المصرية أدوات تمنح الأطراف قدراً من المرونة في إدارة علاقاتهم، ومن بينها قانون التحكيم الذي يتيح، في نطاقه، الاتفاق على القواعد القانونية التي تحكم موضوع النزاع، إلى جانب تنظيم لغة إجراءات التحكيم وغيرها من المسائل الإجرائية.

 

ورغم اختلاف هذه الأدوات عن التجربتين الإماراتيتين، فإنها تؤكد إمكانية تطوير التنظيم القانوني بما يتناسب مع طبيعة النشاط الاقتصادي واحتياجات المستثمرين.

 

ويرى أن البداية المناسبة تتمثل في تحديد المسائل التي تواجه المستثمر في معاملاته اليومية، مثل دخول شركاء جدد إلى الشركات، وتمويل المشروعات، وتنظيم حقوق المساهمين، وتحديد آليات التخارج، وتسوية المنازعات التجارية والمالية. فهذه المسائل تحتاج إلى قواعد واضحة تتيح للأطراف تقدير نتائج تعاقداتهم قبل الدخول فيها.

 

ويمكن للمشرّع المصري دراسة الاستفادة من الخبرات القانونية الدولية، ومنها تقاليد القانون العام الإنجليزي، عند تطوير قواعد متخصصة لبعض المعاملات المالية والتجارية الدولية، سواء من خلال تحديث التشريعات القائمة أو بحث إنشاء إطار تنظيمي محدد لأنشطة معينة.

 

لكن نجاح أي توجه من هذا النوع يتطلب تحديد القانون الواجب التطبيق، والجهة المختصة بتسوية المنازعات، وحدود اختصاصها، وعلاقة النظام المقترح بالقوانين العامة للدولة، بما يمنع التضارب التشريعي ويعزز اليقين القانوني.

 

الضمانات الدستورية وكفاءة التطبيق

واردف الدكتور باسم الخديوي أن   أي خطوة  تحتاج  إنشاء إطار قانوني متخصص و إلى دراسة دستورية وقانونية متأنية، خصوصاً إذا تضمنت إنشاء جهات قضائية أو تنظيمية ذات اختصاصات خاصة، أو اعتماد اللغة الإنجليزية في إجراءات التقاضي. فتحديد ما يمكن تنظيمه بقانون عادي وما قد يتطلب تعديلاً دستورياً يتوقف على طبيعة المقترح وتفاصيله، مع ضرورة احترام الضمانات الدستورية للمتقاضين.

 

ولا ينبغي النظر إلى هذه المتطلبات باعتبارها عائقاً أمام التطوير، بل بوصفها أساساً لضمان استقرار النظام القانوني واستمراريته. فالمستثمر يحتاج إلى بيئة واضحة ومستقرة، لا إلى قواعد جديدة قد تصبح محل خلاف بشأن دستوريتها أو حدود تطبيقها.

 

وبعد وضع الإطار التشريعي المناسب، تأتي أهمية التطبيق العملي. فالمستثمر يحتاج إلى نصوص يسهل الوصول إليها، وإجراءات يمكن متابعتها، وقضاء متخصص وفعال، وآليات ناجزة لتنفيذ الأحكام، فضلاً عن وضوح اختصاصات الجهات المسؤولة عن الترخيص والرقابة.

 

كما ينبغي أن تستند المزايا التي يوفرها أي تنظيم جديد إلى معايير موضوعية وشفافة، وأن يسهم التطوير في تحسين بيئة الأعمال بصورة أوسع، بما يعزز الثقة في السوق المصرية لدى المستثمرين المحليين والأجانب على حد سواء.

 

من التجربة الإماراتية إلى نموذج مصري

 

وأكد الخديوي إن الدرس الأهم من تجربة دبي وأبوظبي لا يتمثل في نقل نموذج قانوني أجنبي بصورة حرفية، وإنما في قدرة المشرّع على فهم احتياجات المستثمرين، واختيار الأدوات القانونية المناسبة، وتطوير المؤسسات التي تضمن التطبيق الفعال للقواعد.

 

ويرى أن المشرّع المصري يستطيع الاستفادة من هذه التجربة من خلال نهج تدريجي يبدأ بدراسة احتياجات القطاعات المستهدفة، وتقييم الإطار الدستوري والتشريعي القائم، والاستعانة بالخبرات القانونية الدولية، ثم تطوير قواعد واضحة ومؤسسات قادرة على تنفيذها بكفاءة.

 

فجذب الاستثمار لا يتحقق بالحوافز والإعفاءات وحدها، بل يحتاج إلى بيئة قانونية يستطيع المستثمر فهمها، وتقدير المخاطر المرتبطة بها، والاطمئنان إلى أن حقوقه ستُحمى وفق إجراءات واضحة وفعالة.

 

واختتم أن  التطوير التشريعي يمثل  فرصة مهمة أمام مصر لتعزيز تنافسية سوقها الاستثمارية، شريطة أن يأتي ضمن رؤية متكاملة تجمع بين المرونة القانونية، والضمانات الدستورية، وكفاءة القضاء، وشفافية المؤسسات. فعندما يصبح القانون أداة لبناء الثقة والاستقرار، فإنه يتجاوز دوره التقليدي في تنظيم المعاملات، ليصبح أحد العوامل التي تدفع المستثمر إلى اختيار الدولة وجهةً لاستثماراته

 

كيف تحوّلت مرونة التشريعات وسرعة تحديثها إلى ميزة تنافسية في اقتصاد المستقبل؟

 

 

 

د. علي سعيد العامري: الإمارات حوّلت التشريع إلى سلاح استثماري استراتيجي.. وفي اقتصاد المستقبل، وضوح القانون وسرعة مواكبته للابتكار قد يتفوقان على أقوى الحوافز المالية

 

ومن جانبه قال الدكتور علي سعيد العامري مؤسس و رئيس مجلس إدارة مجموعة الشموخ في حديثه” لمجلة استثمارات الإماراتية ” أن المنافسة العالمية  لم تعد  استقطاب الاستثمارات تُحسم بالحوافز الضريبية والإعفاءات المالية وحدها، بل باتت جودة التشريعات ووضوحها وسرعة مواكبتها للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية من أبرز العوامل التي تحدد وجهة رؤوس الأموال. وفي هذا السياق، تقدم دولة الإمارات العربية المتحدة تجربة لافتة في توظيف التطوير التشريعي بوصفه أداة استراتيجية لتعزيز تنافسية الاقتصاد، وبناء الثقة لدى المستثمرين، واستقطاب الشركات العاملة في القطاعات المستقبلية.

 

فخلال السنوات الماضية، انتقلت الإمارات إلى نموذج أكثر تطورًا في إدارة العلاقة بين القانون والاستثمار؛ إذ لم تعد التشريعات مجرد قواعد تنظم النشاط الاقتصادي بعد قيامه، بل أصبحت جزءًا من البنية التي تُبنى عليها الأسواق الجديدة، وتُحدد من خلالها الحقوق والالتزامات، وتُرسم في إطارها آفاق النمو والتوسع. وتبرز أهمية هذا النهج بصورة خاصة في قطاعات الأصول الرقمية، والخدمات المالية، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والاقتصاد الرقمي.

 

التشريع يفتح أبواب الاقتصاد الجديد 

 

و أكد  أن الأصول الافتراضية تُعد من أبرز القطاعات التي تكشف عن أهمية الاستجابة التشريعية المبكرة للتحولات الاقتصادية. فقد أسهم إنشاء سلطة تنظيم الأصول الافتراضية في دبي (VARA)، بموجب قانون دبي رقم (4) لسنة 2022، في بناء إطار تنظيمي متخصص لهذا النشاط، وتحديد قواعد الترخيص والامتثال والرقابة، بما أتاح للشركات العاملة في هذا المجال التعامل ضمن بيئة أكثر وضوحًا من الناحية التنظيمية.

 

ولا تقتصر أهمية هذا التوجه على جذب شركات جديدة، بل تمتد إلى تعزيز قدرة السوق على استيعاب نماذج أعمال تتطور بوتيرة متسارعة، وتتطلب قواعد قابلة للتحديث دون الإخلال بمتطلبات حماية المستثمرين وسلامة المعاملات المالية.

 

كما يعكس مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي أهمية تطوير أطر قانونية تتناسب مع طبيعة الأعمال المالية الدولية. فمن خلال التشريعات المتخصصة والمؤسسات القضائية والتنظيمية، أصبح بإمكان هذه البيئات تقديم حلول قانونية تستجيب لاحتياجات الشركات العابرة للحدود، وتوفر قدرًا أكبر من الوضوح في التعاملات التعاقدية والمالية.

 

وفي قطاع الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، تزداد أهمية هذا التوجه؛ إذ يتطلب نمو الاقتصاد الرقمي منظومة متكاملة تجمع بين تشجيع الابتكار، وحماية البيانات، وتعزيز الأمن السيبراني، وتحديد المسؤوليات القانونية، بما يضمن أن يتحول التقدم التكنولوجي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

 

من سرعة إصدار القوانين إلى سرعة استشراف المستقبل

 

وأوضح  العامري أن الميزة التنافسية الحقيقية لا تتمثل في إصدار التشريعات بسرعة فحسب، بل في قدرة المؤسسات على استشراف التحولات المقبلة والاستعداد لها قبل أن تتحول إلى تحديات قانونية أو تشغيلية.

 

فالاقتصاد الرقمي يتغير بوتيرة قد تتجاوز دورات التشريع التقليدية، وهو ما يجعل تطوير أدوات الصياغة القانونية ومراجعة اللوائح وتقييم آثارها ضرورة متزايدة. ومن هنا تبرز أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم العمل التشريعي، وتحليل النصوص والبيانات، ورصد التعارضات، وتحديد المجالات التي تحتاج إلى تحديث، مع بقاء المسؤولية النهائية عن صياغة القوانين واعتمادها لدى الجهات المختصة.

 

وهذا التوجه يفتح المجال أمام نموذج أكثر مرونة في إدارة المنظومة التشريعية، بحيث تصبح عملية التطوير مستمرة ومبنية على البيانات، بدلًا من انتظار ظهور المشكلات وتراكم آثارها. ومع ذلك، فإن نجاح هذا النموذج يتطلب حوكمة واضحة، ومراجعة بشرية متخصصة، وضمانات تحافظ على جودة التشريع واتساقه مع المبادئ القانونية المستقرة.

المستثمر يبحث عن اليقين قبل الحوافز

 

و أشار العامري من واقع قراءة التحولات في بيئة الأعمال،  أن المستثمر الجاد لا ينظر إلى الإعفاء الضريبي باعتباره العامل الحاسم الوحيد في قراره، بل يوازن بين التكلفة والعائد والمخاطر، ويولي أهمية كبيرة لمدى وضوح القواعد المنظمة للاستثمار، وفاعلية حماية الحقوق، وسرعة تسوية المنازعات، وإمكانية التخطيط طويل الأجل.

 

ولهذا فإن وجود إطار قانوني مستقر وقابل للتوقع قد يكون أكثر تأثيرًا في بعض القرارات الاستثمارية من حافز مالي مؤقت. فالحوافز تستطيع تخفيض تكلفة الدخول إلى السوق، لكن وضوح التشريعات يساعد المستثمر على إدارة أعماله وتقدير التزاماته وبناء خططه المستقبلية بثقة أكبر.

 

وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في القطاعات القائمة على الابتكار والمعرفة، حيث تتداخل الأصول الرقمية والبيانات والملكية الفكرية والتقنيات المتقدمة مع نماذج أعمال تتغير باستمرار. وفي هذه القطاعات، لا يحتاج المستثمر إلى قواعد واضحة فحسب، بل إلى منظومة قادرة على مواكبة التطور دون خلق حالة من عدم اليقين بشأن الحقوق والالتزامات.

 

ومن هذا المنطلق، فإن التحولات التي شهدتها السياسة الضريبية الإماراتية، بالتزامن مع استمرار تطوير الأطر التنظيمية، تعكس أهمية النظر إلى تنافسية الدولة باعتبارها حصيلة مجموعة متكاملة من العوامل، لا ميزة ضريبية منفردة. فالجاذبية الاستثمارية تقوم على التوازن بين كفاءة التكلفة، وجودة البنية التحتية، ومرونة بيئة الأعمال، وموثوقية المؤسسات

 

 

المرونة التشريعية تحتاج إلى وضوح واستقرار

 

و استطرد قائلا  أن على الرغم من المزايا التي تحققها المرونة التنظيمية، فإنها تظل مرتبطة بضرورة المحافظة على وضوح القواعد واستقرارها. فالتحديث المستمر قد يعزز قدرة الاقتصاد على التكيف، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى إجراءات معلنة، وفترات انتقالية مناسبة عند الاقتضاء، وتفسير متسق للنصوص، وتواصل فعال مع الشركات والجهات المعنية

 

كما أن تعدد الأطر التنظيمية بين البر الرئيسي والمناطق الحرة، أو اختلاف المتطلبات بين الجهات المختصة، قد يفرض على المستثمرين تكاليف إضافية لفهم الالتزامات وتحديد نطاق انطباق القواعد على أنشطتهم. ولذلك فإن تعزيز التنسيق المؤسسي وتيسير الوصول إلى المعلومات القانونية يمثلان عنصرين أساسيين لاستكمال أثر التطوير التشريعي.

 

ولا يعني ذلك أن المرونة تتعارض مع الاستقرار؛ بل إن أفضل النماذج هي التي تتيح تحديث القواعد عند الحاجة، مع الحفاظ على وضوح الإجراءات والحقوق والالتزامات. فالمستثمر يحتاج إلى تشريعات تواكب المستقبل، لكنه يحتاج أيضًا إلى معرفة كيفية تطبيقها اليوم، وما الذي قد يتغير غدًا، وكيف ستتم إدارة هذا التغيير.

 

الإمارات.. نموذج يربط القانون بالتنافسية

 

تؤكد  التجربة الإماراتية أن تطوير التشريعات يمكن أن يشكل رافعة مهمة للتنافسية الاقتصادية، خصوصًا عندما يقترن برؤية واضحة لتنويع الاقتصاد، وتطوير الخدمات الحكومية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، ودعم القطاعات التي تقود النمو في المستقبل.

 

والأهم أن هذه التجربة لا تقوم على عامل واحد، بل على تكامل التشريع مع البنية التحتية المتقدمة، وكفاءة المؤسسات، والانفتاح على الأسواق العالمية، وتطوير الخدمات المالية والتجارية. ومن ثم، فإن قراءة نجاحها تستلزم النظر إلى المنظومة بأكملها، وليس إلى قانون منفرد أو حافز محدد.

 

وأوضح  العامري ، إن التحول الأبرز في المنافسة العالمية يتمثل في الانتقال من التسابق على تقديم المزايا المؤقتة إلى بناء بيئة مؤسسية وقانونية قادرة على استدامة الثقة. فالمستثمر قد ينجذب إلى فرصة أو حافز، لكن قراره بالتوسع والاستمرار يرتبط بمدى قدرته على العمل ضمن قواعد واضحة ومؤسسات فعالة.

 

وأختتم أن القانون لم يعد مجرد إطار يحكم الاستثمار، بل أصبح أحد الأصول الاستراتيجية التي تصنع جاذبية الاقتصاد وتحدد قدرته على المنافسة  والإمارات تقدم مثالًا على كيفية توظيف التطوير التشريعي لبناء هذه الميزة، مع بقاء التحدي المستمر في تحقيق التوازن بين سرعة التحديث، واستقرار القواعد، وحماية الحقوق، وتشجيع الابتكار. ففي اقتصاد المستقبل، لا تكمن القوة في امتلاك تشريعات أكثر عددًا، بل في امتلاك تشريعات أكثر كفاءة ووضوحًا وقدرة على مواكبة التغيير

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com