الشرق الأوسط في قلب اللوحة الجديدة.. من ساحة صراع إلى مركز توازن مالي عالمي

 

كيف يعيد صعود الصين وتراجع الهيمنة الأمريكية التقليدية رسم خريطة النفوذ، ولماذا تتحول دبي وأبوظبي والرياض إلى عواصم جديدة لإدارة رأس المال العالمي؟

 

منذ عقود، اعتاد العالم على قراءة خريطة النفوذ الدولي وفق معادلة ثابتة.. واشنطن في القمة، وموسكو وبكين في موقع التحدي، وبقية الإقليم  وعلى رأسه الشرق الأوسط  حلبة تتقاطع فيها مصالح الكبار وتُدار من خلالها صراعاتهم بالوكالة لكن هذه المعادلة، التي بدت راسخة لسنوات طويلة، تتعرض اليوم لإعادة كتابة جذرية تحت ضغط متغيرات اقتصادية وجيوسياسية متسارعة لا تترك مجالاً للقراءات التقليدية

 

صعود الصين كقوة اقتصادية عالمية موازية، وتراجع نسبي في مستويات الهيمنة الأمريكية المعتادة، دفع أوروبا نفسها إلى البحث عن شراكات استراتيجية جديدة تعوّض فجوة النفوذ المتآكلة وفي خضم هذا الزلزال الهادئ، وجد الشرق الأوسط نفسه في موقع لم يعهده سابقاً لم يعد مجرد رقعة جغرافية يتصارع عليها الآخرون، بل تحوّل تدريجياً إلى لاعب يُحدث توازناً بذاته  أحياناً بصمت، وأحياناً بثقل مالي يصعب تجاهله

 

“لم يعد السؤال من يسيطر على الشرق الأوسط؟ بل بات كيف يُعيد الشرق الأوسط توزيع موازين القوى من حوله؟

هذا التحول لا يُقرأ في الخطابات السياسية فقط، بل في أرقام الصناديق السيادية الخليجية التي تدير اليوم استثمارات بمئات المليارات من الدولارات، موزعة بين الشرق والغرب بمنطق براغماتي بحت. كما يُقرأ في تدفقات رؤوس الأموال نحو قطاعات المستقبل من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة النظيفة والأمن السيبراني التي باتت دبي وأبوظبي والرياض تتنافس على استضافتها واستقطاب لاعبيها الكبار من واشنطن وبكين على السواء

 

غير أن هذا الصعود لا يخلو من تحديات بنيوية عميقة. فبقدر ما تفتح هذه التعددية الجديدة آفاقاً واسعة لجذب الاستثمار وبناء اقتصادات أكثر تنوعاً واستقلالية، فإنها تحمل في طياتها مخاطر حقيقية، أبرزها أن تتحول التوازنات الجيوسياسية المتقلبة إلى مصدر تهديد للاستقرار الاقتصادي بدلاً من أن تكون رافعة له وهنا يكمن التحدي الأكبر

هل تستطيع المنطقة بناء نموذج اقتصادي عربي مستقل قادر على الاستفادة من هذا المشهد المتعدد الأقطاب، دون أن يقع من جديد في فلك تبعية جديدة، بثوب مختلف؟

 

في هذا الاستطلاع، نرصد أربعة محاور متشابكة تروي ملامح هذا التحول من التحولات الجيوسياسية الكبرى التي أعادت تموضع المنطقة، إلى صعود الشرق الأوسط كمركز مالي عالمي، فالقطاعات الجديدة التي تقود سباق الاستثمار، وصولاً إلى موازين الفرص والمخاطر التي ستحدد ملامح العقد القادم

 

عضلات بكين وعقل واشنطن.. كيف يعيد التنافس الأمريكي الصيني هندسة الاستثمار في الخليج؟

وبحسب عمار الزغبي  خبير ومحلل استراتيجي اقتصادي ومستشار الاستثمار الإقليمي فقد حدد “لمجلة الاستثمارات الإماراتية” أن   دول الخليج   ، وفي مقدمتها السعودية والإمارات لم تعد  طرفاً منفعلاً في معادلة القوى الكبرى، بل تحوّلت إلى “شريك صانع للسوق” يوجّه التنافس الصيني الأمريكي لخدمة أجندته التنموية الخاصة، عبر سياسة يصفها محللون بـ”الحياد الإيجابي “

تشهد منطقة الشرق الأوسط، وعلى رأسها دول مجلس التعاون الخليجي، منعطفاً تاريخياً في موقعها من خارطة الاقتصاد السياسي الدولي. فبعد أن كانت لعقود مجرد مستقبِل لتداعيات القرارات الجيوسياسية، أو ساحة لتصفية حسابات القوى الكبرى، تتجه المنطقة اليوم إلى انتزاع موقع “الشريك الصانع للسوق”  طرف يفرض شروطه التنموية الخاصة بدلاً من أن يخضع لشروط الآخرين

وفي قلب هذا التحول، يبرز التنافس المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين باعتباره أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل خريطة الاستثمار الأجنبي المباشر، حيث تتنافس القوتان الاقتصاديتان الأكبر عالمياً على ترسيخ حضورهما في منطقة باتت تمثل مركزاً محورياً للطاقة والتجارة والتكنولوجيا والاستثمار

 

أولاً: خريطة الاستثمار الاستراتيجي بين واشنطن وبكين

على الرغم من أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين يحمل أبعاداً جيوسياسية واضحة، فإن طبيعته الاستثمارية تبدو أكثر تعقيداً، إذ يعتمد كل طرف على نموذج اقتصادي مختلف يسعى من خلاله إلى تعزيز نفوذه الاستراتيجي

الصين هندسة البنية التحتية وتأمين سلاسل الإمداد

تواصل بكين توسيع حضورها الاقتصادي عبر مبادرة “الحزام والطريق”، من خلال ضخ استثمارات ضخمة في البنية التحتية الاستراتيجية، تشمل الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل والسكك الحديدية ومشاريع الطاقة التقليدية ومصافي التكرير

 

ويستهدف هذا النهج بناء شبكة اقتصادية مترابطة تضمن استدامة تدفقات التجارة العالمية وتأمين احتياجات الاقتصاد الصيني المتنامية من الطاقة والمواد الخام. ويمكن وصف التحرك الصيني بأنه توسع أفقي يركز على تعزيز الأصول المادية وربط الأسواق العالمية بالمراكز الإنتاجية الآسيوية

الولايات المتحدة: السيطرة على اقتصاد المستقبل

في المقابل، تركز الاستثمارات الأمريكية على القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات العملاقة، والأمن السيبراني، والتقنيات الرقمية المتقدمة

وتسعى واشنطن من خلال هذا التوجه إلى ترسيخ ريادتها في الاقتصاد المعرفي والتحكم في المعايير التكنولوجية التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة. ويمثل هذا النهج توسعاً عمودياً يستهدف حلقات القيمة الأعلى في الاقتصاد الرقمي العالمي

ومن هنا تبرز معادلة استراتيجية دقيقة أمام دول المنطقة؛ فبينما توفر الصين القوة التنفيذية اللازمة لبناء البنية التحتية، تقدم الولايات المتحدة المنظومة التكنولوجية والمعرفية القادرة على تشغيلها وإدارتها وتطويرها

ثانياً القطاعات الأكثر استفادة من سياسة التوازن الاستراتيجي

 

نجحت دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، في تبني سياسة خارجية واقتصادية تقوم على التوازن والشراكة المتعددة،

بعيداً عن الاصطفافات الحادة. وقد أتاح هذا النهج فرصاً استثمارية استثنائية في عدد من القطاعات الحيوية

الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر

يُعد هذا القطاع النموذج الأمثل للتكامل بين الشرق والغرب، حيث تلتقي التقنيات الغربية المتقدمة مع القدرات التصنيعية الصينية وسلاسل الإمداد منخفضة التكلفة لإنتاج طاقة نظيفة قادرة على تلبية متطلبات الاقتصاد العالمي الجديد

المدن الذكية والمشروعات العملاقة

تشكل المشاريع التنموية الكبرى، وعلى رأسها “نيوم” و”القدية”، مختبرات عالمية لتكامل الاستثمارات الدولية، إذ تجمع بين القدرات الإنشائية والهندسية الصينية من جهة، والحلول الرقمية والأنظمة الذكية الأمريكية من جهة أخرى، بما يخلق نموذجاً متقدماً للمدن المستقبلية

الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد العالمية

يمنح الموقع الجغرافي الفريد للشرق الأوسط ميزة تنافسية استثنائية باعتباره حلقة وصل بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ولذلك تتسابق القوى الاقتصادية الكبرى للاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة والمراكز اللوجستية بهدف تعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية وتقليل مخاطر الاضطرابات الجيوسياسية

الرعاية الصحية والتقنية الحيوية

يشهد هذا القطاع نمواً متسارعاً مدفوعاً بالشراكات بين المؤسسات البحثية الغربية والشركات الصناعية والتكنولوجية الآسيوية، ما يفتح آفاقاً واسعة أمام توطين الصناعات الدوائية والتقنيات الطبية المتقدمة في المنطقة

 

ثالثاً: رؤية استشرافية لمستقبل الاستثمار في المنطقة

 

تثبت التجربة الخليجية، ولا سيما في إطار “رؤية السعودية 2030″، أن التنافس الدولي يمكن أن يتحول من تحدٍ جيوسياسي إلى فرصة تنموية كبرى إذا ما أُدير برؤية استراتيجية واضحة

ومن هذا المنطلق، تبرز مجموعة من الأولويات الأساسية منهما

توطين التكنولوجيا والمعرفة عبر اشتراط نقل الخبرات وبناء القدرات الوطنية وتطوير الكفاءات المحلية ضمن العقود الاستثمارية الكبرى

تعزيز الأطر التنظيمية والتشريعية بما يحقق التوازن بين حماية الأمن السيبراني والبيانات الوطنية من جهة، والحفاظ على بيئة استثمارية جاذبة ومرنة من جهة أخرى

تنويع المحافظ الاستثمارية السيادية وتعزيز دور الصناديق السيادية الخليجية كمستثمر عالمي مؤثر يمتلك مصالح استراتيجية في الأسواق الشرقية والغربية على حد سواء

التحول من استقطاب الاستثمار إلى صناعته عبر تطوير منظومات الابتكار والبحث العلمي والصناعات المتقدمة، بما يضمن استدامة النمو الاقتصادي على المدى الطويل

فلم يعد الشرق الأوسط مجرد ساحة للتنافس بين واشنطن وبكين، بل أصبح أحد أهم المراكز القادرة على توجيه هذا التنافس واستثماره لصالح أهدافه التنموية. فكلما نجحت دول المنطقة في الحفاظ على سياسة التوازن الاستراتيجي وتعظيم مصالحها الوطنية، زادت قدرتها على استقطاب الاستثمارات النوعية وتحويلها إلى محركات للنمو والابتكار

وفي ظل التحولات الجارية في النظام الاقتصادي العالمي، تبدو الفرصة مواتية أمام الشرق الأوسط لصياغة نموذج تنموي مستقل ومستدام، يستفيد من القدرات الصناعية الصينية ومن الريادة التكنولوجية الأمريكية في آن واحد، بما يعزز مكانته كمركز اقتصادي عالمي خلال العقود المقبلة

 

 

بين “عمالقة الطاقة” الصينية و”عمالقة الشرائح” الأمريكية.. الإمارات تصنع “المزج والتطابق” وتفتح الباب للمستثمر العربي

 

وفيما يتعلق بهذا الشق أوضح الدكتور أحمد مصطفى رئيس مركز آسيا للدراسات والترجمة، الباحث غير مقيم بمعهد فيينا الدولي لدراسات الشرق الأوسط  “لمجلة استثمارات الإماراتية” أن  بكين  تتجه نحو تريليونات من الإيوان  في البنية التحتية الجديدة، بينما تستحوذ واشنطن على ثلاثة أرباع رأس المال المخاطر العالمي في الذكاء الاصطناعي. وبينهما، تنسج الإمارات نموذجاً وسيطاً نادراً يستخدم طاقة مدعومة صينياً لتشغيل شرائح أمريكية، فاتحة آفاقاً جديدة أمام المستثمر العربي

 

في الوقت الذي يشهد فيه الاقتصاد العالمي واحدة من أكبر عمليات إعادة التموضع الاستراتيجي منذ نهاية الحرب الباردة، يتصدر المشهد تنافس اقتصادي غير مسبوق بين الولايات المتحدة والصين، ليس فقط على النفوذ التجاري أو الهيمنة التكنولوجية، بل علي صياغة البنية الاقتصادية للعالم خلال العقود المقبلة”

 

لكن السؤال الأهم لم يعد من سيفوز في هذا السباق؟ بل كيف يمكن للدول والمستثمرين الاستفادة من هذا التحول التاريخي؟

في قلب هذه المعادلة الجديدة، تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة كلاعب استثنائي نجح في تحويل موقعه الجغرافي ومرونته الاقتصادية إلى منصة عالمية تجمع بين رؤوس الأموال الغربية والشرقية، لتصبح واحدة من أبرز مراكز إدارة الأصول والاستثمارات البديلة في العالم

الصين بناء القوة من الأساسات

اختارت بكين أن تخوض معركة القرن الحادي والعشرين من بوابة البنية التحتية فخلال السنوات الأخيرة، ضخت الصين استثمارات تقدر بتريليونات الدولارات في ما يعرف بمشاريع “البنية التحتية الجديدة”، التي تشمل شبكات الجيل الخامس، والذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، وشبكات الطاقة فائقة الجهد، والإنترنت الصناعي

ولا يقتصر الهدف الصيني على تعزيز النمو الاقتصادي المحلي، بل يتعداه إلى بناء قاعدة استراتيجية طويلة الأمد تمنح الاقتصاد الصيني قدرة تنافسية استثنائية لعقود قادمة

وتبرز الطاقة كأحد أهم عناصر هذه الاستراتيجية؛ فالصين أضافت خلال عام واحد قدرات كهربائية تفوق ما أضافته بعض الاقتصادات الكبرى خلال عقود كاملة، في إطار سعيها لبناء فائض استراتيجي يضمن تلبية الطلب المستقبلي الهائل الناتج عن التوسع في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والصناعات المتقدمة

وفي الوقت ذاته، تواصل بكين توسيع نفوذها عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي لم تعد مجرد مشروع للبنية التحتية، بل أصبحت شبكة اقتصادية وجيوسياسية تربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بمنظومة تجارية واستثمارية متكاملة تقودها الصين

 

الولايات المتحدة الاستثمار في العقول لا في الخرسانة

على الجانب الآخر، تعتمد الولايات المتحدة نموذجاً مختلفاً يقوم على تعظيم الابتكار وتسريع التطور التكنولوجي عبر رأس المال الخاص

فبدلاً من التركيز على الإنفاق الحكومي المباشر على البنية التحتية، تقود صناديق رأس المال المخاطر الأمريكية ثورة الذكاء الاصطناعي العالمية، حيث تستحوذ الشركات الأمريكية على الحصة الأكبر من الاستثمارات العالمية في هذا القطاع

ويمنح هذا النموذج الولايات المتحدة تفوقاً واضحاً في تطوير البرمجيات المتقدمة والنماذج الذكية وأشباه الموصلات والابتكارات الرقمية التي ستقود الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة

إلا أن هذه الهيمنة التكنولوجية تواجه تحدياً متزايداً يتمثل في البنية التحتية المادية، خصوصاً شبكات الطاقة والكهرباء التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة لتلبية الطلب المتسارع الناجم عن التوسع في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى في الاقتصاد العالمي الجديد.. فبينما تمتلك الولايات المتحدة التكنولوجيا الأكثر تقدماً، تمتلك الصين البنية التحتية والطاقة اللازمة لتشغيل جزء كبير من اقتصاد المستقبل

الإمارات المستفيد الأكبر من معادلة الشرق والغرب

بعيداً عن منطق الاستقطاب الدولي، اختارت الإمارات مساراً مختلفاً يقوم على الاستفادة من الطرفين معاً فخلال سنوات قليلة، تحولت أبوظبي ودبي من مراكز مالية إقليمية إلى منصات عالمية لإدارة الثروات والأصول والاستثمارات البديلة، مستفيدة من الاستقرار السياسي، والمرونة التنظيمية، والانفتاح على مختلف الشركاء الدوليين

اليوم، تستقطب الإمارات شركات إدارة الثروات العالمية، وصناديق التحوط، والمكاتب العائلية الكبرى، ومديري الأصول المستقلين، في وقت تتزايد فيه أهمية المنطقة باعتبارها نقطة التقاء بين الأسواق الغربية والآسيوية

والأهم من ذلك أن الإمارات نجحت في بناء نموذج اقتصادي فريد يقوم على دمج عناصر القوة لدى الطرفين؛ إذ تستفيد من البنية التحتية والطاقة والاستثمارات الصناعية المرتبطة بالصين، بالتوازي مع استقطاب التكنولوجيا المتقدمة والشركات الأمريكية الرائدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وأشباه الموصلات

هذا النموذج يمنح الإمارات ميزة استراتيجية نادرة تتمثل في قدرتها على العمل كمنصة حيادية قادرة على استيعاب الاستثمارات العالمية بعيداً عن الاستقطابات السياسية الحادة

 

ماذا يعني ذلك للمستثمر العربي؟

بالنسبة للمستثمر العربي، فإن التحولات الحالية تفتح نافذة استثنائية من الفرص الاستثمارية التي لم تكن متاحة قبل سنوات قليلة

فصعود الإمارات كمركز عالمي لإدارة الأصول يتيح الوصول إلى أدوات استثمارية متنوعة تشمل صناديق البنية التحتية، والطاقة، والذكاء الاصطناعي، والعقارات المرتبطة بمراكز البيانات، إضافة إلى السندات السيادية والأصول البديلة

كما توفر البيئة التنظيمية المستقرة في الإمارات مستوى مرتفعاً من الحماية والمرونة، ما يجعلها نقطة انطلاق مثالية لبناء محافظ استثمارية دولية أكثر تنوعاً وقدرة على مواجهة التقلبات الجيوسياسية

وفي ظل التوقعات بضخ تريليونات الدولارات عالمياً في مشاريع الطاقة الرقمية ومراكز البيانات خلال السنوات المقبلة، تبرز فرص استثمارية واعدة في القطاعات المرتبطة بالطاقة المتجددة، والبنية التحتية الذكية، والخدمات اللوجستية، وإدارة البيانات

 

تحديات لا يمكن تجاهلها

ورغم الصورة الإيجابية، تبقى هناك مجموعة من المخاطر التي ينبغي أخذها في الاعتبار

فالتسارع الكبير في الاستثمارات العقارية المرتبطة بمراكز البيانات قد يخلق فقاعات سعرية في بعض الأسواق، كما أن أي تصعيد محتمل في بؤر التوتر العالمية، سواء في مضيق تايوان أو الممرات البحرية الاستراتيجية، قد يؤثر على سلاسل التوريد العالمية وتدفقات رؤوس الأموال

كذلك، فإن استمرار سباق التكنولوجيا بين واشنطن وبكين قد يفرض تحديات تنظيمية جديدة على حركة الاستثمار والتكنولوجيا عبر الحدود

وبناء عليه فإن العالم لا يتجه نحو هيمنة نموذج اقتصادي واحد، بل نحو منظومة أكثر تعقيداً تقوم على التفاعل بين البنية التحتية الصينية والابتكار التكنولوجي الأمريكي

وفي هذا المشهد الجديد، تبدو الإمارات واحدة من أبرز الرابحين، بعدما نجحت في ترسيخ مكانتها كجسر مالي واستثماري يربط الشرق بالغرب

أما بالنسبة للمستثمر العربي، فإن الفرصة الحقيقية لا تكمن في الانحياز إلى أحد المعسكرين، بل في الاستفادة من التكامل بينهما عبر بناء محافظ استثمارية متوازنة تجمع بين أصول النمو التكنولوجي وأصول البنية التحتية والطاقة

إنها لحظة تاريخية تعيد رسم خريطة الاستثمار العالمي، ومن يحسن قراءة التحولات الجارية اليوم، سيكون في موقع أفضل لاقتناص فرص الغد

 

 

الجودة لا السعر الرخيص”.. كيف تقرأ بكين استثمارها في الذكاء الاصطناعي بعيون مختلفة عن واشنطن؟

ومن جانبه يرى  الدكتور ضياء حلمي رئيس الإتحاد العربي للتدريب بمجلس الوحدة الاقتصادية العربية بجامعة الدول العربية و عضو المجلس المصري للشؤن الخارجية في حديثه “لمجلة استثمارات الإماراتية” أن الصين تتصدر عالميًا في حجم الاستثمارات الموجهة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، حيث خصصت نحو

298 مليار دولار خلال خمس سنوات لبناء منظومة موحدة تدعم التحول الرقمي والابتكار الصناعي. في المقابل، الولايات المتحدة توجه حوالي 80 مليار دولار سنويًا للبنية التحتية التكنولوجية ومراكز البيانات، وهو رقم أقل بكثير مقارنة بالزخم الصيني، رغم ريادتها في الابتكار التكنولوجي

هذا الفارق يعكس أن الصين تراهن على الجودة والتنمية طويلة الأمد منذ عام 2010، بينما تحاول واشنطن ومعها أوروبا اللحاق بهذا الركب

أما الإمارات، فهي بالفعل أصبحت مركزًا عالميًا لإدارة الأصول والاستثمارات بين الشرق والغرب، بفضل سياستها الخارجية المتوازنة، احترامها للقانون الدولي، ونجاحها في التحول الرقمي وتبني الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات. هذا التوازن جعلها جسرًا موثوقًا يربط بين البنية التحتية الصينية والابتكار الأمريكي، ويمنحها مكانة استراتيجية في النظام الاقتصادي العالمي الجديد

يخلص الدكتور ضياء إلى أن هذا الحضور الدبلوماسي المتراكم ينعكس مباشرة على الاقتصاد والاستثمار، في معادلة يصفها بأنها ليست “مصادفة”، بل نتاج رؤية يصفها بـ”المتزنة والحكيمة والهادئة” قادت الإمارات لتكون، بحسب تعبيره، دولة “صفر مشاكل” في علاقاتها الدولية  وهي صفة، من منظوره، لا تقل قيمة اقتصادية عن أي رقم استثماري ضخم يُعلن في مؤتمر دولي

 

“رأس المال جبان”.. كيف حوّلت الإمارات الطمأنينة السياسية إلى ثقة استثمارية فردية؟

يرى الدكتور ضياء أن الدور الوسيط للإمارات بين الشرق والغرب لا ينعكس فقط على الصناديق السيادية والشركات الكبرى، بل يطمئن المستثمر الفردي العربي نفسه، الذي بات يبحث عن “ميناء آمن” لرأس ماله وسط تقلبات تشريعية وسياسية في أسواق تقليدية كان يعتمد عليها

يخلص الدكتور إلى أن الدور الوسيط الذي تلعبه الإمارات بين الشرق والغرب ينعكس مباشرة على المستثمر الفردي العربي، بصرف النظر عن حجم محفظته أو طبيعة نشاطه. والسبب، بحسب تفسيره، يعود إلى حالة “الطمأنينة والأمان” التي توفرها دولة تُنظر إليها كوسيط معتدل يستقبل الشرق والغرب على قدم المساواة، وهي الصفة نفسها التي تدفع الشركات العالمية الكبرى لفتح مكاتبها هناك بمليارات الاستثمارات

 

“رأس المال جبان”: قاعدة اقتصادية قديمة بمصاديق جديدة

يستند المحلل إلى قاعدة كلاسيكية في الاقتصاد الدولي يصفها بأنها أول ما يتعلمه طلاب التخصص: “رأس المال جبان”، أي أنه يتجه دائماً نحو البيئات الأكثر استقراراً تشريعياً وأماناً قانونياً، بصرف النظر عن أي اعتبارات أخرى

يستشهد الدكتور ضياء حلمي بحالة مستثمرين أفراد عرب انتقلوا بأموالهم إلى الإمارات بعد تعديلات تشريعية في لندن اعتبروها مجحفة، تتعلق بحصة الدولة من بعض الشركات في حال وفاة المستثمر  وهو مثال، من منظوره، على أن قرار رأس المال الفردي يتبع الاستقرار القانوني أولاً، قبل أي عامل آخر كالعائد أو السوق

ويضيف ، المتخصص بدرجتي دكتوراه في الاقتصاد الدولي المعاصر والإدارة الاستراتيجية، أن هذه المعادلة ليست وليدة الصدفة، بل نتاج تخطيط استراتيجي طويل المدى يربط بين فلسفة القيادة والتشريعات المطمئنة للمستثمر في حزمة واحدة متكاملة

 

انتعاش اقتصادي بعد انحسار الصراعات

يطرح الدكتور حلمي توقعاً شخصياً بانحسار الصراعات الجيوسياسية الحالية في الإقليم خلال أقل من ثلاثة أشهر، مستنداً في تعزيز مصداقية توقعاته إلى تصريح سابق له في يناير 2020 على قناة مصرية رسمية، أشار فيه إلى اضطرابات صحية وجيوسياسية عالمية كبرى قادمة، قبل أن تتجلى لاحقاً في جائحة كوفيد-19

 

يربط المحلل هذا التوقع بانتعاش متوقع في قطاعي السياحة والتدريب عالمياً، مستنداً إلى نمط تاريخي يربط بين انتهاء فترات الصراع وتصاعد الشهية الفردية والجماعية للسفر والترحال

ويستشهد  على استعداد الإمارات لهذه المرحلة بقيام طيران الإمارات بصفقات شراء طائرات جديدة من شركتي إيرباص وبوينغ، معتبراً ذلك مؤشراً على استعداد مسبق لاستيعاب موجة الطلب السياحي المتوقعة عقب انحسار التوترات الإقليمية

إلي جانب السياحة، يرى المحلل أن قطاع التدريب على استخدامات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي سيشهد طلباً متزايداً عبر قطاعات متعددة، مستنداً إلى الموقع المتقدم الذي سجلته الإمارات عالمياً في هذين المجالين

ويختم المحلل قراءته بربط هذه العوامل كلها  الاستقرار التشريعي، الثقة الدبلوماسية، الاستعداد القطاعي المسبق  في معادلة واحدة يرى أنها تمنح المستثمر والمقيم على الأرض الإماراتية إحساساً بالأمان لا يقل أهمية، من منظوره، عن أي مؤشر اقتصادي رقمي.

 

خلاصة الاستطلاع

ما بدأ كسؤال جيوسياسي  من يهيمن على الشرق الأوسط؟  تحوّل عبر فصول هذا التقرير إلى سؤال اقتصادي أكثر دقة: من يُحسن توظيف هذا التنافس لصالحه؟ والإجابة تشير بوضوح إلى المنطقة ذاتها، ممثلةً في أبرز نماذجها، الإمارات العربية المتحدة، التي نجحت في الانتقال من موقع المتلقي إلى موقع المُوزّع  من دولة تنتظر الاستثمار إلى منصة تُدير تدفقاته

 

في مرحلة ما بعد الصراع، وحين تبدأ رحلة إعادة الإعمار، يقف المستثمر العربي أمام لحظة فارقة: اختيار بين الانتظار حتى تكتمل الصورة، أو المشاركة في رسمها. والتاريخ الاقتصادي يُخبرنا دائماً أن أكبر الثروات صُنعت في مرحلة البناء  لا بعده

 

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com