انتخابات إسرائيل.. نتنياهو أمام اختبار أكتوبر والتجنيد والغلاء وسط انقسام حاد
أول اقتراع منذ هجوم 2023 يتحول إلى مواجهة على مستقبل رئيس الوزراء.. والتحالفات تحسم هوية الحكومة المقبلة
تتجه إسرائيل إلى انتخابات برلمانية هي الأولى منذ هجوم السابع من أكتوبر 2023، في استحقاق يتجاوز التنافس الحزبي إلى اختبار سياسي واسع لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وسط انقسام بشأن مسؤوليته عن الإخفاقات الأمنية، وتصاعد الغضب من إعفاء اليهود المتشددين من الخدمة العسكرية، واستمرار الجدل حول استقلال القضاء وارتفاع تكاليف المعيشة.
وبحسب تقرير لوكالة أسوشييتد برس، يتركز جانب كبير من الحملات الانتخابية على شخصية نتنياهو وطريقة إدارته للحروب التي خاضتها إسرائيل منذ الهجوم، أكثر من تركيزه على تداعيات العمليات العسكرية في غزة ولبنان وسوريا وإيران، وهي ملفات تحظى بتأييد واسع داخل المجتمع الإسرائيلي.
ويسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه بوصفه قائداً نجح في تعزيز القدرات العسكرية الإسرائيلية ومواجهة خصومها، في حين يتهمه معارضوه بالتهرب من المسؤولية عن الإخفاق الأمني الذي سبق هجوم أكتوبر، وعرقلة تشكيل لجنة تحقيق رسمية، فضلاً عن عدم التوصل إلى اتفاق لإعادة الرهائن في وقت مبكر وعدم تحقيق حسم نهائي في الحروب التي خاضتها إسرائيل.
تتصدر قضية إعفاء اليهود المتشددين الحريديم من الخدمة العسكرية ملفات الخلاف الداخلي، في ظل النقص في أعداد الجنود والاستدعاء المتكرر لقوات الاحتياط للمشاركة في العمليات العسكرية.
وتعتمد الحكومات التي يقودها نتنياهو على أحزاب دينية متشددة تتمسك بإعفاء الشبان المنخرطين في الدراسات الدينية من التجنيد، وهو ما أثار استياء قطاعات من المجتمع الإسرائيلي ترى أن أعباء الخدمة العسكرية لا تتوزع بصورة عادلة.
وبحسب بيانات أوردها التقرير، يبلغ نحو 13 ألف شاب من اليهود المتشددين سن التجنيد سنوياً، لكن أقل من 10% منهم يلتحقون بالجيش. وتشير استطلاعات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية إلى أن قضية التجنيد تمثل عاملاً رئيسياً في تحديد خيارات شريحة من الناخبين اليهود.
وفي المقابل، تعهد غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو والقائد العسكري السابق، بإنهاء الإعفاءات القائمة، مستفيداً من صورته بوصفه شخصية عسكرية ذات توجه وسطي، فضلاً عن خسارته ابنه واثنين من أبناء أشقائه خلال القتال في قطاع غزة.
ولا يزال مشروع الإصلاح القضائي الذي طرحته حكومة نتنياهو عام 2023 يلقي بظلاله على المشهد السياسي، بعدما أثار احتجاجات واسعة ومخاوف من تقويض استقلال المؤسسات الديمقراطية.
وبرر نتنياهو التعديلات بأنها تهدف إلى الحد من صلاحيات القضاة غير المنتخبين، بينما رأى معارضوه أنها محاولة لتعزيز سيطرة الحكومة على مؤسسات الدولة، خصوصاً في ظل محاكمة رئيس الوزراء في قضايا فساد.
ورغم تراجع أولوية الملف لدى قطاعات من الناخبين بعد هجوم أكتوبر، لا يزال الإصلاح القضائي نقطة خلاف بين المعسكرات السياسية. وكان البرلمان قد أقر قانوناً يمنح الحكومة دوراً أكبر في تعيين القضاة، على أن يبدأ تطبيقه بعد أداء البرلمان المقبل اليمين الدستورية، فيما تعهد المعسكر المناهض لنتنياهو بإلغائه.
ولا ينتخب الإسرائيليون رئيس الحكومة مباشرة، بل يصوتون للأحزاب الممثلة في الكنيست، ما يجعل تشكيل الائتلافات العامل الحاسم في تحديد هوية رئيس الوزراء المقبل.
ومع توقعات بعدم تمكن أي حزب منفرد من الاقتراب من الأغلبية المطلوبة، البالغة 61 مقعداً، ستتوقف النتيجة النهائية على قدرة المعسكرات المتنافسة على جمع حلفاء يكفلون تشكيل حكومة مستقرة. وفي حال تعذر ذلك، قد تدخل البلاد مرحلة جديدة من الجمود السياسي تنتهي بانتخابات أخرى.
ويقدم مؤيدو نتنياهو رئيس الوزراء بوصفه سياسياً مخضرماً قاد إسرائيل خلال مواجهات إقليمية معقدة ورفض ضغوطاً خارجية لإنهاء الحرب في غزة، بينما يتهمه خصومه بالفساد والفشل في تحمل مسؤولية الإخفاقات الأمنية.
أما آيزنكوت، فيستند إلى خبرته العسكرية وصورته كبديل من داخل المؤسسة الأمنية، في محاولة لاستقطاب الناخبين الراغبين في تغيير القيادة دون التخلي عن التوجهات الأمنية المتشددة.
وعلى الرغم من هيمنة القضايا الأمنية والسياسية، يظل ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة من أبرز مصادر القلق لدى الإسرائيليين، في وقت تتزايد فيه الأعباء المرتبطة بالحروب والإنفاق العسكري.
ويقول نتنياهو إن سياساته عززت النمو الاقتصادي وقطاع التكنولوجيا المتقدمة، بينما يرى معارضوه أن مكاسب النمو لم تنعكس بصورة متكافئة على مختلف شرائح المجتمع.
وتشير بيانات المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وفق التقرير، إلى أن 38% من اليهود الإسرائيليين يعتبرون الاقتصاد وتكاليف المعيشة من أهم القضايا المؤثرة في تصويتهم، وترتفع النسبة إلى 46% بين المواطنين العرب.
لكن هذه المخاوف لم تتحول إلى محور رئيسي في حملات المرشحين، كما لم تحظَ التكلفة الاقتصادية للحروب المتعددة بالاهتمام نفسه الذي حظيت به قضايا الأمن والقيادة والتجنيد.
وبين تداعيات هجوم أكتوبر، وأزمة التجنيد، والانقسام حول القضاء، وضغوط المعيشة، تبدو الانتخابات اختباراً لمستقبل نتنياهو السياسي بقدر ما تمثل مواجهة بين معسكرات متنافسة على تشكيل الحكومة المقبلة، في ظل غياب توافق داخلي واسع بشأن المسار الذي ينبغي أن تسلكه إسرائيل في المرحلة التالية للحروب.
التعليقات مغلقة.