باريس سان جيرمان وأرسنال.. مدرستان مختلفتان لصناعة القوة الكروية في أوروبا
رغم التشابه الظاهري بين باريس سان جيرمان الفرنسي وأرسنال الإنكليزي في الرهان على المواهب الشابة وتطوير الأكاديميات، فإن الناديين يسلكان طريقين مختلفين تماماً على المستوى المالي والإداري والاستثماري، ما يعكس فلسفتين متباينتين لبناء القوة الكروية في القارة الأوروبية.
تمويل سيادي في باريس.. وإدارة عائلية مستقرة في لندن
منذ استحواذ صندوق “قطر للاستثمارات الرياضية” (QSI) على باريس سان جيرمان عام 2011 برئاسة ناصر الخليفي، تحول النادي الفرنسي إلى مشروع عالمي مدعوم بقوة مالية سيادية ضخمة، بعد ضخ استثمارات رسمية تجاوزت 1.4 مليار يورو.
وارتفعت القيمة السوقية للنادي بصورة هائلة من نحو 70 مليون يورو عند الاستحواذ إلى ما يقارب 4.2 مليار يورو، عقب بيع حصة أقلية لصندوق الاستثمار الأمريكي “أركتوس”، في إطار استراتيجية تهدف إلى تحويل باريس سان جيرمان إلى علامة رياضية عالمية تتجاوز حدود كرة القدم، عبر التوسع في رياضات أخرى والاستثمار في أندية رديفة.
في المقابل، يمثل أرسنال نموذج الملكية الخاصة التقليدية، بقيادة الملياردير الأمريكي ستان كرونكي، الذي فرض سيطرته الكاملة على النادي عام 2018، بالشراكة مع نجله جوش كرونكي.
وتتبنى إدارة “المدفعجية” سياسة أكثر تحفظاً واستدامة، تركز على بناء منظومة رياضية طويلة الأجل بعيداً عن الإنفاق المفرط، ضمن شبكة “Kroenke Sports & Entertainment” المالكة لعدد من الأندية الأمريكية الكبرى.
فجوة مالية واضحة واختلاف في الأولويات
تنعكس الفوارق الاستثمارية على ميزانيات الناديين، إذ تبلغ ميزانية باريس سان جيرمان نحو 880 مليون يورو، ليبقى ضمن أغنى أندية العالم، مقابل نحو 600 مليون يورو لأرسنال.
ورغم التفوق المالي للنادي الباريسي، فإن أولويات المشروعين تختلف بشكل لافت، خصوصاً فيما يتعلق بكرة القدم النسائية.
ففي الوقت الذي خفّض فيه باريس سان جيرمان استثماراته في فريق السيدات، وضع أرسنال الكرة النسائية ضمن صدارة مشروعه الرياضي، ليصبح فريق السيدات أحد أبرز أندية أوروبا بعد التتويج بدوري أبطال أوروبا للسيدات والوصول إلى نصف نهائي النسخة الحالية.
بيرتا وكامبوس.. العقول المدبرة للميركاتو
وشهدت الإدارتان الرياضيتان في الناديين نشاطاً لافتاً خلال سوق الانتقالات الأخيرة، عبر أسماء تملك خبرات واسعة في اكتشاف المواهب وصناعة الفرق التنافسية.
ففي أرسنال، يقود الإيطالي أندريا بيرتا المشروع الرياضي منذ انضمامه عام 2025، بعد تجربة ناجحة مع أتلتيكو مدريد، حيث لعب دوراً محورياً في دعم صفقات هجومية ودفاعية بارزة، أبرزها التعاقد مع المهاجم السويدي فيكتور يوكيريس والمدافع الشاب كريستيان موسكيرا.
أما باريس سان جيرمان، فيواصل الاعتماد على البرتغالي لويس كامبوس، الذي مُدد عقده حتى عام 2030، بفضل نجاحه في استقطاب المواهب الصاعدة وتأمين عقود طويلة الأمد لعدد من النجوم الشباب، بالتنسيق مع المدرب لويس إنريكي ورئيس النادي ناصر الخليفي.
معركة الملاعب.. أرسنال يملك “الإمارات” وباريس ينتظر الحسم
وتبرز قضية ملكية الملعب كأحد أهم الفوارق الهيكلية بين الناديين.
فأرسنال يمتلك “ملعب الإمارات” شمال لندن، الذي افتتح عام 2006 ويتسع لأكثر من 60 ألف متفرج، ما يمنح النادي عوائد ضخمة من التذاكر وحقوق الضيافة تجاوزت 177 مليون يورو.
أما باريس سان جيرمان، فلا يزال يخوض صراعاً مع بلدية باريس بشأن مستقبل ملعب “بارك دي برانس”، الذي لا يملكه النادي حتى الآن.
وبعد خلافات سابقة مع الإدارة البلدية حول شراء الملعب، عادت المفاوضات مجدداً مع السلطات المحلية الجديدة، وسط دراسة خيارات بديلة لبناء استاد جديد خارج العاصمة الفرنسية، رغم استمرار تحقيق “حديقة الأمراء” لعوائد تجارية قوية بفضل الامتلاء الجماهيري الدائم وباقات كبار الشخصيات.
أكاديميات تصنع المستقبل
وعلى المستوى الفني، يشترك الناديان في الرهان على تطوير المواهب المحلية.
فباريس سان جيرمان افتتح عام 2023 مجمعه التدريبي الحديث في “بواسي”، والذي يضم فرق الشباب والسيدات والفريق الأول، ونجح في تصعيد أسماء واعدة مثل وارن زائير-إيمري وسيني مايولو.
وفي المقابل، تواصل أكاديمية “هيل إند” التابعة لأرسنال إنتاج المواهب للفريق الأول، يتقدمهم النجم الإنكليزي بوكايو ساكا، إلى جانب مجموعة من الأسماء الصاعدة التي تمثل مستقبل النادي اللندني.
وبين المشروع السيادي الباريسي والنموذج الاستثماري المستدام لأرسنال، تبدو المنافسة بين الناديين أكثر من مجرد صراع كروي، بل مواجهة بين فلسفتين مختلفتين لإدارة كرة القدم الحديثة في أوروبا.
التعليقات مغلقة.