حرب إيران.. أكبر صدمة اقتصادية تضرب الشرق الأوسط منذ خمسة عقود
أجرته\ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة اقتصادية بالغة الحساسية مع استمرار الحرب في إيران، التي لا تقتصر تداعياتها على الدول المنخرطة مباشرة في الصراع، بل تمتد إلى أسواق الطاقة والتجارة والطيران والاستثمار والتمويل. وتكتسب الأزمة خطورتها من اتساع نطاق الدول المتضررة، وحجم اقتصاداتها، فضلاً عن وقوعها في منطقة تمثل محوراً رئيسياً لإمدادات النفط والغاز العالمية.
وبحسب تحليل لبيانات صندوق النقد الدولي منذ عام 1980، مع استثناء تداعيات جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية في 2008، فإن الحرب الحالية تمثل واحدة من أكبر الصدمات الجيوسياسية التي تعرضت لها اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العقود الخمسة الماضية، وربما الأكثر اتساعاً من حيث حجم الكتلة الاقتصادية المتضررة. وتزداد المخاطر كلما طال تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم.
كتلة اقتصادية تقترب من 4 تريليونات دولار
تطال تداعيات الصراع بصورة مباشرة 10 دول هي إيران والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر وعُمان والعراق ولبنان وإسرائيل، ويبلغ الناتج المحلي الإجمالي الاسمي لهذه الاقتصادات مجتمعة نحو 4 تريليونات دولار، بما يعادل نحو 70% من اقتصاد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ونحو 3% من الاقتصاد العالمي.
وتكشف هذه الأرقام اتساع نطاق الأزمة مقارنة بالأزمات الجيوسياسية السابقة، إذ لم تكن الصدمات السابقة تشمل في الوقت نفسه هذا العدد من الاقتصادات الكبرى أو تضرب بهذه القوة قطاعات الطاقة والتجارة والطيران والملاحة.
كما تضرر إنتاج وتصدير النفط والغاز في عدد من دول الخليج والعراق وإيران بالتزامن، بينما أشارت تقديرات إلى تراجع إنتاج منظمة أوبك في مايو إلى أدنى مستوياته منذ عام 1985.
هرمز.. مفتاح التعافي الاقتصادي
يمثل مضيق هرمز العامل الأكثر حساسية في مسار الأزمة، إذ إن استمرار تعطل حركة الملاحة عبره يهدد بإطالة أمد اضطرابات إمدادات الطاقة ورفع تكاليف النقل والتأمين، فضلاً عن التأثير في حركة التجارة العالمية.
ويرى خبراء أن سرعة التعافي الاقتصادي للمنطقة ستعتمد بدرجة كبيرة على سرعة انتهاء الحرب وإعادة فتح المضيق بصورة كاملة، وعودة إنتاج النفط والغاز وتدفقات الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية.
ومن المتوقع أن يؤدي استئناف إنتاج الطاقة وتصديرها إلى ارتداد سريع في معدلات النمو، خصوصاً في الاقتصادات الخليجية والعراق، حيث يمثل القطاع النفطي وزناً كبيراً في الناتج والإيرادات العامة.
لكن التعافي لن يكون مرتبطاً بالطاقة وحدها؛ إذ تحتاج الاقتصادات المتضررة إلى عودة الاستقرار الأمني لتمكين السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة والشحن والملاحة التجارية من استعادة نشاطها، وهو ما سينعكس على القطاعات غير النفطية وأسواق العمل.
مقارنة مع أزمات المنطقة خلال خمسة عقود
تكشف المقارنة التاريخية، استناداً إلى بيانات صندوق النقد الدولي، اختلاف تأثير الأزمة الحالية عن أزمات سابقة شهدتها المنطقة.
ففي عام 1980، أدى انهيار الاقتصاد الإيراني بنحو 21.6% بسبب تداعيات الثورة الإسلامية واندلاع الحرب العراقية – الإيرانية إلى انكماش اقتصاد المنطقة بأكثر من 1%.
أما خلال غزو العراق للكويت وحرب تحرير الكويت عامي 1990 و1991، فقد ساعد ارتفاع أسعار النفط اقتصادات المنطقة على تحقيق نمو يقارب 7% في كل من العامين، رغم الانعكاسات الحادة للحرب على الكويت والعراق.
وفي عام 2003، ساهم ارتفاع أسعار النفط أيضاً في دعم اقتصاد المنطقة، الذي نما بنحو 5.8% رغم الغزو الأميركي – البريطاني للعراق، بينما انكمش الاقتصاد العراقي بأكثر من 36%.
وخلال عام 2011، سجل اقتصاد المنطقة نمواً يقارب 4% رغم تداعيات ثورات الربيع العربي على مصر وتونس وليبيا، مستفيداً من الأداء القوي لاقتصادات الخليج، خصوصاً الإمارات السعودية وقطر والكويت، بدعم من ارتفاع أسعار النفط.
وفي عام 2024، بلغ نمو اقتصاد المنطقة نحو 1.8%، متأثراً بتداعيات حرب غزة والصراعات الممتدة في عدد من دول المنطقة.
صدمات اقتصادية متفاوتة
وتوضح بيانات الاقتصادات الأكثر تضرراً خلال الأزمات السابقة حجم الاختلاف بين الصدمات:
1980: انكماش الاقتصاد الإيراني 21.6%.
1990: انكماش الاقتصاد الكويتي 26.2%.
1991: انكماش الاقتصاد الكويتي 41%.
2003: انكماش الاقتصاد العراقي 36.6%.
2011: انكماش الاقتصاد الليبي بنحو 50%.
2024: انكماش الاقتصاد السوداني بنحو 23% نتيجة الحرب الأهلية.
ورغم شدة هذه الصدمات، تمكنت المنطقة في حالات عديدة من تعويض الخسائر عبر ارتفاع أسعار النفط، وهو ما وفر إيرادات إضافية للدول المنتجة وساعدها على الحفاظ على معدلات نمو مرتفعة.
لكن المعادلة مختلفة في الأزمة الحالية، إذ لا يقتصر التأثير على ارتفاع أسعار الطاقة، بل يمتد إلى تعطل إنتاج النفط والغاز وحركة التجارة والملاحة والطيران في الوقت نفسه، ما يحد من قدرة ارتفاع الأسعار وحده على تعويض الخسائر الاقتصادية.
لماذا تختلف الأزمة الحالية؟
تأتي الحرب الحالية في توقيت كانت فيه المنطقة تستعد لمرحلة إعادة إعمار واسعة بعد سنوات من الحروب والأزمات في سوريا ولبنان وغزة واليمن والسودان، وكانت دول الخليج مرشحة للاضطلاع بدور رئيسي في تمويل وإدارة جانب كبير من هذه العملية إلى جانب المؤسسات الدولية.
وبالتالي، فإن استمرار الحرب يهدد بتأجيل خطط الاستثمار وإعادة الإعمار، ورفع كلفة التمويل والتأمين، وتقليص تدفقات الاستثمار والسياحة، في وقت تحتاج فيه اقتصادات المنطقة إلى استثمارات ضخمة لتعزيز النمو وتنويع مصادر الدخل.
كما أن ارتفاع أسعار الطاقة، رغم استفادة المنتجين منه، قد يفرض أعباء إضافية على الدول المستوردة للنفط والغاز، ويرفع تكاليف النقل والإنتاج ويزيد الضغوط التضخمية.
السعودية.. نموذج للصمود
تبرز السعودية باعتبارها من أكثر الاقتصادات قدرة تاريخياً على تجاوز الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها المنطقة.
ويرتبط ذلك، في جانب رئيسي، بقدرة المملكة على استمرار إنتاج وتصدير النفط خلال الأزمات، فضلاً عن قوة الطلب المحلي واتساع قاعدة الاقتصاد غير النفطي.
وخلال الأزمة الحالية، تمكنت شركة أرامكو من تحويل معظم إنتاج النفط عبر خط أنابيب شرق – غرب إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يقلل الاعتماد على حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
كما كشفت الأزمة عن صلابة متزايدة للقطاع غير النفطي السعودي، مدعوماً بالطلب المحلي وتنويع الإيرادات الحكومية، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية التي استهدفت تقليل الاعتماد على النفط.
الإمارات.. نموذج للاستدامة والنمو العابر للأزمات
إذا كانت التجربة السعودية تعكس صلابة الاعتماد على البنية التحتية الاستراتيجية ومرونة الصمود الهيكلي، فإن الاقتصاد الإماراتي يقدم نموذجًا متقدمًا في التحصين المبكر واستباق الصدمات الجيوسياسية والاقتصادية، مستندًا إلى استراتيجية تحول اقتصادي أسهمت في تعزيز المرونة التشغيلية للدولة وترسيخ مكانتها كمركز مالي وتجاري ولوجستي رئيسي في منطقة الشرق الأوسط.
وتتجلى القوة الهيكلية للاقتصاد الإماراتي في مجموعة من المسارات الاستراتيجية التي أسهمت في تحويل التحديات الإقليمية والدولية إلى فرص ومحركات للنمو، وفي مقدمتها تنويع الاقتصاد، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرات المالية والسيادية.
1. التفوق التنافسي للقطاع غير النفطي
مرونة التنوع الاقتصادي
نجحت الإمارات في تجاوز نموذج الاعتماد المباشر على عوائد قطاع الطاقة، عبر بناء قاعدة اقتصادية أكثر تنوعًا، إذ أصبحت الأنشطة غير النفطية تمثل الجزء الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي، مدفوعة بالنمو المتواصل في قطاعات التجارة الخارجية، والسياحة، والطيران، والخدمات المالية، والعقارات، والصناعة والتكنولوجيا.
وقد أسهم هذا التنوع في تعزيز قدرة الاقتصاد الإماراتي على امتصاص الصدمات الناتجة عن تقلبات أسواق الطاقة أو التوترات الجيوسياسية، مع الحفاظ على مستويات مرتفعة من النشاط الاقتصادي والاستثماري.
جاذبية الاستثمار الأجنبي المباشر
تواصل الإمارات ترسيخ موقعها كوجهة رئيسية للاستثمار الأجنبي المباشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مستفيدة من بيئة تشريعية مرنة، وحوافز استثمارية متنوعة، ونظم إقامة طويلة الأجل للمستثمرين وأصحاب الكفاءات، إلى جانب التوسع في سياسات الملكية الأجنبية الكاملة للشركات في قطاعات واسعة.
وتعزز هذه المقومات قدرة الاقتصاد الإماراتي على استقطاب رؤوس الأموال والمواهب والشركات العالمية، بما يدعم تنويع مصادر النمو ويزيد من ارتباط الاقتصاد المحلي بشبكات التجارة والاستثمار العالمية.
2. الاستقلالية اللوجستية وشبكات الموانئ العابرة للقارات
شرايين للتجارة الدولية
تمتلك الإمارات منظومة متطورة من الموانئ والمناطق اللوجستية، تتصدرها DP World ومجموعة موانئ أبوظبي، بما يمنح الدولة حضورًا مؤثرًا في حركة التجارة وسلاسل الإمداد العالمية.
ولا تقتصر أهمية هذه المنظومة على البنية التحتية للموانئ، بل تمتد إلى تكاملها مع المناطق الحرة وشبكات النقل البري والجوي والخدمات اللوجستية، الأمر الذي يعزز قدرة الدولة على التعامل مع اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
التكامل الجوي والبحري
أسهم تطور شركات الطيران الوطنية وشبكات المطارات والموانئ في تعزيز موقع الإمارات كمحور عالمي لحركة المسافرين والبضائع، وكمحطة ترانزيت استراتيجية تربط بين الأسواق الآسيوية والأوروبية والأفريقية.
ويمنح هذا التكامل اللوجستي الاقتصاد الإماراتي قدرة أكبر على إعادة توجيه حركة التجارة والنقل عند حدوث اضطرابات في بعض الممرات البحرية أو سلاسل الإمداد الدولية.
3. المصدات المالية والسيادية
قوة الصناديق السيادية
تمثل الصناديق الاستثمارية السيادية أحد أبرز عناصر القوة المالية للإمارات، وفي مقدمتها ADIA، وMubadala Investment Company، وADQ.
وتوفر هذه المؤسسات قاعدة مالية واستثمارية واسعة، تدعم قدرة الدولة على تنفيذ خططها التنموية والاستثمارية، وتعزز مرونة المالية العامة في مواجهة دورات أسعار النفط والتقلبات الاقتصادية العالمية.
صلابة القطاع المصرفي
يتمتع القطاع المصرفي الإماراتي بقاعدة رأسمالية وسيولة قوية، مدعومة بأطر تنظيمية ورقابية متقدمة، الأمر الذي يعزز قدرة البنوك على تمويل المشروعات الكبرى وتوفير الائتمان لقطاعات الأعمال والاستثمار.
وتشكل هذه الصلابة عنصرًا مهمًا في حماية الاقتصاد من تداعيات الصدمات الخارجية، كما تساعد على استمرار النشاط الائتماني والاستثماري حتى في فترات ارتفاع مستويات عدم اليقين العالمي.
4. الرقمنة والابتكار كأدوات لتعزيز المرونة
لم تعد المرونة الاقتصادية في الإمارات مرتبطة فقط بالموارد المالية والبنية التحتية، بل أصبحت الرقمنة والابتكار جزءًا أساسيًا من منظومة إدارة الاقتصاد.
فالتوسع في الخدمات الحكومية الرقمية، والتكنولوجيا المالية، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية الرقمية، أسهم في رفع كفاءة الأعمال والخدمات، وتقليل تكاليف التشغيل، وتعزيز قدرة الاقتصاد على الاستجابة السريعة للتغيرات العالمية.
يمثل النموذج الإماراتي تجربة متقدمة في بناء اقتصاد قادر ليس فقط على امتصاص الأزمات، وإنما على تحويلها إلى فرص للنمو وإعادة التموضع.
فمن خلال تنويع مصادر الدخل، وتطوير منظومة لوجستية عالمية، وتعزيز القوة المالية والسيادية، واستقطاب الاستثمارات والمواهب، إلى جانب الاستثمار المتواصل في الرقمنة والابتكار، نجحت الإمارات في بناء منظومة اقتصادية تتمتع بدرجة مرتفعة من المرونة والقدرة على التكيف.
وبذلك، لم يعد استقرار الاقتصاد الإماراتي قائمًا على القدرة على تجاوز الصدمات فحسب، بل أصبح جزءًا من نموذج تنموي أوسع يهدف إلى استباق الأزمات، وتنويع المخاطر، والحفاظ على جاذبية الدولة كمركز عالمي للمال والأعمال والتجارة والاستثمار.
تعافٍ سريع مشروط بانتهاء الحرب
يرتبط المسار الاقتصادي المقبل للمنطقة بصورة أساسية بمدة الحرب ونطاقها. فإذا انتهى الصراع خلال أسابيع وعادت الملاحة في مضيق هرمز وإمدادات الطاقة إلى طبيعتها، فقد تتمكن الاقتصادات الخليجية من امتصاص جزء كبير من الصدمة واستعادة زخم النمو سريعاً.
أما استمرار إغلاق المضيق أو اضطراب الملاحة لفترة أطول، فسيرفع مخاطر التضخم ونقص الطاقة وتراجع التجارة والاستثمار، وقد يدفع المؤسسات الدولية إلى خفض توقعاتها لنمو المنطقة.
وبذلك، لا تكمن خطورة الحرب الحالية في حجم الخسائر المباشرة فقط، وإنما في أنها تضرب في وقت واحد الطاقة والتجارة والملاحة والطيران والاستثمار، داخل كتلة اقتصادية تقارب 4 تريليونات دولار، ما يجعل سرعة استعادة الاستقرار الإقليمي العامل الحاسم في تحديد ما إذا كانت الصدمة ستبقى مؤقتة أم تتحول إلى أزمة اقتصادية طويلة الأمد.
التعليقات مغلقة.