أزمة الإبادة البيضاء تشعل مواجهة واشنطن وبريتوريا.. جنوب إفريقيا ترفض اتهامات ترامب

أجرته\ رباب سعيد مراسلة مجلة استثمارات الإماراتية شؤون مصر وشمال إفريقيا

تتخذ الخلافات بين الولايات المتحدة وجنوب إفريقيا منحى أكثر حدة على خلفية قضية الأفريكانيين البيض، بعدما تمسكت إدارة الرئيس دونالد ترامب بمزاعم تعرض هذه الأقلية لاضطهاد وإبادة جماعية، في وقت ترفض فيه بريتوريا هذه الرواية وتؤكد أن ما تشهده البلاد يرتبط بأزمة الجريمة وعدم المساواة، وليس بحملة منظمة ضد البيض.

 

وتصدر السفير الجنوب إفريقي الجديد لدى واشنطن، رولف ماير، جهود بلاده للدفاع عن موقفها، مستندًا إلى خلفيته كأفريكاني وإلى دوره السابق في المفاوضات التي أسهمت في إنهاء نظام الفصل العنصري خلال تسعينيات القرن الماضي.

 

وفي مقابلة مع شبكة بي بي سي رفض ماير توصيف الوضع في جنوب إفريقيا باعتباره إبادة جماعية تستهدف الأفريكانيين، وقال إنه لم يختبر شخصيًا ما يثبت وجود هجوم جماعي على هذه الأقلية، داعيًا إلى حوار مباشر مع الإدارة الأمريكية بشأن ما وصفه بالمعلومات غير الدقيقة حول الأوضاع في بلاده.

 

روايتان متعارضتان

 

تتبنى إدارة ترامب رواية مختلفة، إذ سبق للرئيس الأمريكي أن اتهم جنوب إفريقيا بارتكاب إبادة جماعية ضد البيض، وربط ذلك بما تتعرض له مجتمعات زراعية بيضاء من جرائم وهجمات، كما أطلقت واشنطن مسارًا خاصًا لاستقبال أفريكانيين كلاجئين.

 

وفي المقابل، ترفض الحكومة الجنوب إفريقية والأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد توصيف ما يحدث بأنه اضطهاد ممنهج للأفريكانيين، مع إقرارها بوجود مستويات مرتفعة من الجريمة والعنف في مناطق مختلفة من البلاد.

 

وتظهر بيانات الشرطة الجنوب إفريقية أن العنف في المزارع والمناطق الريفية يمثل مشكلة أمنية حقيقية، لكنها تشمل ضحايا من خلفيات مختلفة. وسجلت الشرطة 52 حادثة اعتداء على مجتمعات ريفية ومزارع وممتلكات صغيرة خلال السنة المالية 2023/2024، أسفرت عن مقتل 55 شخصًا.

 

وتؤكد هذه الأرقام وجود جرائم خطيرة في المناطق الريفية، لكنها لا تقدم بمفردها أساسًا لإثبات وجود حملة منظمة تستهدف عرقيًا الأفريكانيين.

 

اللجوء.. محور الأزمة

 

تحول برنامج استقبال الأفريكانيين في الولايات المتحدة إلى أحد أبرز ملفات الخلاف بين البلدين. وتدافع إدارة ترامب عن المسار باعتباره استجابة لأشخاص تقول إنهم يواجهون تهديدات بسبب انتمائهم العرقي، بينما ترى بريتوريا أن البرنامج يبني على توصيف غير دقيق للوضع الداخلي.

 

ويرغب ماير في إلغاء الأساس الذي تستند إليه واشنطن في هذا المسار، داعيًا بدلًا من ذلك إلى توجيه التعاون الأمريكي نحو مواجهة الجريمة في جنوب إفريقيا، وتوفير موارد ومعدات يمكن أن تساعد الأجهزة الأمنية على تحسين قدرتها على الاستجابة.

 

وفي الوقت نفسه، تصر أصوات أفريكانية مؤيدة للرواية الأمريكية على أن المخاطر التي تواجهها بعض المجتمعات الريفية تتجاوز مجرد الجريمة العادية، وتربطها بما تعتبره دوافع سياسية وعنصرية. وهذه المزاعم محل خلاف داخل جنوب إفريقيا نفسها.

 

إرث الأبارتهايد حاضر في المشهد

 

لا يمكن فصل الخلاف الحالي عن التاريخ المعقد للعلاقات العرقية في جنوب إفريقيا؛ فالأفريكانيون ينحدرون بدرجة كبيرة من المستوطنين الأوروبيين، وشكلوا جزءًا رئيسيًا من الأقلية البيضاء التي هيمنت سياسيًا واقتصاديًا خلال حقبة الفصل العنصري.

 

وبعد الانتقال إلى الديمقراطية، تبنت الحكومات المتعاقبة سياسات تستهدف معالجة الاختلالات التي خلفها الأبارتهايد، بما في ذلك سياسات التوظيف والتمثيل الاقتصادي وملف ملكية الأراضي.

 

وهنا تتقاطع قضية الأمن مع ملف أكثر حساسية يتعلق بالأراضي، إذ أثارت سياسات إصلاح ملكية الأراضي اعتراضات أمريكية، بينما تقول بريتوريا إن هذه الإجراءات تستهدف معالجة إرث تاريخي من عدم المساواة.

 

واشنطن تصعد وبريتوريا تدعو للحوار

 

يتجاوز الخلاف قضية اللجوء إلى ملفات دبلوماسية واقتصادية أوسع، في ظل اتخاذ إدارة ترامب إجراءات تجاه جنوب إفريقيا على خلفية ما تعتبره تمييزًا عرقيًا ضد البيض.

في المقابل، يحاول السفير ماير إعادة النقاش إلى قضية الجريمة، معتبرًا أن العنف ليس مشكلة تخص المزارع أو الأفريكانيين وحدهم، وإنما أزمة وطنية تطال مناطق وفئات مختلفة.

 

وتشير سجلات الشرطة إلى استمرار وقوع جرائم عنيفة في المزارع والمناطق الريفية، من بينها جرائم قتل واعتداءات وسرقة، مع تسجيل حوادث حديثة خلال 2026 شملت ضحايا من خلفيات مختلفة.

وبذلك، تتحول قضية الأفريكانيين إلى اختبار للعلاقات الأمريكية الجنوب إفريقية، بين رواية أمريكية تركز على الاضطهاد العرقي ومسار اللجوء، وموقف جنوب إفريقي يقر بخطورة الجريمة لكنه يرفض ربطها بإبادة جماعية أو استهداف ممنهج للأقلية البيضاء.

 

ويضع هذا الخلاف البلدين أمام ملفات متشابكة تشمل الأمن والهجرة وحقوق الملكية وسياسات ما بعد الأبارتهايد، بينما تسعى بريتوريا إلى احتواء التوتر عبر الحوار وإقناع واشنطن بأن معالجة أزمة الجريمة تتطلب تعاونًا أمنيًا، وليس إعادة توصيف المشهد العرقي في البلاد.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com