حين تتحول الجغرافيا إلى استراتيجية تنموية…اقتصاد الممر
بقلم د: ياسين العلي استشاري في إدارة التحول ورئيس شركة أدامة للاستثمار
(ملخص )
“يرى د. ياسين العلي أن الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لتحقيق التنمية، بل يجب تحويله إلى اقتصاد ممر ومركز إقليمي متكامل. ويشير إلى أن سوريا تمتلك فرصة للاستفادة من موقعها بعد الانفتاح الإقليمي، لكنها تواجه تحديات أبرزها دمار البنية التحتية، المنافسة الإقليمية، ضعف التنفيذ، ومخاطر الديون. ويؤكد أن نجاح سوريا يتطلب جذب استثمارات نوعية وبناء مؤسسات قوية لتحويل موقعها إلى مصدر مستدام للثروة.”
لم يعد الموقع الجغرافي في الاقتصاد الحديث ميزةً كافية بحد ذاته، كما لم تعد الدول تُقاس بمساحتها أو بعدد حدودها البرية والبحرية، بل بقدرتها على تحويل تلك الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية مستدامة. في عالم أعادت العولمة تشكيله، ثم أعادت الأزمات الجيوسياسية وسلاسل الإمداد رسم خرائطه من جديد، لم تعد الأفضلية تُمنح للدول الواقعة على طرق التجارة فحسب، وإنما للدول القادرة على إدارة تلك الطرق وتحويلها إلى منظومات إنتاج واستثمار وخدمات. ومن هنا بدأ التحول في الفكر الاقتصادي من النظر إلى الموقع بوصفه حقيقة جغرافية ثابتة، إلى اعتباره أصلاً استراتيجياً يمكن تعظيم قيمته أو إهدارها بحسب جودة السياسات والمؤسسات.
أظهرت التجارب الدولية أن دولتين قد تتشابهان في الموقع الجغرافي، بينما تختلفان جذرياً في النتائج الاقتصادية. فهناك دول تمر عبرها ملايين الأطنان من البضائع سنوياً دون أن ينعكس ذلك إلا في إيرادات محدودة من الرسوم والخدمات، في حين استطاعت دول أخرى أن تجعل من كل سفينة، وكل حاوية، وكل خط نقل، نقطة انطلاق لسلسلة طويلة من الأنشطة الاقتصادية التي تولد الاستثمار، وتخلق الوظائف، وتعزز الابتكار، وترفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. وهذا هو الفارق الجوهري بين أن تكون الدولة معبراً للتجارة، وأن تكون مركزاً لإنتاج القيمة.
في الأدبيات الاقتصادية، يمكن التمييز بين ثلاثة مستويات متدرجة للاستفادة من الموقع الجغرافي، تمثل في حقيقتها مراحل مختلفة من النضج الاقتصادي والمؤسسي. المستوى الأول هو اقتصاد العبور (Transit Economy)، وهو النموذج الذي تستفيد فيه الدولة من مرور الأشخاص أو البضائع أو الطاقة عبر أراضيها، فتحقق إيرادات مباشرة من الرسوم، وخدمات النقل، وبعض الأنشطة المساندة. ورغم أهمية هذه الإيرادات، فإن أثرها التنموي يبقى محدوداً، لأن القيمة الاقتصادية الحقيقية تستمر في الانتقال مع البضائع إلى وجهاتها النهائية. وفي هذا النموذج، تمر الثروة عبر الدولة أكثر مما تبقى داخلها، كما يبقى الاقتصاد معرضاً لتقلبات الجغرافيا السياسية وتغير مسارات التجارة العالمية.
وتُعد جيبوتي مثالاً صارخاً على فخ اقتصاد العبور؛ فرغم أن موانئها تستحوذ على حوالي 90% من تجارة إثيوبيا الخارجية، إلا أن أثر ذلك على التنمية المحلية ظل محدوداً للغاية. وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الأنشطة المينائية في جيبوتي كثيفة الاستخدام لرأس المال ولكنها ضعيفة في خلق الوظائف، مما أدى إلى بقاء أكثر من 23% من السكان تحت خط الفقر، واعتماد الاقتصاد بشكل مفرط على الاستثمارات الأجنبية دون تحقيق تنويع اقتصادي حقيقي.
أما المستوى الثاني فهو اقتصاد الممر (Corridor Economy)، وهو نموذج أكثر تطوراً، لا تقتصر فيه الدولة على استقبال حركة العبور، بل تعمل على بناء منظومة اقتصادية متكاملة حولها. يُعرّف بنك التنمية الآسيوي الممر الاقتصادي بأنه “آلية تربط الوكلاء الاقتصاديين عبر جغرافيا محددة، وتوفر روابط حيوية بين العقد الاقتصادية”. فالممر الاقتصادي لا يعني طريقاً للنقل فحسب، وإنما شبكة مترابطة من الموانئ، والطرق، والسكك الحديدية، والمناطق اللوجستية، والمناطق الصناعية، والخدمات المالية، والتأمين، والرقمنة، والتخليص الجمركي، وإعادة التصدير، والتصنيع الخفيف، بما يحول حركة التجارة إلى محرك للنمو الاقتصادي. وهنا تتحول الحاوية إلى بداية لسلسلة طويلة من الأنشطة التي تخلق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
غير أن التطور لا يتوقف عند هذا الحد، فهناك مستوى ثالث يمكن اعتباره المرحلة الأكثر تقدماً، وهو ما يمكن تسميته اقتصاد العقدة (Hub Economy). في هذا النموذج، لا تكون الدولة مجرد ممر أو منصة لوجستية، بل تتحول إلى مركز إقليمي لإدارة تدفقات التجارة والاستثمار ورأس المال والمعرفة والطاقة والبيانات. وهنا تبرز أهمية مفهوم “اللوجستيات المتمركزة حول الميناء” (Port-Centric Logistics)، حيث تصبح الموانئ جزءاً من منظومة مالية، وتصبح المناطق الحرة جزءاً من منظومة صناعية. وبعبارة أخرى، فإن كل اقتصاد عقدة هو اقتصاد ممر، لكن ليس كل اقتصاد ممر يمتلك المقومات المؤسسية التي تؤهله للتحول إلى اقتصاد عقدة.
هذا التدرج يمثل مساراً عملياً اتبعته دول نجحت في إعادة تعريف دورها في الاقتصاد العالمي. فلم تكن سنغافورة أو هولندا أو الإمارات العربية المتحدة الأغنى بالموارد الطبيعية مقارنة بغيرها، لكنها أدركت مبكراً أن الموقع لا يتحول إلى ثروة إلا عندما يُدار ضمن رؤية استراتيجية متكاملة. على سبيل المثال، يساهم ميناء روتردام بنحو 6.2% من إجمالي الناتج المحلي الهولندي بقيمة مضافة تتجاوز 45 مليار يورو، بينما يساهم قطاع الموانئ واللوجستيات بحوالي 7% من الناتج المحلي السنغافوري.
ولعل التجربة الإماراتية تُعد واحدة من أبرز النماذج التي استطاعت أن تنتقل من استثمار الموقع إلى بناء منظومة اقتصادية متكاملة جعلت من الجغرافيا رافعة للتنمية المستدامة. لم تكتفِ الإمارات بدورها التقليدي كمحطة عبور بين الشرق والغرب، بل اختارت مساراً يقوم على بناء منظومة اقتصادية متكاملة. وقد بلغت مساهمة القطاع اللوجستي في الاقتصاد الإماراتي نحو 136.7 مليار درهم في عام 2024 (ما يعادل 8-10% من الناتج المحلي الإجمالي). كما شكلت الأنشطة غير النفطية نحو 75.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024.
ولم يكن هذا التحول نتيجة مشروع منفرد، بل جاء ثمرة رؤية استراتيجية تعاملت مع النقل بوصفه جزءاً من منظومة أوسع تضم التشريعات، والاستثمار، والخدمات المالية، وسلاسل الإمداد. فالحاوية التي تصل إلى الميناء لا تغادر مباشرة، بل تدخل إلى منطقة حرة، أو مركز توزيع إقليمي، أو شبكة إعادة تصدير تخدم عشرات الأسواق. وقد انعكس ذلك في حجم التجارة الخارجية غير النفطية للإمارات، والتي تجاوزت حاجز التريليون دولار لأول مرة في عام 2025، حيث بلغت قيمة عمليات إعادة التصدير وحدها نحو 226 مليار دولار، بنمو قدره 15.7%.
| المؤشر الاقتصادي | الأداء في التجارة الإماراتية (2024-2025) |
| حجم التجارة غير النفطية | > 1 تريليون دولار (2025) |
| مساهمة القطاع غير النفطي في الناتج المحلي | 75.5% (2024) |
| حجم مناولة الحاويات (ميناء جبل علي) | 15.5 مليون حاوية نمطية (2024) |
| قيمة إعادة التصدير | 226 مليار دولار (2025) |
كما عملت الإمارات على توسيع أثرها خارج حدودها من خلال الاستثمار في إدارة وتشغيل موانئ ومناطق لوجستية عالمياً، حيث تدير مجموعة “دي بي ورلد” (DP World) عمليات في أكثر من 70 محطة عبر القارات الست، وتعاملت مع 93.4 مليون حاوية نمطية في عام 2025، محققة إيرادات قياسية بلغت 24.4 مليار دولار.
وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على واقع المنطقة اليوم، في ظل إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية: إذا كانت الإمارات قد نجحت في بناء هذا النموذج، فهل تمتلك سورية، بما تتمتع به من موقع استراتيجي وانفتاح متزايد، المقومات التي تؤهلها للانتقال من اقتصاد العبور إلى اقتصاد الممر؟
لقد شكّلت سورية، عبر التاريخ، نقطة التقاء طبيعية بين آسيا وأوروبا والجزيرة العربية وشرق المتوسط. واليوم، تزداد أهمية هذه الفرصة بعد رفع العقوبات الغربية عنها تدريجياً خلال عام 2025 (بما في ذلك إلغاء قانون قيصر في ديسمبر 2025). إلا أن الحديث عن تحول سورية إلى “اقتصاد ممر” لا يمكن أن يتجاهل التحديات الجيوسياسية والاقتصادية الهائلة التي تواجهها. فقد انهار الناتج المحلي الإجمالي السوري من 67.5 مليار دولار في عام 2011 إلى نحو 21.4 مليار دولار في عام 2024، وانهارت الصادرات من 18.4 مليار دولار إلى 1.8 مليار دولار فقط. وتشير تقديرات البنك الدولي الصادرة في أواخر عام 2025 إلى أن تكلفة إعادة الإعمار تبلغ نحو 216 مليار دولار.
علاوة على ذلك، تواجه سورية منافسة إقليمية شرسة على لعب دور “الممر”. فتركيا تروّج بقوة لمشروع “الممر الأوسط” (Middle Corridor) الذي يربط آسيا بأوروبا عبر آسيا الوسطى كبديل آمن. وفي الجنوب، يعمل الأردن على تطوير “ممر العقبة” بشراكة إماراتية لتعزيز قدراته اللوجستية. بينما تظل قناة السويس المصرية الممر البحري الأهم رغم التحديات الأمنية الأخيرة في البحر الأحمر. هذا يعني أن الموقع الجغرافي السوري لم يعد الخيار الوحيد، بل يجب أن يثبت تنافسيته من حيث الكفاءة والأمان والتكلفة.
في هذا السياق، تبرز الإمارات العربية المتحدة بوصفها شريكاً استراتيجياً لسورية. وقد تجلى ذلك في ارتفاع حجم التجارة غير النفطية بين البلدين إلى مستوى قياسي بلغ 1.4 مليار دولار في عام 2025 (بنمو 132%)، وتوقيع مذكرات تفاهم كبرى منها دراسة شركة “إعمار” لمشاريع عقارية وبنية تحتية في سورية تصل قيمتها إلى 19 مليار دولار. ومع ذلك، من الضروري التمييز بين “مذكرات التفاهم” والاستثمارات المنفذة فعلياً؛ ففي الدول النامية الخارجة من نزاعات، غالباً ما توجد فجوة كبيرة بين الإعلانات الاستثمارية والتنفيذ الفعلي على الأرض، بانتظار استقرار البيئة التشريعية والأمنية.
ولعل أهم ما يمكن أن تحققه هذه الشراكة هو انتقال العلاقة من تبادل رؤوس الأموال إلى نقل المعرفة التشغيلية وبناء المؤسسات. غير أن تحقيق هذه الرؤية يحمل مخاطر يجب إدارتها بحذر. فقد أثبتت تجارب دولية أن الاعتماد المفرط على رأس المال الأجنبي في البنية التحتية الحيوية دون حوكمة قوية قد يؤدي إلى مخاطر تمس السيادة الاقتصادية. التجربة السريلانكية في “ميناء هامبانتوتا” تقدم درساً قاسياً؛ حيث أدى العجز عن سداد الديون إلى تأجير الميناء لشركة صينية لمدة 99 عاماً، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول ما يُعرف بـ “فخ الديون” (Debt-Trap Diplomacy).
وبالمثل، يقدم مشروع “الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني” (CPEC) درساً في أهمية الكفاءة المؤسسية. فرغم ضخ استثمارات قُدرت بنحو 62 مليار دولار، عانت باكستان من أزمات ديون خانقة (مثل تفاقم الديون الدائرية في قطاع الكهرباء لتصل إلى 15 مليار دولار) وتأخيرات في التنفيذ. ويعزو الخبراء هذا التعثر إلى ضعف القدرة المؤسسية، والاضطرابات السياسية، وتغليب المشاريع ذات العائد السياسي السريع على المشاريع ذات الجدوى الاقتصادية المستدامة، مما حوّل الفرصة إلى عبء مالي ثقيل.
في الختام، إن الاقتصاد الحديث لا يقيس قيمة الدول بعدد السفن التي ترسو في موانئها، ولا بعدد الشاحنات التي تعبر حدودها، بل بمقدار القيمة المضافة التي تستطيع أن تولدها من كل حركة عبور. وحين تتحول الجغرافيا إلى استراتيجية تنموية، وتلتقي الرؤية بالمؤسسات القوية والسياسات الرشيدة، يصبح الموقع أصلاً اقتصادياً متجدداً. وعندها فقط، يمكن لسورية أو غيرها من الدول أن تتجنب فخ “اقتصاد العبور”، وتتجاوز مخاطر الاستثمارات غير المدروسة، لتنتقل من مجرد محطات تعبرها التجارة إلى مراكز إقليمية تسهم في صناعة القيمة وتوليد الثروة المستدامة
التعليقات مغلقة.