وكانت الإمارات موعدهما

بقلم، أكرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية قبيع، جبل لبنان، ٩ اب

وكانت الإمارات موعدهما

بقلم، أكرم مندامي زين الدين

مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

قبيع، جبل لبنان، ٩ اب ٢٠٢٦

بين الرمل والسنديان، صنع الحبر طريقًا أقصر من كل الطرق

شهادة في رجلين، أحدهما عاشها فكتبها، والآخر كتبها حتى كأنه سكنها

 

في الحياة العملية، وعلى امتداد ما يقارب عشرين عامًا من العمل والسفر، تنقلت بين بلدان كثيرة، وعبرت مطارات لا أذكر اليوم عددها، والتقيت مسؤولين ورجال أعمال وأصحاب قرار ومثقفين وكتّابًا من ثقافات وتجارب متعددة. فالإنسان، عندما يكثر سفره، يكتشف أن الوجوه تشبه أحيانًا المطارات؛ نعبرها، نقف عندها قليلًا، ثم يمضي كل منا إلى وجهته. لكن من بين كل الذين التقيتهم، بقي رجلان في مكان مختلف تمامًا من ذاكرتي، لأنني وجدت عندهما شيئًا كنت أعتقد أنني أعرفه جيدًا، ثم اكتشفت من خلالهما أنني ما زلت أتعلمه: حب الكتاب، والحرف، والمحبرة، والقلم، والأهم من ذلك كله، احترام الكلمة المسؤولة.

هما الكاتب الأستاذ محمد شمس الدين، والكاتب الأستاذ فاروق غانم خداج. رجلان مختلفان في المكان والتجربة والطريق، لكل منهما صومعته وعالمه وذاكرته. محمد شمس الدين في صومعته في دبي، وفاروق غانم خداج في صومعته في جبل لبنان؛ تفصل بينهما الجغرافيا، وربما لم تجمعهما طاولة ولم يتبادلا مصافحة، ومع ذلك فإنهما، في وجداني، اجتمعا ولم يلتقيا. جمعتهما الإمارات العربية المتحدة بأجمل ما يمكن أن يجمع كاتبين: أن ينظرا إلى المكان فلا يكتفيا بسطحه، وأن يريا الإنسان خلف العمران، والفكرة خلف الإنجاز، والذاكرة خلف اللحظة، وأن يدركا أن الكاتب لا يحمل القلم لكي يملأ الورق، بل لكي ينقذ شيئًا من الزمن من النسيان.

وكانت الإمارات موعدهما

الطاولة الخشبية

عرف الكاتب الأستاذ محمد شمس الدين أبوظبي في بداياتها، حين كانت الصحراء جزءًا أساسيًا من المشهد، وقبل أن تكتمل ملامح المدينة التي يعرفها العالم اليوم. عاش تلك المرحلة من الداخل، لا كزائر ينظر من نافذة ثم يغادر، بل كإنسان عاش بين الناس، وعرفهم، ورافق تحولاتهم، حتى خرج من تلك التجربة كاتبًا، وأصبح من نجوم الإعلام اللامعين.

وفي تلك الظروف كان يكتب. وما زالت صورة تلك الكتابة تستوقفني: رجل، وقلم، وأوراق قليلة، وطاولة من خشب، وصحراء واسعة حوله، وزمن يتحرك أمام عينيه. كان بعض أصحابه يسألونه مستغربين: ماذا تكتب؟ ومن سيقرأه؟

ربما كان السؤال طبيعيًا؛ فالإنسان، عندما يعيش الحدث يومًا بيوم، لا يدرك دائمًا أنه يعيش صفحة من التاريخ. وما يبدو اليوم تفصيلًا صغيرًا قد يصبح، بعد خمسين سنة، وثيقة لا تُقدّر بثمن.

لكن الكاتب يرى أحيانًا ما لا يراه الآخرون، لا لأنه يعرف المستقبل، بل لأنه يشعر بأن الحاضر يستحق أن يُحفظ. ولهذا استمر محمد شمس الدين في الكتابة. لم ينتظر قارئًا؛ كتب لأن أمامه تجربة إنسانية تتحرك، ولأن ذاكرة المكان، إن لم تجد من يحملها، قد تضيع في سرعة التحول.

وعندما قرأت كتابه عن أبوظبي، لم أشعر أنني أقلب صفحات كتاب فقط؛ شعرت كأنني أشاهد فيلمًا تتحرك مشاهده أمامي. كنت أرى الصحراء والكثبان والبدايات، وأرى الإنسان يحاول أن يصنع حياة في بيئة لم تكن تعطي شيئًا بسهولة. لكن أجمل ما فعله الكاتب أنه لم يجعل الصحراء خصمًا للإنسان؛ أخذ الكثبان وحوّلها بقلمه إلى طبيعة جميلة، وأخذ قسوة البدايات وجعل منها جزءًا من جمال الحكاية.

ثم تتحرك الصفحات، وكأن الكاميرا تتحرك معها: تتسع المدينة، يدخل العمران، وتتحول أبوظبي من تلك البدايات إلى مدينة كبيرة في التقدم والنمو والرقي. لكنه لم يكتب الحجر وحده، بل كتب الناس؛ كتب عن أهل أبوظبي الذين عاش بينهم أكثر من عشرين عامًا، وعن الإنسان الذي كان شريكًا في صناعة التحول. فالمدن لا تصنعها الخرسانة وحدها، والتاريخ لا تحفظه الصور الرسمية وحدها؛ تحتاج المدينة إلى من يكتب رائحتها الأولى، وأحاديث ناسها، ومخاوفهم وآمالهم.

وهكذا أصبحت تلك الطاولة الخشبية، بالنسبة إليّ، أكثر من طاولة؛ أصبحت رمزًا لرجل كان يكتب بينما من حوله يتساءلون عن جدوى ما يفعل، ثم جاء الزمن ليجيب عن سؤالهم.

الكاتب فاروق غانم خداج
الكاتب فاروق غانم خداج

الكاتب فاروق غانم خداج

المكان متقشف في مظهره، شديد الثراء في معناه. لا بهرجة، ولا شيء موضوع لكي يقول للزائر: هنا يسكن كاتب

الطريق التي لا توجد على الخرائط

ثم قادتني الحياة إلى الكاتب الأستاذ فاروق غانم خداج. كنت أعرف الكاتب قبل أن أعرف الرجل، لكن معرفتي الحقيقية به لم تبدأ من مقال ولا من كتاب، بل بدأت من طريق.

حين طلبت منه أن يرسل لي الموقع لأتمكن من الوصول إليه، أجابني ببساطة: الطريق لا توجد على الخرائط.

وكان صادقًا.

طريق وعرة، شاقة، تتعرج في الجبل حتى تشعر أنك، كلما تقدمت فيها، تبتعد عن صخب العالم وتقترب من مكان له إيقاعه الخاص. قلت يومها إنها تشبه طريق الجلجلة في وعورتها، لأن الوصول نفسه يصبح جزءًا من الزيارة. لكنها، بعدما عرفتها، لم تعد مجرد طريق صعبة إلى بيت؛ أصبحت طريقًا إلى عمق الأدب.

وفي نهاية الطريق، وسط غابة من السنديان، كان البيت. بيت عتيق بناه فاروق غانم خداج بيديه، حجرًا فوق حجر. وهذه التفصيلة وحدها جعلتني أنظر إلى المكان بطريقة مختلفة. فالبيت هنا ليس عقارًا يسكنه الكاتب، بل جزء من سيرته؛ كل حجر فيه يحمل شيئًا من الصبر، وكل زاوية تشهد على زمن بُني فيه المكان كما تُبنى الجملة الجيدة: بهدوء، وبالتدرج، وباليد، ومن دون استعجال.

دخلت البيت فوجدت مفارقة لا تزال عالقة في ذهني: المكان متقشف في مظهره، شديد الثراء في معناه. لا بهرجة، ولا شيء موضوع لكي يقول للزائر: هنا يسكن كاتب. الكتب هي التي تقول ذلك، والأوراق، والمحبرة، والمعاجم. وبعد دقائق، تشعر بأنك لست في بيت جبلي بعيد فحسب، بل في عالم من الكلمات؛ شيء يعيدك إلى مكتبات بغداد القديمة، وشيء من الشام، وشيء من زمن كان الكاتب فيه يفتح المعجم بحثًا عن الكلمة الدقيقة، لا عن الكلمة الأسهل.

وهناك فهمت فاروق بصورة لم تكن المقالات وحدها قادرة على أن تمنحني إياها. أكثر ما شدني إليه لم يكن عدد الكتب ولا اتساع الثقافة، بل التواضع؛ تواضع مجبول بحب الحرف، وبشيء أعتبره أهم من كل ذلك: عشق الكلمة المسؤولة. فالكتابة ليست دائمًا دليل ثقافة، كما أن كثرة الكلام ليست دليل معرفة. هناك من يكتب لكي يظهر، وهناك من يتعامل مع الكلمة كأمانة، يعرف أنها قد تنصف إنسانًا أو تظلمه، وتحفظ ذاكرة أو تشوهها، وتبني جسرًا أو تحرقه. وما لمسته في فاروق أن للكلمة عنده وزنًا، ولها حساب، ولها مسؤولية.

وحول البيت كانت أشجار السنديان، ولم أستطع أن أفصلها عن صورة الرجل. جذورها تضرب عميقًا في الأرض، لا تستعجل نموها، ولا تحتاج إلى أن تثبت كل صباح أنها موجودة؛ تقف، تواجه الفصول والريح والسنوات، وتبقى. وخُيّل إليّ أن شيئًا من هذه الأشجار انتقل إلى قلم فاروق:

هي تبحث في العمق عن الماء، وهو يبحث في العمق عن المعنى.

لكن البيت لم يكن فاروق وحده. كانت العائلة حاضرة، وهنا توقفت طويلًا. لأننا، عندما نقرأ كتابًا، نرى اسم الكاتب على الغلاف، ولا نرى الذين حموا له الوقت والهدوء والمساحة كي يستطيع أن يكتب. وراء كثير من أصحاب الأقلام عائلة لا توقّع أسفل المقال، لكنها موجودة بين السطور. لذلك فإن شكري للكاتب لا يكتمل من دون الشكر للبيت وللعائلة؛ لأن بعض الكتب لا يكتبها صاحبها وحده، حتى لو كان اسمه وحده على الغلاف.

السفر بالقلم

ثم جاءت المفارقة التي جعلت تجربتي مع فاروق أكثر إثارة. كنت أنظر إلى المكان الذي يعيش فيه وأسأل نفسي: من هذه الصومعة في جبل لبنان، من بيت عتيق وسط السنديان، من طريق لا توجد على الخرائط، إلى أين يسافر هذا القلم؟

وكان الجواب مذهلًا: إلى مدن تتسابق مع المستقبل.

كتب فاروق عن الإمارات العربية المتحدة؛ عن أبوظبي ودبي والشارقة، وعن قادتها وتجربتها وثقافتها وتحولاتها. وكان السؤال يزداد إلحاحًا في ذهني، لأنني أنا عشت الإمارات وعرفتها من الداخل. كنت أقرأ ما يكتبه وأسأل: كيف يستطيع رجل جالس هنا، بين سنديان جبل لبنان، أن يقترب بهذا الشكل من روح الإمارات؟ كيف يرى دبي من طريق لا تظهر على الخريطة؟

وجدت جوابًا واحدًا :

لقد سافر إليها بالقلم

فالبحث يستطيع أحيانًا أن يقطع مسافة لا تقطعها الطائرات، إذا كان الباحث أمينًا وصبورًا ويعرف ماذا يبحث عنه. كان يبحث عنها وكأنه يسكنها، وتفوق في الوصف حتى شعرت، وأنا أقرأ بعض ما كتبه، أنه يكتب من داخلها. لم تكن المسألة في معرفة أسماء المدن والإنجازات، بل في فهم الروح التي تحرك المكان: لماذا تقدمت هذه المدن؟ ماذا فعلت القيادة؟ ماذا فعل الإنسان؟ وكيف تحولت الفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى مدينة، والمدينة إلى نموذج يراقبه الآخرون؟

وعند هذه النقطة تحديدًا، اجتمع الرجلان في ذهني.

الاستاذ محمد شمس الدين رئيس تحرير مجلة استثمارات الإماراتية
الاستاذ محمد شمس الدين رئيس تحرير مجلة استثمارات الإماراتية

الاستاذ محمد شمس الدين رئيس تحرير مجلة استثمارات الإماراتية

في الصورة الأولى، محمد شمس الدين أمام طاولة خشبية في أبوظبي الأولى، أوراق قليلة وقلم، والصحراء حوله، يكتب ما يراه ويعيش التحول من داخله.

وفي الصورة الثانية، فاروق غانم خداج في بيت حجري وسط سنديان جبل لبنان، حوله الكتب والمعاجم والمحبرة، يقرأ الإمارات من بعيد ويكتب عنها حتى تشعر أن المسافة اختفت.

محمد شمس الدين كتب الإمارات لأنه عاشها، وفاروق غانم خداج كتبها لأنه بحث عنها حتى كأنه عاشها. الأول كان قريبًا من الرمل، والثاني قريبًا من السنديان.

وبين الرمل والسنديان، صنع الحبر طريقًا أقصر من كل الطرق.

البلد الذي يتسع للجميع

وهنا، بالنسبة إليّ، تكمن إحدى أجمل صور القوة الثقافية لأي وطن: ألا يقتصر تأثيره على الذين يعيشون داخله، بل أن يستطيع الوصول إلى إنسان بعيد عنه، فيبحث فيه ويقرأه ويكتب عنه، ويشعر بأن تجربته تستحق أن تُروى. فالقوة الحقيقية للمدن لا تُقاس فقط بعدد الذين يصلون إلى مطاراتها، بل أيضًا بعدد الأفكار التي تستطيع هي أن تصل إليها خارج حدودها.

فالبلد الذي يعيش على أرضه اليوم نحو مئتي جنسية، وينهل ملايين البشر من خيراته، أثبت بالوقائع، لا بالشعارات، أنه يتسع للجميع. وبلد يتسع في الداخل لمئتي جنسية، لا غرابة أن يتسع في الخارج لقلمين جاءا إليه من طريقين مختلفين: عاشه محمد شمس الدين من الداخل فحمل ذاكرته، ووصل إلى فاروق غانم خداج في صومعته بين سنديان لبنان فحمل فكرته.

ربما لهذا أثرت فيّ معرفتي بالرجلين أكثر مما توقعت. كنت أعتقد، بشيء من الأنانية الجميلة، أنني أحب الإمارات بهذه الطريقة لأنني عشتها وعرفت ناسها ومدنها وتفاصيلها. ثم التقيت الرجلين، واكتشفت أنني لست وحدي. وجدت أمامي رجلين حملا الإمارات في الكلمة، كل واحد بطريقته، ولم يحوّلا محبتها إلى مديح فارغ، بل إلى كتابة تحاول أن تقول ما تعتقد أنه حق.

وهذا هو الفارق الذي يهمني. أن تحب بلدًا لا يعني أن تمدحه في كل سطر؛ المحبة الحقيقية أكثر مسؤولية من ذلك. تعني أن تبحث، وأن تفهم، وأن تعرف لماذا نجح، وأن تكتب عنه بكلمة حق، لا بكلمة مجاملة.

فالمديح ينتهي بانتهاء المناسبة، أما الكلمة التي تحمل معرفة وتجربة فتبقى.

المستشار أكرم مندامي زين الدين

شكرًا لذلك البيت الذي بنيته حجرًا حجرًا حتى أصبح جزءًا من حكايتك

شهادة

بعد كل تلك السنوات من السفر والمطارات والمدن، اكتشفت من خلالهما شيئًا ربما كان يجب أن أتعلمه منذ زمن: ليست كل الرحلات المهمة في حياة الإنسان تحتاج إلى طائرة. بعض الرحلات تبدأ عندما تفتح كتابًا، وبعضها عندما تجلس أمام رجل يحمل ذاكرة عشرين عامًا من مكان ما، وبعضها عندما تسلك طريقًا جبلية لا توجد على الخرائط، فتكتشف في نهايتها أنك لم تكن ذاهبًا إلى منزل، بل كنت تسير نحو عمق الأدب.

ولهذا لم أرد أن تمر معرفتي بهذين الرجلين كأنها مجرد لقاءين جميلين. لم أرد صورة تذكارية ولا جملة مجاملة. شعرت أن من واجبي أن أكتب هذه الشهادة، لا لأمنحهما شهادة؛ فالكاتب لا يحتاج مني إلى شهادة. كتابه يمنحه شهادته، وقارئه يمنحه شهادته، والزمن هو الذي يمنح الكاتب، في النهاية، الشهادة التي لا يستطيع أحد أن يصنعها له.

أردت فقط أن أكون شاهدًا: شاهدًا على رجل جلس يومًا أمام طاولة خشبية يكتب أبوظبي، بينما البعض يسأله: من سيقرأ؟ وشاهدًا على رجل بنى بيته حجرًا حجرًا وسط سنديان جبل لبنان، ثم جعل قلمه يعبر الجبال والحدود ويصل إلى الإمارات. وشاهدًا أيضًا على أن خلف الكاتب عالمًا لا يظهر كله في الكتاب: خلف محمد كانت سنوات وناس وصحراء تتحول إلى مدينة، وخلف فاروق كان بيت وسنديان وطريق وعائلة ومعاجم ومحبرة. وفي الحالتين، كان هناك إنسان يحاول أن ينتزع من الزمن شيئًا قبل أن يمضي.

إلى الكاتب الأستاذ محمد شمس الدين أقول: شكرًا لأنك لم تتوقف عندما قيل لك: ماذا تكتب، ومن سيقرأ؟ لو انتصر ذلك السؤال على قلمك، لضاع شيء من ذاكرة زمن كامل. شكرًا لأنك رأيت في الكثبان أكثر من الرمل، وفي الناس أكثر من مجرد سكان مدينة.

وإلى الكاتب الأستاذ فاروق غانم خداج أقول: شكرًا لذلك البيت الذي بنيته حجرًا حجرًا حتى أصبح جزءًا من حكايتك، وللسنديان الذي يحرس صومعتك بصمته، وللمعاجم والمحبرة التي جعلت المسافة بين جبل لبنان والإمارات أقصر مما تقول الخرائط، وشكرًا لعائلتك التي وقفت إلى جانبك؛ لأن وراء القلم الذي نقرأه أيدٍ وقلوبًا لا نراها، لكنها جزء من كل كلمة استطاع الكاتب أن يمنحها للعالم.

وأرى بين الصورتين الإمارات

اليوم، عندما أضع الرجلين في مشهد واحد، أرى صورتين لا أريد لذاكرتي أن تفقدهما.

أرى الكاتب الأستاذ محمد شمس الدين في صومعته في دبي، وخلفه ذاكرة أبوظبي الأولى: الصحراء، والطاولة الخشبية، وأصدقاء يسألون: من سيقرأ؟ ثم مدينة تنهض أمامه عامًا بعد عام.

وأرى الكاتب الأستاذ فاروق غانم خداج في صومعته في جبل لبنان: الطريق التي لا توجد على الخرائط، والبيت الذي بناه حجرًا حجرًا، والسنديان، والمعاجم، والعائلة، ثم قلمًا يخرج من تلك العزلة ليكتب أبوظبي ودبي والشارقة والإمارات وقادتها وتحولاتها.

وكانت الإمارات موعدهما
وكانت الإمارات موعدهما

أكرم مندامي زين الدين

قد تتغير المدن، وتتحول الصحراء إلى عاصمة، وتسقط أوراق السنديان ثم تعود

وأرى بين الصورتين الإمارات.

ليست نقطة على الخريطة بين رجلين، بل جسرًا فكريًا بينهما؛ بلاد الخير، والفكر، والثقافة، والتقدم، والحضارة، والمستقبل. بلد استطاع أن يجعل رجلًا عاش تجربته يكتب كي لا ينساها الزمن، ورجلًا بعيدًا عنه يكتب لأنه أراد أن يفهمها.

وهذه ليست مسألة صغيرة؛ إنها إحدى العلامات التي تدل على أن تجربة ما تجاوزت حدودها الجغرافية، وأصبحت جزءًا من سؤال ثقافي أوسع: كيف تتحول المجتمعات؟ كيف يصبح المستقبل مشروعًا؟ وكيف يستطيع الإنسان أن ينتقل من صعوبة البدايات إلى رحابة الإنجاز من دون أن يفقد ذاكرته؟

قد تتغير المدن، وتتحول الصحراء إلى عاصمة، وتسقط أوراق السنديان ثم تعود، وتصبح الطاولة الخشبية قطعة من الذاكرة. لكن الكلمة الصادقة تملك قدرة غريبة على مقاومة كل ذلك؛ تبقى عندما تتغير الصور، وتعيد إلى المدينة بداياتها عندما تنسى، وتحفظ للإنسان مكانه عندما يطغى الحجر على الذاكرة.

ولعل هذا هو السر الذي جمع، في وجداني، الرجلين: كلاهما عرف، بطريقته، أن السؤال الحقيقي الذي يجب أن يقلق الكاتب ليس:

من سيقرأني؟

بل:

هل ما أكتبه اليوم يستحق أن يبقى عندما نصبح نحن أنفسنا جزءًا من الذاكرة؟

عند هذا السؤال تحديدًا، تتوقف الكتابة عن أن تكون حبرًا على ورق، ويبدأ الأدب.

أما اللقاء الذي لم يحدث بين الرجلين، فقد حدث على الورق.

وكانت الإمارات موعدهما.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com