خبراء وإعلاميون يحذرون من فوضى المحتوى الرقمي: الصحة النفسية ليست “تريند”.. والعقل النقدي هو خط الدفاع الأول

أكد خبراء في الإعلام والصحة النفسية أن الانتشار الواسع للمحتوى الرقمي على منصات التواصل الاجتماعي بات يشكل تحديًا حقيقيًا للوعي المجتمعي، محذرين من خطورة تحول المعلومات النفسية إلى “تريند” يفتقر في كثير من الأحيان إلى الدقة العلمية، وسط دعوات لبناء عقل نقدي قادر على التحقق من المعلومات والتمييز بين المحتوى الموثوق والمضلل.

جاء ذلك خلال الجلسة الثالثة من مؤتمر “الكلمة بتفرق”، التي عقدت تحت عنوان “بين التريند والواقع.. كيف يؤثر المحتوى الرقمي على الصحة والوعي النفسي”، بمشاركة نخبة من الإعلاميين والمتخصصين، حيث ناقشوا التأثير المتنامي لمنصات التواصل الاجتماعي على تشكيل وعي الجمهور، خاصة بين الشباب، الذين باتوا يعتمدون على “تيك توك” و”يوتيوب” والبودكاست وغيرها كمصادر رئيسية للمعلومات المتعلقة بالصحة النفسية.

وأدارت الجلسة الأخصائية النفسية هبة خالد، بمشاركة الإعلامية دينا عبد الكريم، والممثل والناشط في مجال الصحة النفسية مينا النجار، والخبيرة الإعلامية والمؤلفة مريم فرج، ورغدة السيد، مؤسسة ورئيسة تحرير منصة “النساء” (El-Shai).

 

دينا عبد الكريم: الأزمة ليست في المنصات.. بل في غياب التفكير النقدي

أكدت الإعلامية دينا عبد الكريم أن وسائل الإعلام الرقمية أصبحت المصدر الأول للمعلومات لدى قطاعات واسعة من الجمهور، إلا أن مصداقية ما يُنشر تظل مرتبطة بقدرة المتلقي على التحقق من المصادر، مشيرة إلى أن سهولة إنتاج المحتوى أدت إلى حالة من الفوضى المعلوماتية.

وشددت على أن الحل لا يكمن في فرض القيود أو منع المحتوى، وإنما في تنمية العقل النقدي، حتى يصبح المستخدم قادرًا على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمحتوى المضلل، خاصة مع خوارزميات المنصات التي تدفع بالمحتوى الأكثر إثارة بغض النظر عن دقته.

وأضافت أن تناول قضايا الصحة النفسية في الدراما المصرية شهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، وأصبح أكثر احترامًا ووعيًا، مؤكدة أن المحتوى الهادف يمكن أن يكون جذابًا ويحقق انتشارًا دون التضحية بالمهنية.

مينا النجار: من هو المؤثر الحقيقي؟

من جانبه، أثار الفنان مينا النجار تساؤلًا حول مفهوم التأثير الحقيقي في العصر الرقمي، مؤكدًا أن المحتوى غير الدقيق قد يحصد ملايين المشاهدات بسبب طريقة تقديمه، رغم افتقاره للأساس العلمي.

وأشار إلى أن خوارزميات مواقع التواصل تعيد باستمرار تقديم المحتوى المتوافق مع اهتمامات المستخدم، ما يضعه داخل دائرة مغلقة قد تعزز الأفكار الخاطئة، لافتًا إلى أن الإعلام وصناع المحتوى يتحملون مسؤولية كبيرة في تشكيل الوعي العام.

مريم فرج: الذكاء الاصطناعي زاد صعوبة التمييز بين الحقيقة والزيف

وأكدت الخبيرة الإعلامية والمؤلفة مريم فرج أن الخطر الحقيقي لا يكمن في المحتوى نفسه، وإنما في غياب ثقافة التحقق من المعلومات، موضحة أن خوارزميات المنصات لا تكافئ الجودة بقدر ما تكافئ التفاعل.

وأضافت أن التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي جعل من الصعب أحيانًا التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصطنع، محذرة من لجوء بعض المستخدمين إلى أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها بديلًا عن الطبيب النفسي.

كما شددت على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول، وأن الطفل الذي لا يجد مساحة آمنة للحوار داخل منزله سيلجأ حتمًا إلى الإنترنت بحثًا عن إجابات قد تكون مضللة أو غير متخصصة.

رغدة السيد: معادلة صعبة بين الانتشار والمسؤولية

بدورها، أوضحت رغدة السيد أن من أخطر الظواهر الحالية انتشار التشخيص الذاتي للأمراض النفسية اعتمادًا على مقاطع الفيديو المتداولة عبر الإنترنت، رغم أن كثيرًا من الأعراض قد تكون استجابات طبيعية للحياة اليومية.

وأكدت أن الموازنة بين تحقيق نسب مشاهدة مرتفعة والالتزام بالمسؤولية التحريرية تعد من أصعب التحديات التي تواجه المؤسسات الإعلامية وصناع المحتوى، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تدفع أحيانًا نحو المحتوى الأكثر جذبًا للجمهور.

وأضافت أن الجهل لم يعد مرتبطًا بعدم القراءة والكتابة فقط، بل أصبح يتمثل أيضًا في تصديق أشخاص غير متخصصين يقدمون أنفسهم باعتبارهم خبراء، داعية إلى ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات.

دعوة لبناء وعي رقمي مسؤول

واتفق المشاركون على أن مواجهة فوضى المعلومات لا تتحقق عبر المنع أو الرقابة، وإنما من خلال تعزيز الثقافة الإعلامية، وتنمية التفكير النقدي، وترسيخ الحوار داخل الأسرة، إلى جانب رفع مستوى المسؤولية المهنية لدى وسائل الإعلام وصناع المحتوى.

وأكدوا أن الصحة النفسية ليست قضية عابرة أو “تريند” رقمي، بل ملف مجتمعي يحتاج إلى خطاب إعلامي مسؤول يعتمد على المعرفة العلمية والمصداقية، بما يسهم في حماية الجمهور، خاصة الأطفال والمراهقين، من المعلومات المضللة والمفاهيم المغلوطة.

ويُنظم مؤتمر “الكلمة بتفرق” مركز الدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية (CEDEJ) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في مصر ومهرجان MedFest Egypt، بهدف تعزيز الحوار بين الإعلاميين والمتخصصين وتطوير خطاب إعلامي أكثر وعيًا وإنسانية تجاه قضايا الصحة النفسية وتمكين المرأة.

التعليقات مغلقة.

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com