رشفةُ قهوة… وصباحٌ يليق بالإمارات

بقلم: أكرم مندامي زين الدين مستشار وخبير في الشؤون الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية

،
هناك صباحاتٌ تمر كما تمر سواها، تُرتشف فيها القهوة على عجل، وتُطوى الصحف كما تُطوى الأيام. وهناك صباحاتٌ أخرى، لا توقظنا الشمس، بل توقظنا المعاني. صباحاتٌ يتوقف فيها الزمن قليلًا، ويجلس الإنسان قبالة فنجانه صامتًا، كأن بينه وبين الخبر حديثًا لا يسمعه أحد.
هذا كان واحدًا من تلك الصباحات.

وضعتُ فنجان القهوة أمامي، ومددتُ يدي إليه كما أفعل كل يوم، لكن قبل أن تبلغ الرشفة شفتي، سبقني الخبر إلى قلبي. شعرتُ وكأن قلمي، الذي أثقلته الأيام، وأرهقته كثرة ما كتب عن عالمٍ تتزاحم فيه الحروب على حساب الإنسان، قد استيقظ فجأة من سباته. لم يكن الذي استيقظ هذا الصباح أنا وحدي… بل قلمي أيضًا. وكأن الخبر مرّ على المحبرة قبل أن يمرّ على عيني، فأيقظ الحبر من سكونه، وأعاد إلى الحروف شهيتها للكلام.
أدركت أن الحبر لا يجف من كثرة الكتابة، بل من قلة الأخبار التي تستحق أن تُكتب.

ولم يكن الأمر لأن دولةً نالت جائزة، فالأوسمة تُمنح كل يوم، والتكريمات تملأ نشرات الأخبار. لكن بعض الجوائز لا تُكرّم إنجازًا عابرًا، بل تُوثّق مسيرة. وبعض الاعترافات لا تضيف إلى الدول مكانةً جديدة، بل تعلن أمام العالم مكانةً صنعتها سنواتٌ طويلة من الرؤية والعمل.

وحين قرأت أن دولة الإمارات العربية المتحدة تصدرت، إلى جانب المملكة المغربية، أول تكريم دولي يُعلن ضمن احتفالات الولايات المتحدة بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلالها، بمنحها جائزة «وعد المؤسسين» في دورتها التأسيسية الأولى، خلال جلسة رسمية استضافها مبنى مجلس الشيوخ الأميركي في واشنطن، شعرت أن الخبر أكبر من عنوانٍ صحفي، وأعمق من صورةٍ تلتقطها عدسات المصورين. كان اعترافًا بأن هناك دولًا لا تُقاس فقط بما تبنيه من مدن، بل بما تبنيه في وجدان الإنسان.

فأن تُكرَّم دولة الإمارات العربية المتحدة، لأنها جعلت من الحرية الدينية، والمواطنة المتساوية، وصون كرامة الإنسان، وحماية حقوق الأقليات، وثقافة التعايش والسلام، سياساتٍ ومؤسساتٍ وممارسةً يومية، فذلك يعني أن العالم لم يعد ينظر إلى التنمية بوصفها إسمنتًا وحديدًا، بل بوصفها إنسانًا يعيش آمنًا، ويحيا كريمًا، ويجد مكانه تحت سقف وطنٍ يتسع للجميع.

 

لقد تعلّمت من الحياة أن الأبراج قد ترتفع في سنوات، والموانئ قد تُشيَّد، والاقتصادات قد تنمو، لكن بناء الثقة يحتاج إلى زمنٍ أطول، وإلى رجال دولة يفهمون أن الاحترام الدولي لا يُستورد، ولا يُشترى، ولا يُفرض، بل يُبنى حجرًا فوق حجر، وقيمةً فوق قيمة. والإنجاز الحقيقي لا يعلو صوته، ولا يحتاج إلى من يصفق له، يمشي بهدوء، حتى إذا التفت إليه العالم، وجده قد سبق الجميع بخطوات.

 

وهنا، توقفت طويلًا عند معنى الجائزة، لا عند اسمها. فأن تكون أول جائزة دولية تُمنح ضمن احتفالات تحمل رمزية مرور مئتين وخمسين عامًا على ميلاد الولايات المتحدة، وأن يُكتب اسم الإمارات في الصفحة الأولى من هذا السجل، فذلك ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة تقول إن الأمم التي تستثمر في الإنسان، تترك أثرها في ذاكرة التاريخ.

 

أنهيتُ فنجان القهوة، لكن بقي في داخلي شيءٌ من دفئه. نظرت إلى قلمي، فابتسمت. لم يكن الحبر قد جف كما ظننت، ولم تكن المحبرة قد خلت من أسرارها، بل كانت تنتظر خبرًا يوقظها. واليوم… استيقظت.
وعرفت أن بعض الصباحات لا تُقاس بعدد الساعات، بل بما توقظه فينا من يقين. وأن بعض الأخبار لا تُقرأ، بل تُرتشف كما تُرتشف القهوة ببطء، لتبقى رائحتها عالقةً في الذاكرة طويلًا.
ذلك كان صباحًا… يليق بالإمارات.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com