سباق خلافة غوتيريش.. هل تنجح إفريقيا في انتزاع قيادة الأمم المتحدة؟
مع اقتراب انتهاء الولاية الثانية للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بنهاية عام 2026، تتجه الأنظار إلى السباق لاختيار الأمين العام العاشر للمنظمة الدولية، في ظل ظروف دولية معقدة تتسم بتصاعد التوترات الجيوسياسية، واحتدام المنافسة بين القوى الكبرى، وتزايد المطالب بإصلاح منظومة الحوكمة العالمية. وفي هذا السياق، تسعى إفريقيا إلى استثمار اللحظة التاريخية لتعزيز حضورها في قيادة المؤسسات الدولية، من خلال الدفع بمرشحين يمثلان القارة في المنافسة الحالية.
حضور إفريقي يعكس طموحات متزايدة
تشهد المنافسة ترشح شخصيتين إفريقيتين هما الرئيس السنغالي السابق ماكي سال، والدبلوماسي الأوغندي أولارا أوتونو، ضمن قائمة تضم سبعة مرشحين لخلافة غوتيريش.
ويعكس هذا الحضور تنامي طموحات القارة الإفريقية للحصول على تمثيل أكبر في مواقع صنع القرار الدولي، خاصة مع تزايد وزنها السياسي والديموغرافي، وتصاعد مطالبها بإصلاح المؤسسات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة ومجلس الأمن.
أهمية المنصب في مرحلة دولية حساسة
يُعد منصب الأمين العام للأمم المتحدة أحد أبرز المناصب القيادية في النظام الدولي، إذ يتجاوز دوره الإدارة اليومية للمنظمة إلى قيادة جهود الوساطة الدولية، وإدارة الأزمات، ودعم عمليات حفظ وبناء السلام، والتعامل مع الملفات العالمية مثل تغير المناخ والتنمية المستدامة والذكاء الاصطناعي.
وتكتسب عملية اختيار الأمين العام الجديد أهمية مضاعفة، نظراً لتزامنها مع تحديات غير مسبوقة تواجه النظام متعدد الأطراف، ما يجعل هوية الأمين العام المقبل ذات تأثير مباشر على مستقبل الدبلوماسية الدولية خلال السنوات المقبلة.
ماكي سال.. خبرة سياسية وشبكة علاقات واسعة
يعتمد الرئيس السنغالي السابق ماكي سال على سجل سياسي يمتد لسنوات، شغل خلالها رئاسة السنغال ورئاسة الاتحاد الإفريقي، وبرز اسمه في ملفات إصلاح النظام المالي العالمي وتعزيز دور دول الجنوب.
وتمنحه خبرته القيادية وعلاقاته الدولية فرصاً لتعزيز حضوره في السباق، إلا أن ترشيحه يواجه تحديات تتعلق بغياب إجماع إفريقي كامل حوله، فضلاً عن ضرورة كسب تأييد القوى الكبرى داخل مجلس الأمن.
أولارا أوتونو.. خبرة أممية عميقة
في المقابل، يستند الدبلوماسي الأوغندي أولارا أوتونو إلى مسيرة طويلة داخل الأمم المتحدة، حيث شغل مناصب رفيعة أبرزها وكيل الأمين العام، كما تولى ملفات متعلقة بالأطفال والنزاعات المسلحة.
وتمنحه خبرته المؤسسية ميزة مهمة، إلا أن محدودية حضوره السياسي مقارنة ببعض المنافسين قد تشكل تحدياً في سباق تحكمه التوازنات الدبلوماسية الدولية.
تجارب إفريقية تركت بصمة
سبق للقارة الإفريقية أن قادت الأمم المتحدة عبر شخصيتين بارزتين؛ المصري بطرس بطرس غالي الذي تولى المنصب بين عامي 1992 و1996، والغاني كوفي عنان الذي شغل المنصب بين عامي 1997 و2006.
ورغم أن التجربتين عززتا الحضور الإفريقي داخل المنظمة، فإنهما أظهرتا أيضاً أن الأمين العام يظل مقيداً بتوازنات القوى الدولية، ولا يستطيع منفرداً إعادة توجيه سياسات الأمم المتحدة بما يتوافق مع أولويات قارته.
اختبار لقدرة إفريقيا على التوحد
ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر لا يتمثل فقط في امتلاك مرشحين يتمتعان بالكفاءة والخبرة، بل في قدرة الدول الإفريقية على توحيد موقفها خلف مرشح واحد، بما يعزز فرصه في مواجهة المنافسة الدولية.
فنجاح أي مرشح لا يعتمد على الدعم الإقليمي وحده، بل يتطلب توافقاً واسعاً، خاصة من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، التي تمتلك حق النقض (الفيتو) وتلعب الدور الحاسم في اختيار الأمين العام.
بين الطموح والواقع
يمثل سباق خلافة غوتيريش فرصة جديدة لإفريقيا لإثبات قدرتها على الانتقال من المطالبة بتمثيل أكبر داخل مؤسسات الحوكمة العالمية إلى التأثير الفعلي في صناعة القرار الدولي. غير أن تحقيق هذا الهدف سيظل مرهوناً بقدرة القارة على توحيد مواقفها، وبناء توافق دولي حول مرشح يحظى بثقة القوى المؤثرة في النظام الدولي، في واحدة من أكثر المنافسات حساسية في تاريخ الأمم المتحدة.
التعليقات مغلقة.