مصر تلوّح بـحق الدفاع الشرعي في أزمة سد النهضة.. هل دخل ملف النيل مرحلة جديدة؟
في تصعيد دبلوماسي وقانوني لافت، رفعت مصر سقف تحذيراتها بشأن تداعيات سد النهضة الإثيوبي، مع تلويح وزير الخارجية بدر عبد العاطي باللجوء إلى المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة الخاصة بحق الدفاع الشرعي عن النفس، إذا أدى أي تحرك إلى إلحاق ضرر بتدفق مياه النيل. ويعكس هذا الموقف انتقال الخطاب المصري بشأن الأزمة من التحذير السياسي والدبلوماسي إلى التأكيد على الاحتفاظ بأدوات قانونية لحماية الأمن المائي، الذي وصفته القاهرة بأنه قضية وجودية في وقت لا تزال فيه الخلافات مع أديس أبابا بشأن قواعد تشغيل السد وإدارة تدفقات النيل قائمة.
تحذير مصري بسقف قانوني أعلى
قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، في حديث تلفزيوني مساء الثلاثاء، إنه «إذا حدث أي ضرر من شأنه أن يعوق تدفق المياه، فلنا الحق في الدفاع عن أنفسنا، وفقاً للقانون الدولي»، مستشهداً بالمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.
وتنص المادة 51 على الحق الطبيعي للدول، بصورة فردية أو جماعية، في الدفاع عن النفس إذا وقع «اعتداء مسلح» على أحد أعضاء الأمم المتحدة، مع إلزام الدول بإبلاغ مجلس الأمن بالإجراءات المتخذة، على أن تتوقف هذه الإجراءات عندما يتخذ المجلس التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين.
وتكتسب الإشارة المصرية إلى هذه المادة أهمية خاصة، باعتبارها من أكثر النصوص القانونية ارتباطاً باستخدام القوة في إطار القانون الدولي، ما يجعل التلويح بها في سياق أزمة سد النهضة رسالة تتجاوز التحذيرات الدبلوماسية التقليدية.
الأمن المائي قضية وجودية
عبد العاطي أكد خلال المقابلة أن قضية الأمن المائي تمثل الأولوية الأكثر إلحاحاً بالنسبة إلى مصر في الوقت الراهن، واصفاً إياها بأنها تهديد وجودي لمصر، بل تتجاوز في أهميتها مفهوم الأمن القومي بالنظر إلى طبيعتها المرتبطة بالحياة والوجود.
وتأتي هذه التصريحات بعد سلسلة مواقف مصرية متصاعدة خلال الأسابيع الأخيرة، شددت خلالها القاهرة على رفض أي تحركات إثيوبية من شأنها التأثير في تدفقات مياه النيل إلى دولتي المصب، مصر والسودان.
وكان مصدر مصري مسؤول قد أكد منتصف أغسطس أن بلاده لن تقبل ولن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات مياه نهر النيل لدول المصب مشيراً إلى أن أدوات الدولة المصرية متعددة وقادرة على الدفاع عن مصالحها في نهر النيل.
وجاء التصريح رداً على تصريحات منسوبة إلى وزير المياه والطاقة الإثيوبي بشأن إمكانية بناء سدود إضافية على النيل والسيطرة على تدفقات المياه المتجهة إلى دولتي المصب.
ماذا تعني المادة 51؟
يرى أستاذ القانون الدولي العام محمد محمود مهران أن تصريحات وزير الخارجية المصري تمثل إشارة إلى احتفاظ القاهرة بحقها في تفعيل المادة 51 واتخاذ الإجراءات التي تراها ضرورية لحماية أمنها المائي.
ويعتبر مهران أن استخدام هذه الصيغة يمثل أحد أعلى مستويات الخطاب الدبلوماسي المصري منذ اندلاع أزمة سد النهضة، لكنه يلفت في الوقت نفسه إلى أن التفسير التقليدي للمادة 51 يرتبط بوقوع هجوم مسلح فعلي، وليس بمجرد وجود تهديد أو احتمال لوقوع ضرر مائي.
ويشير إلى أن بعض اتجاهات الفقه الدولي المعاصر تناقش توسيع مفهوم الضرر الذي قد يمس الموارد الحيوية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتهديدات جسيمة لمورد لا غنى عنه مثل المياه.
وفي المقابل، تظل مسألة اعتبار أي ضرر محتمل لتدفقات النيل هجوماً مسلحاً من أكثر النقاط القانونية تعقيداً، إذ لا يكفي مجرد الاستناد إلى المادة 51 وحده لحسم مشروعية أي إجراء، بل ترتبط المسألة بطبيعة الضرر ودرجة خطورته والظروف التي وقع فيها ومدى توافق الرد مع قواعد القانون الدولي.
أدوات قانونية ودبلوماسية
وبحسب مهران، فإن الخيارات المتاحة أمام مصر لا تقتصر على المادة 51، إذ يمكن أن تشمل اللجوء إلى مجلس الأمن الدولي لعرض أي تهديد للأمن المائي باعتباره قضية تمس السلم والأمن الدوليين، إلى جانب استخدام الآليات الأممية والدبلوماسية والقانونية الأخرى.
ويشير إلى إمكانية الاستفادة من الجمعية العامة للأمم المتحدة، وطلب رأي استشاري من محكمة العدل الدولية، فضلاً عن تفعيل قواعد المسؤولية الدولية في حال ثبوت وقوع أضرار تستوجب التعويض.
وتعكس هذه الخيارات، في حال اللجوء إليها، رغبة القاهرة في إبقاء تحركاتها ضمن إطار المؤسسات والقواعد الدولية، بالتوازي مع رفع كلفة أي إجراءات أحادية قد تؤثر في حقوق دولتي المصب.
لماذا تتصاعد لهجة القاهرة الآن؟
يرى نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية صلاح حليمة أن التصريحات المصرية الأخيرة تنطلق أساساً من اعتبارات الأمن والاستقرار وحماية الحياة والوجود في دولتي المصب، معتبراً أن وقوع ضرر جسيم بالمياه يمكن أن يخلق تهديداً مباشراً للسكان.
ويقول إن التلويح بالمادة 51 يؤكد، من وجهة النظر المصرية، التزام القاهرة بالقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية في مواجهة ما تعتبره إجراءات أحادية قد تهدد أمنها المائي.
وتأتي هذه اللهجة في وقت ما زالت فيه القاهرة وأديس أبابا على خلاف بشأن إدارة وتشغيل سد النهضة وقواعد التعامل مع تدفقات النيل، بينما تؤكد مصر بصورة متكررة ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم يحفظ مصالح دولتي المصب.
من التفاوض إلى خيارات الدولة
ويشير التصعيد اللفظي الأخير إلى تحول مهم في إدارة القاهرة للأزمة؛ فبعد سنوات من التركيز على المفاوضات والمسارات الإقليمية والدولية، بات الخطاب المصري يتضمن بصورة أكثر وضوحاً التأكيد على امتلاك أدوات أخرى للدفاع عن الأمن المائي.
ومع ذلك، فإن التلويح بحق الدفاع الشرعي لا يعني بالضرورة أن قراراً باستخدام القوة قد اتُخذ، بل يمكن قراءته باعتباره رسالة ردع سياسية وقانونية، مفادها أن مصر تعتبر أي تهديد جسيم لتدفقات النيل مسألة تتجاوز الخلاف الفني حول تشغيل سد، لتلامس أحد أكثر ملفات الأمن القومي حساسية لديها.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كان هذا التصعيد سيدفع الأطراف إلى استئناف مفاوضات جادة تفضي إلى ترتيبات ملزمة، أم أن أزمة النيل ستنتقل إلى مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها الحسابات السياسية والقانونية والأمنية.
التعليقات مغلقة.