تشهد الساحة الدولية تحولاً متسارعاً من المواجهة العسكرية إلى مرحلة إعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية، عقب الاتفاق المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تتصاعد فيه الخلافات بين واشنطن وتل أبيب بشأن ترتيبات “اليوم التالي”، وسط تحركات دبلوماسية أمريكية واسعة لاحتواء تداعيات الاتفاق وطمأنة الحلفاء الخليجيين، بالتزامن مع مؤشرات على استئناف تدريجي للملاحة في مضيق هرمز، وتطورات ميدانية متسارعة في لبنان، وضغوط تشريعية داخل الكونغرس لتقييد أي تحرك عسكري أمريكي مستقبلي ضد طهران.
وبدأت ملامح التباين الأمريكي الإسرائيلي بالظهور إلى العلن، بعدما أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتراضه على آلية إنهاء الحرب والتفاهمات التي أبرمتها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع إيران، بينما دافع مسؤولون وحلفاء للرئيس الأمريكي عن الاتفاق، معتبرين أنه يحقق المصالح الأمنية الأمريكية ويمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وفي إطار احتواء تداعيات الاتفاق، بدأ وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جولة خليجية استهلها بزيارة دولة الإمارات العربية المتحدة، قبل أن يتوجه إلى الكويت والبحرين، حيث يجري مباحثات مع قادة ومسؤولي دول مجلس التعاون الخليجي حول الضمانات الأمنية وآليات تنفيذ التفاهمات الجديدة، إضافة إلى مستقبل الأمن الإقليمي بعد انتهاء العمليات العسكرية.
وعلى صعيد الملاحة البحرية، تتجه الأوضاع في مضيق هرمز نحو انفراجة تدريجية، بعدما أعلنت سلطنة عُمان، بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، فتح ممر بحري مؤقت لعبور السفن التجارية وناقلات الطاقة، وهو ما انعكس ببدء عبور ناقلات الغاز المرتبطة بدولة قطر واستئناف الحركة بشكل تدريجي.
في المقابل، أكد كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف أن بلاده ستتولى إدارة المضيق بما يتوافق مع أحكام القانون الدولي، مشدداً على أن حركة الملاحة “لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب”، مشيراً إلى تشكيل فريق عمل مشترك بين إيران وسلطنة عُمان لوضع تصور مستقبلي لإدارة الممر الملاحي بمشاركة الدول المطلة على الخليج.
وتراقب الأسواق العالمية هذه التطورات عن كثب، وسط توقعات بانعكاس استئناف الملاحة على أسعار النفط، فيما حذرت شركات تكرير أمريكية من أن تصريف الشحنات المتراكمة في المضيق سيستغرق وقتاً قبل عودة الإمدادات إلى مستوياتها الطبيعية.
وفي لبنان، يتواصل المساران السياسي والميداني بالتوازي، حيث انطلقت في واشنطن جولة جديدة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية غير المباشرة، بينما ربط الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم استقرار الجبهة الجنوبية بانسحاب إسرائيل الكامل وفق جدول زمني واضح، يقابله انتشار الجيش اللبناني على طول الحدود.
ميدانياً، شهد جنوب لبنان خرقاً جديداً لاتفاق وقف إطلاق النار أسفر عن مقتل شخصين بنيران إسرائيلية، في حادثة وصفها حزب الله بأنها انتهاك خطير للاتفاق، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف عناصر مسلحة اعتبرها تهديداً مباشراً لقواته داخل المنطقة الأمنية.
وفي الولايات المتحدة، صعّد الكونغرس ضغوطه على البيت الأبيض، بعدما أقر مجلس الشيوخ مشروع قانون يقيد صلاحيات الرئيس العسكرية، ويلزمه بالحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس قبل تنفيذ أي عمليات عسكرية جديدة ضد إيران، في خطوة تعكس تنامي المعارضة الداخلية لأي تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط.
في المقابل، واصل الرئيس دونالد ترامب الدفاع عن استراتيجيته، مؤكداً أن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيدخلون المواقع النووية الإيرانية “في الوقت المناسب”، رغم نفي طهران السماح حالياً بتفتيش المنشآت المتضررة، كما لوّح بتقليص المساعدات الدفاعية المقدمة لبعض دول حلف شمال الأطلسي “الناتو” التي لم تدعم العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة ضد إيران.
وفي تطورات موازية، تعرضت ثلاثة بنوك إيرانية لهجمات إلكترونية منسقة أدت إلى تعطيل واسع في خدمات البطاقات المصرفية، بالتزامن مع إعلان السلطات الإيرانية إعادة فتح الجزء الغربي من المجال الجوي، في مؤشر على عودة تدريجية للحركة الجوية.
وعلى الصعيد الرياضي، اتخذت الإدارة الأمريكية خطوة وصفت بالإيجابية، بعدما خففت قيود السفر المفروضة على بعثة المنتخب الإيراني لكرة القدم المشارك في بطولة كأس العالم 2026، بما يسمح للفريق بدخول الولايات المتحدة قبل موعد مباراته المقبلة بيومين، في إشارة إلى فصل المسار الرياضي عن التوترات السياسية المستمرة بين البلدين.
التعليقات مغلقة.