ميشيل قسطندي مدرسة المهندس الذي يرى
ميشيل قسطندي… مدرسة المهندس الذي يرى المبنى قبل أن يُبنى
بقلم: محمد أحمد فؤاد أمين خبير ومستشار في الاستثمار العقاري
…..
في عملي في الاستثمار العقاري، أقف كل يوم أمام مبانٍ اكتمل تشييدها منذ سنوات، فأقرأ فيها ما لا تقوله الكتيّبات التسويقية: جدارٌ يشكو الرطوبة، ومصعدٌ أنهكته الأعطال، ومساحاتٌ صُمّمت لتُباع لا لتُسكن. وفي المقابل، أصادف مباني تمضي عليها السنون فلا تزداد إلا رسوخاً، كأن من شيّدها كان يفكر في يومها العاشر قبل يومها الأول.
ومن هذا الصنف الثاني تحديداً أقرأ تجربة الباشمهندس ميشيل قسطندي، مالك شركة «توت عنخ آمون للمقاولات»؛ رجلٌ جمع في مسيرته ثلاث خبرات قلّما تجتمع في شخص واحد: علمَ المهندس، ومراسَ المقاول، وبصيرةَ المطوّر.
ولعلّ في اسم شركته ما يستحضر أقدم مدرسة للبناء عرفها التاريخ؛ مدرسة أجدادٍ شيّدوا ليبقى ما شيّدوه، فظلّت أعمالهم شاهدة عليهم آلاف السنين. وهو معنى يليق بمن يرى في المبنى مسؤولية تمتد إلى ما بعد يوم التسليم.
ثلاث عيون على مشروع واحد

يسأل المهندس: هل يقوم البناء ويصمد؟ ويسأل المقاول: كيف يُنفَّذ، وبأي كلفة، وفي أي زمن؟ ويسأل المطوّر: لمن نبني، وماذا سيبقى بعد التسليم؟
كثير من المشاريع لا تتعثر لنقص في الكفاءة، بل لأن هذه الأسئلة يطرحها أشخاص مختلفون، في مراحل مختلفة، لا يسمع أحدهم الآخر. أما حين تجتمع في عقل واحد، فيتحول المشروع من سلسلة تسليمات بين أطراف متباعدة إلى فكرة متصلة، تمتد من الخط الأول على الورق حتى المفتاح في يد الساكن.
الموقع… حيث تُختبر النظريات
المقاولات هي المدرسة الأقسى في هذه المهنة. على الورق تبدو الحلول كلها ممكنة، وفي الموقع ينكشف الفارق بين ما يُرسم وما يُصبّ. هناك تتشابك المواد والمواصفات والجداول الزمنية والميزانيات، ويصبح لكل قرار ثمن يُدفع في مكان آخر من المشروع.
ومن عاش هذا الاختبار يحمل إلى طاولة التصميم حسّاً واقعياً نادراً: لا يرسم ما لا يُنفَّذ، ولا يعد بما لا يُسلَّم. وهذا ما أقدّره في تجربة قسطندي؛ أن المعرفة الهندسية عنده مرّت بامتحان التنفيذ، فخرجت أكثر صلابة وأقل ادعاءً.
القرار الفني قرار اقتصادي
اختيار مادة العزل أو نظام التكييف أو نوع الواجهة ليس تفصيلة فنية تُحسم في مكتب التصميم ثم تُنسى؛ إنه قرار يمتد أثره في فواتير التشغيل، ونفقات الصيانة، وقيمة العقار يوم يُعرض للبيع من جديد.
وهنا يكمن جوهر «المهندس المطوّر»: أن يدرك أن الحل الأرخص اليوم قد يكون الأغلى بعد خمس سنوات، وأن يملك شجاعة الدفاع عن الحل الأنسب لا الأسهل. ومن موقعي مستشاراً يؤمن بأن حماية رأس المال تسبق مطاردة العائد، أرى في هذه المفاضلة الرشيدة ما يحفظ للمشتري ماله، وللعقار قيمته، وللمطوّر سمعته.
الجودة توقيعٌ لا يُمحى
الجودة لا تُضاف في مرحلة التشطيب كطبقة طلاء أخيرة. إنها تبدأ من سلامة الفكرة ووضوح التصميم، وتمرّ بدقة المواصفة وأمانة التنفيذ، ثم تنكشف حقيقتها في الاستخدام اليومي: في كفاءة المبنى، وراحة ساكنه، وسهولة صيانته.
المظهر يبيع العقار مرة واحدة، أما الجودة فتبيعه في كل مرة. وكل مبنى يحمل في النهاية توقيع من شيّده؛ توقيعاً يقرؤه المستثمر والساكن معاً، بعد أن ينسى الجميع حملات الإطلاق وصور الكتيّبات اللامعة.
تواضع العارف
وما يلفتني في ميشيل قسطندي، بقدر ما تلفتني خبرته، هو أسلوبه: بساطةٌ في الشرح، واحترامٌ في الحوار، وهدوءٌ في إدارة الخلاف. فموقع البناء يجمع المهندس والعامل والمورّد والمالك والمستثمر، ولكلٍّ منهم لغته وهمومه.
ومن يُحسن مخاطبة كل واحد منهم بما يفهم، يجعل خبرته ملكاً للفريق لا امتيازاً لصاحبه. وتلك قناعة أشاركه إياها: الاحترام لا تمنحه الرتبة، والقيمة لا يحددها اللقب، بل ما يقدّمه المرء فعلاً في العمل.
في مقعد التلميذ
وأعترف، بعد أكثر من عشرين عاماً في هذا السوق، بأنني ما زلت أجد نفسي في مجالسه في مقعد التلميذ. في كل اجتماع يجمعني بالباشمهندس ميشيل قسطندي أختار الصمت؛ لا تحفّظاً ولا مجاملة، بل لأن الإصغاء إليه درسٌ لا يُفوَّت. أتابع كيف يُفكّك المسألة إلى عناصرها، وكيف يسأل قبل أن يجيب، وكيف يبلغ القرار دون ضجيج.
لقد تعلّمت منه الكثير، وأحسب أن أثمن ما تعلّمته أن العمق لا يحتاج إلى رفع الصوت، وأن الخبرة الحقيقية تُشعر محدّثها بأن أمامه المزيد ليتعلمه، لا بأنه أصغر من أن يُسمَع.

يوسف ميشيل قسطندي
في اختبار دائم
وإذا كان هذا شأن من يجالس ميشيل قسطندي في اجتماع، فكيف بمن يعيش في كنفه كل يوم؟ أرى أن يوسف ميشيل يقف أمام اختبار لا ينتهي؛ فهو يحمل الجينات الهندسية من الأستاذ، ويعيش داخل مدرسة أستاذٍ في التطوير العقاري، مدرسةٍ لا تُغلق أبوابها في نهاية الدوام.
وهذه نعمةٌ ومسؤوليةٌ معاً: نعمة لأن الخبرة تصله من منبعها الصافي، ومسؤولية لأن المقارنة ستلازمه في كل خطوة، ولأن الإرث المهني لا يُورَّث بالاسم، بل يُستحَقّ بالعمل. وأحسب أن من نشأ على هذا القدر من الجديّة والبساطة، قادرٌ على أن يجعل من الاختبار فرصة، ومن المدرسة امتداداً يحمل بصمته الخاصة.
مدرسة تُقرأ في الحجر
في سوق تتسارع فيه الإطلاقات وتتسابق فيه الوعود، تبدو الحاجة ماسّة إلى هذه المدرسة: مدرسة المهندس الذي يرى المبنى قبل أن يُبنى، ويرى ساكنه قبل أن يسكنه، ويرى قيمته بعد سنوات من تسليمه.
والدرس الذي أستخلصه أن الخبرة لا تُقاس بعدد سنواتها، بل بالقرارات الصائبة التي أعانت عليها. وأن المبنى الجيد شهادةٌ صامتة لصاحبه، تبقى وتلك، في تقديري، شهادة ميشيل قسطندي.
الكاتب
محمد أحمد فؤاد أمين
خبير ومستشار في الاستثمار العقاري، بخبرة تتجاوز عشرين عاماً في السوق الإماراتي.
* مؤسس ومالك «وي فاليو للتقييم والاستشارات العقارية» (WeValue Real Estate Valuation & Advisory)
* مؤسس ومالك منصة «وي فاليو» للتقييم العقاري بالذكاء الاصطناعي (WeValue AI)
التعليقات مغلقة.