حين يُفتح التاريخ بالسكاكين : من لوزان إلى لواء اسكندرون… أي ( صندوق باندورا ) سيفتح ؟

بقلم\د. بسام أبو عبد الله استاذ العلاقات الدولية

إن قراءة هادئة في خرائط القرن الماضي تكشف أن ما يُطرح اليوم تحت عناوين قانونية أو إدارية لا يمكن اعتباره مسألة بريئة أو تقنية، بل هو استدعاء متأخر لصراعات لم تُغلق أساساً. من اتفاقيات رسمت الحدود، إلى أملاك صودرت، إلى شعوب اقتُلعت، نحن أمام ملف متكامل إذا فُتح، فلن يبقى في إطار البحث الأكاديمي، بل سيتحول إلى نزاع سياسي وقانوني مفتوح، وربما إلى إعادة تعريف لمفاهيم الشرعية نفسها

لماذا يُطرح الملف الآن؟
يكتسب هذا النقاش راهنيته من التحركات الأخيرة للسلطة المؤقتة في دمشق، التي بدأت بفتح ملف الأملاك والأوقاف ذات الامتدادات التاريخية عبر الحدود، تحت عناوين إدارية ومالية. فتح هذا الملف في هذه اللحظة لا يبدو مجرد إجراء تنظيمي، بل يحمل أبعاداً سياسية قد تتجاوز مسألة “تدقيق الملكيات” إلى إعادة طرح ملفات تاريخية معقّدة، في سياق علاقات غير متكافئة مع تركيا.

اتفاقيات رسمت الجغرافيا وحددت موازين القوة

عندما وُقعت اتفاقية لوزان عام 1923، لم تكن مجرد معاهدة سلام، بل إعلاناً بولادة تركيا الحديثة على أنقاض الدولة العثمانية. لكنها في الوقت ذاته كرّست واقعاً جديداً على حساب الجغرافيا السورية التاريخية. ورغم أنها لم ترسم الحدود السورية-التركية بشكل نهائي، فإنها منحت أنقرة موقع الطرف الأقوى في أي مفاوضات لاحقة، وهو ما تُرجم في الاتفاقيات الثنائية مع فرنسا المنتدبة، والتي أفضت إلى خروج مناطق مثل أورفا وماردين وأجزاء من الجزيرة من المجال السوري، رغم ارتباطها التاريخي ببلاد الشام

وقبل ذلك، كشفت اتفاقية أنقرة عام 1921 بوضوح حدود الدور الفرنسي، حيث تنازلت فرنسا عن مناطق سورية لتركيا دون تفويض شعبي أو سند قانوني تمثيلي. وشمل ذلك عينتاب ومرعش وأورفا، ما أدى إلى تقسيم قرى وفصل عائلات وتحويل خطوط السكك الحديدية إلى حدود سياسية، في واحدة من أكثر عمليات التشويه الجغرافي قسوة في تاريخ المنطقة

لواء إسكندرون: سابقة سياسية بغطاء قانوني

تبلغ هذه المسارات ذروتها في قضية لواء إسكندرون، التي تمثل نموذجاً لتحويل وضع مؤقت إلى ضم دائم. فمن حكم ذاتي خاص ضمن سوريا، إلى كيان شكلي باسم “دولة هاتاي”، وصولاً إلى الضم الرسمي لتركيا عام 1939، عبر مزيج من الضغوط السياسية والتلاعب الديموغرافي. لم يكن ذلك مجرد تعديل حدود، بل سابقة في شرعنة الضم عبر أدوات سياسية ملتوية

الأملاك الدينية والمصادرات التاريخية
ضمن هذا السياق، يبرز ملف أملاك البطريركية الأرثوذكسية في أنطاكية، التي فقدت أجزاء واسعة من أوقافها بعد ضم اللواء، نتيجة إخضاعها للقانون التركي وفرض قيود على إدارتها، ما أضعف حضورها المؤسسي في موطنها التاريخي.
كما لا يمكن فصل ذلك عن مأساة الأرمن عام 1915، التي رافقتها عمليات مصادرة واسعة للأملاك تحت مسمى “الأملاك المتروكة”، حيث انتقلت ملكية البيوت والأراضي والكنائس إلى الدولة أو مستوطنين جدد. ولا يزال هذا الملف مفتوحاً حتى اليوم، سواء من زاوية الاعتراف التاريخي أو الحقوق القانونية.

ويمتد هذا الواقع ليشمل شرائح واسعة من السوريين بمختلف مكوناتهم، ممن فقدوا أملاكهم داخل تركيا نتيجة تغير الحدود أو السياسات اللاحقة، في ظل قوانين لم تعترف بحقوقهم التاريخية، ما أدى إلى تثبيت واقع جديد بقوة القانون.

ملف متبادل لا يُطرح إلا من زاوية واحدة
المفارقة أن هذا الملف ليس أحادي الاتجاه. فكما توجد أملاك عثمانية في سوريا، كان للسوريين حضور اقتصادي وعقاري واسع في مدن الأناضول، خاصة إسطنبول، حيث امتلكت عائلات شامية عقارات وأوقافاً واستثمارات. غير أن قيام الجمهورية التركية وما تبعه من تشريعات أدى إلى تقييد أو مصادرة جزء كبير من هذه الأملاك. ورغم ذلك، لم يتحول هذا الملف إلى نزاع قانوني دولي متكامل، ما يعكس انتقائية في طرحه اليوم.

الشق القانوني: بين السيادة والذرائع الإدارية
في هذا الإطار، فإن أي حديث عن “تدقيق ملكية الأوقاف” عبر جهات خارجية يفتقر إلى الأساس القانوني، إذ إن هذا الاختصاص سيادي بحت، تديره مؤسسات الدولة عبر السجلات العقارية والمحاكم المختصة. وأي وثائق خارجية، حتى لو صدرت عن مؤسسات دينية، تبقى ذات قيمة تاريخية لا أكثر، ولا يمكن أن تُنشئ حقوقاً قانونية ملزمة داخل سوريا.

تجارب سابقة: حين فُتح الملف ثم أُغلق
تشير بعض الوقائع التاريخية إلى أنه في سبعينيات القرن الماضي، جرت محاولات لفتح ملف الملكيات بين سوريا وتركيا عبر لجنة مشتركة، قدم خلالها الطرفان وثائق مطالباتهما. ووفق هذه الروايات، كانت نسبة المطالبات السورية أعلى بكثير من نظيرتها التركية، ما جعل الاستمرار في هذا المسار غير ملائم لأنقرة آنذاك.

كما أن ملفات أخرى، مثل أملاك اليونانيين بعد أحداث سبتمبر 1955، أو أملاك الأرمن وغيرهم، تبقى حاضرة في أي نقاش شامل حول الملكيات التاريخية، ما يعزز تعقيد المشهد في حال فتحه بشكل واسع.

مخاطر الحاضر: إعادة فتح ملفات غير محسومة
إن طرح هذا الملف اليوم لا يمكن فصله عن السياق السياسي الراهن، إذ إن فتحه يعني عملياً إعادة إحياء قضايا كبرى، من الحدود إلى الملكيات، بما قد يقود إلى نزاعات قانونية دولية أو حتى توترات سياسية أوسع.

كما أن أي معالجة لهذا الملف دون إطار وطني جامع ومؤسسات شرعية قادرة على إدارته، قد تحوّله من محاولة لاستعادة حقوق إلى أداة في صراعات إقليمية، خاصة في ظل تغيّرات ميدانية وديموغرافية مستمرة في الشمال السوري.

خلاصة
ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول وثائق أو أملاك، بل صراع على التاريخ ذاته: من يملك حق روايته، ومن يملك حق توظيفه. إن فتح هذا الملف دون رؤية شاملة ومتوازنة، يعني فتح “صندوق باندورا” بكل ما يحمله من نزاعات مؤجلة وحقوق متشابكة. وفي مثل هذه القضايا، لا يكمن الخطر فقط فيما ضاع في الماضي، بل في كيفية إعادة تشكيل الحاضر، وما قد يترتب عليه من مستقبل أكثر تعقيداً.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com