ما بين الصدمة والتحول: كيف أعادت رأسمالية الكوارث تشكيل العالم…
بقلم \ د. ياسين العلي استشاري إدارة التحول و رئيس شركة أدامة للاستثمار
“ملخص”
((المقال يرى أن عقيدة الصدمة لم تعد لحظة عابرة، بل تحولت إلى نظام دائم من الأزمات المتداخلة يُدار لإعادة تشكيل الاقتصاد والمجتمعات. أدواتها اليوم ليست عسكرية فقط، بل تشمل سياسات نقدية، إدارة الديون، والتحكم بالسردية الإعلامية، ما يخلق “صدمة إدراكية”
الصدمة لم تعد استثناء، بل بنية مستمرة لإعادة توزيع الثروة والنفوذ.
الدول لا تختلف في حجم الأزمات، بل في قدرتها على إدارتها: إما أداة تفكيك أو فرصة لإعادة البناء وتعزيز الاستقلالية))
لم يعد العالم كما وصفته Naomi Klein في كتابها The Shock Doctrine؛ لا لأن “عقيدة الصدمة” تراجعت، بل لأنها تحوّلت إلى بنية أكثر تعقيداً، تجاوزت استغلال الكارثة إلى هندسة بيئات كاملة لإنتاج الصدمة وإعادة تدويرها. ما كان يُقرأ قبل عقدين بوصفه كشفاً لآليات رأسمالية متطرفة، أصبح اليوم مدخلاً ضرورياً لفهم نظام عالمي تُدار فيه الأزمات كأدوات تشغيل، لا كحوادث استثنائية.
في صيغتها الأصلية، انطلقت هذه العقيدة من فرضية حادّة: حين تتعرّض المجتمعات لصدمة كبرى “انقلاب، حرب، كارثة أو انهيار” تفقد قدرتها على المقاومة، فتُمرَّر سياسات جذرية لم يكن ممكناً تمريرها في الظروف الطبيعية. هكذا قُرئت تجارب تشيلي بينوشيه، وروسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي، والعراق بعد الغزو، بوصفها مختبرات لـ“العلاج بالصدمة” الذي نظّر له Milton Friedman: خصخصة سريعة، تفكيك للقطاع العام، وإعادة توزيع للثروة تحت ضغط الفوضى.
غير أن التحوّل الأعمق اليوم يتمثل في أن الصدمة لم تعد لحظة تُستغل، بل أصبحت بنية تُدار ضمن ما يمكن تسميته اقتصاد الصدمات المركّبة. العالم لم يعد يواجه صدمة واحدة، بل تراكباً دائماً من أزمات صحية ومالية وجيوسياسية وتكنولوجية، بحيث يتحوّل اللايقين إلى حالة مستمرة، وتُستنزف قدرة المجتمعات على التكيّف. وقد كشفت جائحة COVID-19 ليس فقط هشاشة الأنظمة الصحية، بل كيف يمكن لأزمة صحية أن تعيد تشكيل سوق العمل، وتسريع التحول الرقمي، وإعادة تمركز الثروة. ويكفي أن نلاحظ أن القيمة السوقية المجمّعة لكبرى شركات التكنولوجيا العالمية تجاوزت 10 تريليونات دولار في ذروة ما بعد الجائحة، في وقت كانت فيه قطاعات واسعة تنكمش في مؤشر واضح على أن الصدمة لا تُدمّر فقط، بل تعيد توزيع مركز الثقل الاقتصادي بسرعة لافتة.
ولم تعد الصدمة تُمارس عبر أدوات القوة الصلبة وحدها، بل عبر أدوات أكثر نعومة وتعقيداً: سياسات نقدية طارئة، برامج إنقاذ مشروطة، إعادة هيكلة ديون، وتدفّقات إعلامية كثيفة تعيد تشكيل إدراك المجتمعات لطبيعة الأزمة وحدودها. هنا تظهر الصدمة الإدراكية بوصفها بعداً مكملاً: لا يقتصر التأثير على ما يحدث فعلياً، بل يمتد إلى كيفية فهمه وتفسيره. تصبح السيطرة على السردية جزءاً من إدارة الصدمة نفسها، لا مجرد انعكاس لها.
وفي مثال دال، كشفت أزمة الطاقة الأوروبية منذ عام 2022 كيف يمكن لصدمة الإمداد أن تتحول إلى لحظة لإعادة رسم خريطة الاعتماد الطاقي وتسريع التحول نحو بدائل جديدة، بالتوازي مع تدخلات حكومية أعادت تعريف دور الدولة في السوق. غير أن ما نشهده اليوم من استمرار اضطرابات أسواق الطاقة عالمياً، وتداخلها مع التوترات الجيوسياسية وتقلبات سلاسل الإمداد، يؤكد أن الصدمة لم تعد حدثاً عابراً، بل حالة ممتدة يُعاد عبرها تشكيل التوازنات الاقتصادية بشكل مستمر.
بهذا المعنى، لم تعد “رأسمالية الكوارث” بحاجة دائماً إلى صدمة خارجية كبرى؛ يكفي إنتاج بيئات من عدم الاستقرار الوظيفي، والتضخم المتقلّب، والاختلالات الهيكلية، لتؤدي الدور نفسه: إبقاء المجتمعات في حالة استعداد دائم لقبول التغيير المفروض. هنا يتقاطع الاقتصادي مع السياسي، فتتحوّل إدارة الأزمات إلى أداة لإعادة تعريف دور الدولة لا بإلغائها، بل بإعادة توظيفها كمنصّة لتنفيذ سياسات السوق تحت غطاء الطوارئ.
ومع ذلك، ليست هذه المنظومة أحادية الاتجاه. فكما شهدت أمريكا اللاتينية ارتدادات على الفريدمانية، نشهد اليوم أشكالاً أكثر هدوءاً وعمقاً من المقاومة، لا تقوم على الرفض المباشر، بل على بناء بدائل تعيد توزيع القدرة داخل المجتمع. فالدول التي صمدت في وجه صدمات السنوات الأخيرة لم تكن تلك التي تجنّبت الأزمات، بل تلك التي امتلكت بنية مؤسسية واقتصادية قادرة على امتصاص الصدمة وتحويلها إلى إعادة تنظيم، لا إلى انهيار.
هنا تتضح الفجوة الحاسمة بين نموذجين: نموذج تتحوّل فيه الصدمة إلى أداة لإعادة تشكيله من الخارج، ونموذج يجعل منها اختباراً لقدراته الداخلية. في الأول، تُعاد صياغة الاقتصاد والمجتمع وفق مصالح قوى خارجية أو نخب ضيقة؛ وفي الثاني، تصبح الصدمة محفزاً لإعادة بناء القدرة الإنتاجية، وتعزيز الاعتماد على الذات، وإعادة توازن العلاقة بين الدولة والسوق.
وعليه، لم يعد السؤال ما إذا كانت “عقيدة الصدمة” قائمة، بل كيف تغيّرت طبيعتها. نحن أمام منظومة تُدار فيها الأزمات عبر تداخل المال والإعلام والتكنولوجيا، بحيث يتلاشى الحد الفاصل بين ما هو عفوي وما هو مُهندس. وفي هذا السياق، لا يكفي مقاومة الصدمة؛ التحدي الحقيقي هو امتلاك القدرة على فهمها واحتوائها وإعادة توظيفها ضمن مشروع وطني واضح المعالم.
في البيئات الهشّة، تتحوّل الصدمة إلى بيئة تشغيل كاملة يُعاد ضمنها توزيع الموارد والأدوار. وغياب إطار واضح لإدارة التحول لا يخلق فراغاً محايداً، بل يفتح المجال أمام قوى خارجية لإعادة تشكيل الداخل وفق منطقها الخاص. وهنا تحديداً تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته اقتصاد القدرة ليس بوصفه بديلاً نظرياً، بل كشرط وجودي للاستقرار.
لم تعد الصدمات أحداثاً طارئة تُقاس آثارها بمدى شدتها، بل تحوّلت إلى آليات دائمة يُعاد عبرها تشكيل العالم. وفي هذا التحول، لم يعد الفارق بين الدول في حجم ما تتعرض له من أزمات، بل في قدرتها على تحويل الصدمة من أداة تفكيك إلى أداة إعادة بناء. فإمّا أن تُدار الصدمة من الخارج فتُعاد صياغة الداخل وفق مصالح الآخرين، أو تُدار من الداخل فتتحول إلى نقطة انطلاق لصياغة المستقبل. وبين هذين المسارين، لا يتحدد فقط شكل الاقتصاد… بل مصير الدولة نفسه
التعليقات مغلقة.