التوازن بين السيادة الرقمية والسحابة العالمية يتطلب «نهجًا تشاركيًا ذكيًا
الدكتور\ صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق
أكد الدكتور صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، في حديثه ((لمجلة استثمارات الإماراتية )) أن تحقيق التوازن بين السيادة الرقمية والاعتماد على مزودي الخدمات السحابية العالميين يمثل أحد أبرز التحديات الاستراتيجية التي تواجه الدول العربية، مشددًا على أن الحل لا يكمن في الرفض أو القبول المطلق، بل في تبني “نهج هندسي تنظيمي وتقني متكامل”
وأوضح الدوهجي أن هذا التوازن يمكن تحقيقه من خلال ما وصفه بـ”السيادة المنظمة والتشاركية”، والتي تتيح للدول الحفاظ على التحكم في بياناتها، مع الاستفادة في الوقت ذاته من الابتكار العالمي في مجالات الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي
وأشار إلى أن الخطوة الأولى تبدأ بتطوير أطر تشريعية واضحة تتجاوز المفهوم التقليدي للسيادة المرتبط بالموقع الجغرافي للبيانات، نحو سيادة قانونية تفرض على الشركات العالمية الامتثال لقوانين الدول العربية. ولفت إلى أهمية سن قوانين صارمة لحماية البيانات، إلى جانب إنشاء مناطق سحابية محلية للشركات العالمية تعمل وفق القوانين الوطنية
وأضاف أن إنشاء “سحابة وطنية” تديرها كيانات محلية يمثل ركيزة أساسية في هذا التوازن، حيث تعمل كوسيط بين الجهات الحكومية ومزودي الخدمات العالميين، بما يضمن التحكم في مفاتيح التشفير وإدارة الوصول إلى البيانات، مع الاستفادة من البنية التحتية العالمية
وشدد على ضرورة تصنيف البيانات وفق حساسيتها، بحيث يتم الاحتفاظ بالبيانات السيادية والاستراتيجية داخل بنى محلية مغلقة، بينما يمكن استضافة البيانات العامة أو غير الحساسة على منصات سحابية عالمية لتحقيق الكفاءة وتقليل التكاليف
وفي السياق ذاته، أكد الدوهجي أن السيطرة على مفاتيح التشفير تمثل جوهر السيادة الرقمية، داعيًا إلى إنشاء أنظمة وطنية لإدارة التشفير تضمن حماية البيانات حتى في حال استضافتها خارج الحدود
كما أشار إلى أهمية نقل المعرفة وتوطين التكنولوجيا، من خلال إلزام الشركات العالمية بإنشاء مراكز تدريب وتوظيف للكوادر العربية، إلى جانب دعم التصنيع المحلي لمكونات البنية التحتية الرقمية، بما يقلل الاعتماد على الخارج مستقبلاً
ودعا الدوهجي إلى تعزيز التعاون العربي والإقليمي في هذا المجال، عبر إنشاء “منظومة سحابية عربية مشتركة”، تتيح تبادل البيانات وبناء بنية تحتية جماعية، ما يسهم في خفض التكاليف وتعزيز القدرة التفاوضية للدول العربية مع الشركات العالمية
واختتم بالتأكيد على أن تحقيق السيادة الرقمية لا يعني الانعزال عن العالم، بل بناء “طبقة حماية رقمية” تقوم على تشريعات قوية، وتصنيف ذكي للبيانات، وتشفير متقدم، وكيانات وطنية قادرة على إدارة العلاقة مع مزودي الخدمات، بما يضمن تحقيق أقصى استفادة من التكنولوجيا العالمية دون التفريط في التحكم والسيادة
الشراكة بين القطاعين العام والخاص مفتاح تسريع البنية التحتية الرقمية في الدول العربية
أكد الدكتور صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، أن تسارع وتيرة التحول الرقمي في الدول العربية يفرض ضرورة تبني نموذج شراكة حقيقي بين القطاعين العام والخاص، مشددًا على أن الحكومات وحدها لا تستطيع تحمل أعباء بناء وتشغيل البنية التحتية الرقمية، كما لا يمكن للقطاع الخاص العمل بمعزل عن الأطر الحكومية
وأوضح الدوهجي أن الشركات يجب أن تُعامل كشريك استراتيجي في عملية التحول الرقمي، وليس مجرد مورد تقني، مشيرًا إلى أن نماذج الشراكة الحديثة، وعلى رأسها “البناء والتشغيل ونقل الملكية” (BOT) تمثل أحد الحلول الفعالة لتنفيذ المشاريع الكبرى في المنطقة
وأضاف أن هذا النموذج يتيح تنفيذ البنية التحتية الرقمية بسرعة وكفاءة، مع تقليل الأعباء المالية على الحكومات من خلال تحويل النفقات الرأسمالية إلى نفقات تشغيلية، إلى جانب الاستفادة من خبرات الشركات العالمية والمحلية في بناء وتشغيل الأنظمة وفق معايير متقدمة
وأشار إلى أن من أبرز مزايا هذه الشراكات التزام الشركات بتدريب وتأهيل الكوادر الوطنية، ما يضمن نقل المعرفة وبناء قدرات محلية مستدامة، لافتًا إلى أهمية تحديد أطر زمنية واضحة تضمن تحقيق عوائد عادلة للشركات، قبل نقل الملكية إلى الحكومات وفق اتفاقيات محكمة
كما شدد الدوهجي على أهمية تأسيس حاضنات ابتكار مشتركة بين الحكومات والشركات التقنية، لتطوير حلول رقمية محلية تتناسب مع احتياجات المجتمعات العربية، مثل تطبيقات الهوية الرقمية وأنظمة الدفع الإلكتروني
ولفت إلى ضرورة تعزيز دور الشركات الوطنية، لتكون حلقة وصل بين الحكومات والشركات العالمية، بما يضمن الامتثال للقوانين المحلية، خاصة فيما يتعلق بإدارة البيانات والمسؤولية القانونية
وأكد أيضًا أن الشركات المحلية يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في توحيد معايير تبادل البيانات بين الجهات المختلفة، وهو ما يسهم في تسهيل التكامل الرقمي وتحقيق التحول الشامل
واختتم الدوهجي تصريحه بالتأكيد على أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نموذج “العميل والمورد” إلى نموذج “الشراكة في المخاطر والنجاح”، بحيث تتحمل الشركات جزءًا من مسؤولية النتائج، داعيًا إلى تطوير الأطر التشريعية لتنظيم هذه الشراكات بما يشمل الأصول الرقمية، وليس فقط المشروعات التقليدية
بنية البيانات «نفط جديد» يقود لاقتصاد رقمي مستدام
أكد الدكتور صلاح محمد الدوهجي، أستاذ الهندسة المعلوماتية بجامعة دمشق، أن الاستثمار في بنية تحتية قوية لإدارة البيانات لم يعد مجرد تكلفة تشغيلية، بل يمثل “استثمارًا استراتيجيًا” قادرًا على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة، مشددًا على ضرورة أن تنظر الحكومات العربية إلى البيانات باعتبارها “النفط الجديد” في عصر الاقتصاد الرقمي
وأوضح الدوهجي أن هذا النوع من الاستثمار يسهم في إحداث تحول اقتصادي نوعي، من خلال خلق أسواق جديدة قائمة على تبادل البيانات وتطوير خدمات مبتكرة، ما يعزز الناتج المحلي الإجمالي ويفتح المجال أمام تأسيس شركات رقمية جديدة
وأشار إلى أن إدارة البيانات بشكل متكامل تساعد على ترشيد الإنفاق الحكومي، عبر تقليل الازدواجية بين الجهات المختلفة، والحد من الهدر المالي، وتحسين كفاءة القطاعات الحيوية مثل الطاقة والصحة والنقل، فضلًا عن دعم جهود مكافحة الفساد وتعزيز كفاءة الحكومة الرقمية
وأضاف أن وجود بنية بيانات متطورة يعزز من جاذبية الدول العربية للاستثمارات الأجنبية، حيث تفضل الشركات العالمية العمل في بيئات رقمية جاهزة، وهو ما يسهم في خلق فرص عمل جديدة وتدوير رؤوس الأموال داخل الاقتصادات المحلية
وأكد الدوهجي أن البيانات تمثل عنصرًا أساسيًا لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات التنبؤية، ما يتيح للحكومات والشركات اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر دقة، وتقليل المخاطر، وتطوير منتجات وخدمات تلبي احتياجات السوق، وهو ما ينعكس مباشرة على زيادة الأرباح والإيرادات الضريبية
ولفت إلى أن الاستثمار في هذا المجال يفتح الباب أمام وظائف نوعية عالية القيمة، مثل مهندسي البيانات ومحلليها وخبراء الأمن السيبراني، ما يسهم في بناء كوادر بشرية مؤهلة تدعم الاقتصاد الرقمي
كما أشار إلى أن تأثير البيانات يمتد إلى قطاعات متعددة، مثل السياحة، حيث يساعد تحليل بيانات الزوار في تحسين الحملات الترويجية وتسهيل الخدمات، ما يؤدي إلى زيادة العائدات السياحية
واختتم الدوهجي تصريحه بالتأكيد على أن العائد الاقتصادي من الاستثمار في بنية البيانات لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يتعداه إلى خلق قيمة اقتصادية جديدة قائمة على الابتكار، وزيادة الإيرادات، وتوطين الوظائف، داعيًا إلى إدراج هذه الاستثمارات ضمن الإنفاق الرأسمالي في الموازنات العامة، باعتبارها محركًا رئيسيًا للتنمية المستدامة في الدول العربية
التعليقات مغلقة.