الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء.. طاقة الضرورة بين أزمات الداخل وضغوط التحول الأخضر
في الوقت الذي تتسارع فيه الجهود الدولية للحد من الانبعاثات الكربونية والانتقال نحو الطاقة النظيفة، يظل الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء لاعبًا معقدًا في معادلة الطاقة، يتأرجح بين كونه مصدرًا تقليديًا موثوقًا لتوليد الكهرباء، ووقودًا مهددًا بتغيرات المناخ والالتزامات البيئية. ورغم محدودية مساهمة القارة في الإنتاج العالمي للفحم، فإنها تمثل واحدة من أكثر المناطق اعتمادًا على مصادر الطاقة التقليدية، سواء في توليد الكهرباء أو في الاستخدامات المنزلية للطهي والإنارة، في ظل فجوات كبيرة في البنية التحتية للطاقة. وبينما كان يُعتقد أن أزمات الطاقة العالمية قد تدفع إلى “عودة الفحم”، تكشف التجربة الإفريقية عن مسار أكثر تعقيدًا، لا تحدده الصدمات الخارجية بقدر ما تحكمه التحديات الداخلية المزمنة، من نقص الإمدادات إلى ضعف الاستثمار في البدائل المستدامة.
أولاً: مشهد الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء.. هيمنة جنوب إفريقيا وتفاوت الإنتاج
يتميز قطاع الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء بتفاوت شديد، حيث تهيمن جنوب إفريقيا على نحو شبه كامل من الإنتاج الإقليمي، إذ توفر ما يقرب من 98% من إجمالي الفحم في القارة، بينما تظل معظم الدول الأخرى ذات إنتاج محدود أو شبه معدوم.
ويُقدَّر إجمالي احتياطي الفحم في القارة بنحو 554.77 مليون طن، مع تسجيل جنوب إفريقيا وحدها أكثر من 10.9 مليار طن، ما يعكس الفجوة الكبيرة في توزيع الموارد. ورغم ذلك، فإن محدودية الاستثمارات، وضعف البنية التحتية، والالتزامات المناخية الدولية، جميعها عوامل تقيد توسع الإنتاج في معظم دول القارة.
ثانياً: استهلاك الطاقة في إفريقيا.. هيمنة الوقود الحيوي واستمرار الفجوة
على الجانب الآخر، لا يزال مئات الملايين من الأفارقة يعتمدون على الوقود الحيوي التقليدي مثل الحطب والفحم النباتي في الطهي والإنارة، نتيجة ضعف الوصول إلى الكهرباء الحديثة.
ويُقدَّر أن أكثر من 600 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء لا يحصلون على الكهرباء بشكل كافٍ، فيما يعتمد ثلثا الدول الإفريقية على الكتلة الحيوية لتغطية أكثر من نصف احتياجاتها من الطاقة، ما يجعل القارة من أكثر مناطق العالم اعتمادًا على الطاقة التقليدية.
ثالثاً: أزمات الطاقة العالمية وتأثيرها المحدود على الفحم في إفريقيا
رغم أن أزمات الطاقة العالمية مثل جائحة كوفيد-19 والحروب الجيوسياسية أدت إلى اضطراب أسواق الطاقة وارتفاع أسعار الغاز، فإن تأثيرها على زيادة الاعتماد على الفحم في إفريقيا كان محدودًا.
فبينما دفعت أزمة الحرب العراقية–الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي إلى زيادة إنتاج الفحم في جنوب إفريقيا، لم تُحدث الأزمات الحديثة نفس التأثير، إذ استمر استهلاك الفحم عالميًا في مسار متقلب دون طفرة كبيرة، خاصة في إفريقيا جنوب الصحراء.
ويرجع ذلك إلى أن التحديات الداخلية في القارة مثل نقص الكهرباء وارتفاع تكلفة البدائل هي المحرك الأساسي للسياسات الطاقوية، وليس الأزمات الخارجية وحدها.
رابعاً: تطور الإنتاج والطلب.. نمو محدود واستقرار نسبي
تشير التقديرات إلى أن استهلاك الفحم في إفريقيا سيظل عند مستويات معتدلة، مع توقع بلوغه نحو 196 مليون طن في 2025، ثم ارتفاعه إلى 202 مليون طن بحلول 2030.
وفي جنوب إفريقيا، من المتوقع أن يستقر الاستهلاك عند حوالي 164 مليون طن حتى 2030، رغم الجهود العالمية للتخلي التدريجي عن الفحم، وذلك بسبب استمرار الاعتماد عليه في توليد الكهرباء.
أما في دول مثل زيمبابوي وزامبيا وموزمبيق، فإن النمو يظل محدودًا ويرتبط بشكل أساسي بالاحتياجات الصناعية ومشروعات التعدين، وليس بتوسع استهلاك الطاقة المنزلي.
خامساً: التحول الطاقوي والضغوط المناخية
رغم استمرار الاعتماد على الفحم، تواجه القارة ضغوطًا متزايدة للانتقال نحو الطاقة النظيفة، في ظل التزامات دولية بخفض الانبعاثات.
وتسعى العديد من الدول إلى التوسع في الطاقة الشمسية والرياح، إلا أن محدودية التمويل والبنية التحتية تجعل هذا التحول بطيئًا وغير كافٍ لتعويض الطلب المتزايد على الطاقة.
كما يبرز اتجاه جديد يتمثل في تطوير “الفحم الحيوي”، كبديل أكثر استدامة، لما له من قدرة على تحسين التربة وتخزين الكربون، لكنه لا يزال في مراحله الأولية في أغلب الدول الإفريقية.
سادساً: سيناريو المستقبل.. استقرار هش بدل الطفرة
تشير المعطيات إلى أن مستقبل الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء لا يتجه نحو توسع كبير، ولا نحو تراجع حاد، بل نحو “استقرار هش” تحكمه ثلاث معادلات رئيسية:
- استمرار فجوة الطاقة.
- بطء التحول نحو البدائل النظيفة.
- محدودية الاستثمارات في البنية التحتية
خاتمة يبدو أن الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء سيظل عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة خلال العقود المقبلة، ليس نتيجة طفرة في الإنتاج، بل بسبب غياب البدائل القادرة على تلبية الطلب المتزايد. وبينما تدفع الأجندة المناخية العالمية نحو تقليص الاعتماد عليه، تفرض واقعيات التنمية والاحتياجات الأساسية استمرار حضوره، في معادلة معقدة تجمع بين الضرورة الاقتصادية والتحدي البيئي.
التعليقات مغلقة.