بعد 20 عاماً من الانتظار..الجزائر تطلق أشغال “مشروع القرن” لربط الغاز النيجيري بأوروبا ومنافسة شرسة مع المحور الأطلسي
دخل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة التنفيذ الفعلي بعد سنوات طويلة من التعثر والتأجيل، في خطوة قد تعيد رسم خريطة الطاقة بين أفريقيا وأوروبا، وتمنح القارة العجوز مصدراً استراتيجياً جديداً للغاز الطبيعي بعيداً عن بؤر التوتر التقليدية.
وجاء الإعلان عن انطلاق الأشغال الميدانية في الشطر الجزائري عقب الاجتماع الوزاري الخامس للجنة التوجيهية المشتركة الذي جمع وزراء الطاقة في الجزائر والنيجر ونيجيريا بالعاصمة الجزائرية، حيث استقبلهم الرئيس عبد المجيد تبون، في إشارة واضحة إلى انتقال المشروع من مرحلة الدراسات إلى التنفيذ على الأرض.
مشروع يربط عمالقة الغاز في أفريقيا
ويرتكز المشروع على شراكة بين اثنين من أكبر منتجي الغاز الطبيعي في القارة السمراء، إذ تمتلك نيجيريا احتياطيات تتجاوز 5100 مليار متر مكعب، فيما تملك الجزائر نحو 4500 مليار متر مكعب، ما يمنح الأنبوب قاعدة إمداد ضخمة قادرة على تزويد الأسواق الأوروبية بما يصل إلى 30 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً.
ويمثل المشروع أحد أكبر مشاريع البنية التحتية للطاقة في أفريقيا، حيث يمتد لأكثر من 4000 كيلومتر عبر الأراضي النيجيرية والنيجرية والجزائرية قبل وصوله إلى أوروبا عبر الشبكات الجزائرية المرتبطة بالسوق الأوروبية.
انطلاق الأشغال في الجزائر
وبحسب المخطط الحالي، بدأ العمل في الجزء المتبقي من المقطع الجزائري بطول يقارب ألف كيلومتر، بهدف ربطه بالشبكات القائمة التي تنقل الغاز إلى أوروبا عبر خطوط استراتيجية، ما يمنح المشروع أفضلية تشغيلية مقارنة بمشروعات منافسة ما تزال في مراحل التخطيط والتمويل.
كما ستستفيد المنظومة الجديدة من البنية التحتية الجزائرية المتطورة في مجال تسييل الغاز وتصديره، خصوصاً عبر المنشآت الصناعية الكبرى على ساحل البحر المتوسط.
سباق أفريقي على سوق الغاز الأوروبية
ويأتي المشروع في وقت تحتدم فيه المنافسة مع مشروع خط الغاز الأطلسي الذي يربط نيجيريا بالمغرب مروراً بعدد كبير من دول غرب أفريقيا قبل وصوله إلى أوروبا.
ويرى خبراء أن الخط العابر للصحراء يتمتع بأفضلية المسار الأقصر والتكلفة الأقل نسبياً، بينما يراهن المشروع الأطلسي على شبكة أوسع من الشركاء الدوليين ومصادر التمويل الخارجية.
ورغم المنافسة القائمة، تشير تقديرات متخصصة إلى أن الطلب الأوروبي المتزايد على الغاز قد يفتح المجال مستقبلاً أمام تكامل المشروعين بدلاً من تنافسهما، خاصة في ظل حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتأمين إمدادات مستقرة طويلة الأمد.
أوروبا تبحث عن بدائل آمنة
ويكتسب المشروع أهمية استثنائية في ظل التحولات الجيوسياسية التي هزت أسواق الطاقة العالمية خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية أو المخاطر التي تهدد ممرات الطاقة الحيوية في الشرق الأوسط.
ودفعت هذه التطورات الدول الأوروبية إلى تسريع البحث عن مصادر جديدة للغاز خارج نطاق الاعتماد التقليدي على روسيا أو طرق الشحن المعرضة للتوترات العسكرية، ما أعاد إحياء مشروع ظل مجمداً لنحو عقدين من الزمن.
مكاسب اقتصادية تتجاوز الطاقة
ولا تقتصر أهمية المشروع على تعزيز أمن الطاقة الأوروبي، بل تمتد إلى دعم اقتصادات دول العبور عبر عوائد التصدير ورسوم النقل والاستثمارات المصاحبة.
كما يتوقع أن يسهم في تحفيز الصناعات المرتبطة بالغاز الطبيعي، وعلى رأسها صناعة الأسمدة، بما يعزز الأمن الغذائي في مناطق واسعة من شمال أفريقيا والساحل الأفريقي، ويوفر فرص عمل واستثمارات جديدة في دول تواجه تحديات اقتصادية وأمنية كبيرة.
ومع بدء الأشغال رسمياً، يقترب مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء من التحول إلى أحد أكبر الممرات الطاقوية في العالم، في خطوة قد تمنح أفريقيا دوراً أكثر تأثيراً في معادلة الطاقة الدولية خلال العقود المقبلة.
التعليقات مغلقة.