تعثر المسار الأمريكي – الإيراني.. طهران ترفض لقاء مبعوثي واشنطن وترامب يبقي الخيار العسكري على الطاولة
دخلت الجهود الرامية إلى تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التعقيد، بعدما أعلنت طهران أنها لن تعقد أي اجتماعات مباشرة مع المبعوثين الأمريكيين الذين وصلوا إلى المنطقة، مؤكدة أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في تنفيذ بنود الهدنة قبل الانتقال إلى مفاوضات سياسية أوسع تتناول مستقبل البرنامج النووي الإيراني.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه “لم يتحدد موعد لأي اجتماع على أي مستوى مع الجانب الأمريكي خلال الأيام المقبلة”، في إشارة واضحة إلى رفض طهران الانخراط في لقاءات مباشرة مع الوفد الأمريكي الذي يضم المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ووصل ويتكوف وكوشنر إلى العاصمة القطرية الدوحة لإجراء مباحثات وصفها البيت الأبيض بأنها “رفيعة المستوى”، إلا أن كلًا من إيران وقطر أوضحتا أن اللقاءات ستقتصر على التواصل مع الوسطاء، دون عقد اجتماعات مباشرة مع المسؤولين الإيرانيين. وأكدت الدوحة أن رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني عقد اجتماعات مع الوفد الأمريكي في إطار جهود الوساطة، فيما أشار المتحدث باسم الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إلى أن المرحلة المقبلة ستشهد محادثات فنية على مستويات أدنى.
خلافات حول أسس الاتفاق
ويعكس الموقف الإيراني استمرار التباعد بين الطرفين بشأن الأسس الرئيسية للإطار المؤقت الذي تم التوصل إليه قبل أسبوعين، والذي ينص على التزام إيران بإنهاء القيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز مقابل حوافز مالية، إلى جانب إطلاق مفاوضات تمتد 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق سلام دائم يشمل ملفات أكثر حساسية، أبرزها البرنامج النووي الإيراني.
ويؤكد مسؤولون إيرانيون أن تنفيذ بنود وقف إطلاق النار يمثل الشرط الأساسي قبل الخوض في أي ترتيبات سياسية أو أمنية جديدة، معتبرين أن الانتقال المبكر إلى الملفات الخلافية قد يقوض فرص نجاح المسار التفاوضي.
واشنطن تلوّح بالقوة
في المقابل، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال، نقلاً عن مسؤولين أمريكيين، أن الرئيس دونالد ترامب ناقش مع وزير الدفاع بيت هيجسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خيارات توجيه ضربات عسكرية جديدة ضد إيران، في حال تعثر المسار الدبلوماسي.
وبحسب الصحيفة، فإن ترامب قرر في الوقت الراهن منح الجهود السياسية مزيداً من الوقت، رغم احتفاظه بالخيار العسكري، فيما لم تتمكن وكالة رويترز من التحقق بشكل مستقل من صحة التقرير.
مضيق هرمز يعود إلى الواجهة
وتزامناً مع الجمود السياسي، عاد ملف مضيق هرمز إلى صدارة التوترات الإقليمية، إذ استؤنفت حركة الملاحة البحرية جزئياً عبر الممر الذي يمر من خلاله نحو خُمس تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير.
وأكد مسؤولون إيرانيون أن لطهران وسلطنة عمان الحق في تنظيم حركة الملاحة داخل المضيق، معلنين نيتهم فرض رسوم عبور اعتباراً من منتصف أغسطس، مع انتهاء فترة الاتفاق المؤقت.
وقال كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن “السيادة على مضيق هرمز تعود لإيران وعُمان، وحركة المرور تخضع للترتيبات التي تحددها طهران”.
في المقابل، شدد نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس على أن الولايات المتحدة لن تسمح لإيران بفرض رسوم على السفن العابرة للممر الدولي، مؤكداً أن تدفقات النفط عبر المضيق عادت إلى مستويات ما قبل الحرب، بل تجاوزتها في بعض الأيام.
تداعيات اقتصادية مستمرة
ورغم استئناف حركة الملاحة وانخفاض أسعار النفط خلال الأيام الأخيرة، عقب الضربات العسكرية المتبادلة بين واشنطن وطهران، حذرت وكالة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن الاقتصادات الهشة لا تزال معرضة لتقلبات أسعار الطاقة والغذاء.
وكانت المواجهة العسكرية الأخيرة قد بدأت بعد هجمات بطائرات مسيرة استهدفت سفناً تجارية، أعقبها قصف أمريكي لمنشآت عسكرية إيرانية، قبل أن ترد طهران باستهداف مواقع عسكرية أمريكية في الكويت والبحرين، ما أدى إلى موجة ارتفاع في معدلات التضخم العالمية وزاد الضغوط السياسية على إدارة ترامب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل.
لبنان ضمن ترتيبات ما بعد الهدنة
ولا يقتصر الاتفاق الأمريكي–الإيراني المؤقت على الملف الثنائي، إذ يتضمن أيضاً ترتيبات لإنهاء المواجهة بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان.
إلا أن رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري أبدى تحفظات على الاتفاق الإطاري المنفصل الذي ترعاه الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، فيما يرى محللون أن ربط الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان بنزع سلاح حزب الله قد يكرس حالة الجمود بدلاً من تحقيق تسوية مستدامة.
وبذلك، تبدو المفاوضات الأمريكية–الإيرانية أمام اختبار حاسم؛ فبينما تصر طهران على تنفيذ الالتزامات أولاً وترفض اللقاءات المباشرة، تواصل واشنطن الجمع بين الضغوط العسكرية والتحرك الدبلوماسي، في وقت يبقى فيه مستقبل الاتفاق المؤقت رهناً بمدى قدرة الوسطاء على تضييق فجوة الخلافات بين الطرفين.
التعليقات مغلقة.