محمد أحمد فؤاد أمين يكتب: أُذُنٌ صاغية.. حين تُنصت الدولة إلى المواطن
محمد أحمد فؤاد أمين خبير تقييم واستشارات عقارية في دبي مؤسس WeValue Real Estate Valuation و WeValue AI
ثمّة لحظات يكتشف فيها المواطن أنّ الدولة التي ينتمي إليها أقربُ إليه ممّا كان يظنّ. كنتُ قد تقدّمتُ ببلاغ إلى وزارة العدل. فعلتُ ذلك كما يفعل المرء أشياء كثيرة في حياته: أداءً لواجبٍ، لا انتظارًا لنتيجة. فقد غبتُ عن مصر أكثر من عشرين عامًا، والصورة التي حملتُها معي كانت صورة زمنٍ أقدم بكثير؛ زمنٍ يقطع فيه خطابُ رجلٍ عاديّ رواقًا طويلًا ثمّ لا يُسمع عنه شيء. كتبتُ ما كان عليّ أن أكتبه، وقدّمتُه، ثمّ عدتُ إلى عملي في دبي وأنا أقول لنفسي إنّني على الأقلّ أدّيتُ ما عليّ.
ثمّ رنّ الهاتف.
كانت الوزارة تتّصل للمتابعة. لا خطابًا نمطيًّا، ولا رقمًا مرجعيًّا، بل صوتًا مهذَّبًا غير مستعجل، يسأل عن جوهر الموضوع، ويتحقّق من التفاصيل، ويشرح ما سيجري لاحقًا. ما زلتُ أذكر أنّني وقفتُ ساكنًا تمامًا وأنا أستمع، لأنّ شيئًا فيّ لم يكن مهيّأً لذلك.
أمضيتُ عقدين من العمل في أسواقٍ يُقاس فيها كلُّ شيء بأداء المؤسسات. تعاملتُ مع جهاتٍ رقابيةٍ ومحاكمَ وسلطاتٍ عامّةٍ في أكثر من بلد. وأعرف كيف تبدو الإدارة المُحكَمة حين تتكلّم: غير مستعجلة، دقيقة، تنطلق من أنّ الطرف الآخر على الخطّ يستحقّ أن يُشرَح له.
وما سمعتُه في ذلك اليوم بلغ مستوى ما يُنتظر من مؤسسةٍ عامّةٍ ناضجة — جاء بالعربية، من القاهرة، إلى مواطنٍ لم يطلب معاملةً خاصّة ولم يُمنَح واحدة. كلّ ما في الأمر أنّه عُومل معاملةً لائقة.
وهنا، في ظنّي، يكمن ما يستحقّ التأمّل. لم يكن الاعتبار في النتيجة؛ فالبلاغ ما يزال يسير في مساره، وليس لي أن أوجّه مساره. كان الاعتبار في الأسلوب: في أنّ الملفّ قرأه إنسان، وأنّ توجيهًا صدر بمتابعته، وأنّ الاتصال للمتابعة عُدّ جزءًا طبيعيًّا من العمل لا منّةً تُسدى لصاحب واسطة. ولم تكن لي واسطة. كنتُ اسمًا على ورقة.
ولا أزعم أنّ مكالمةً واحدة تُثبت شيئًا بذاتها. غير أنّ من تابع مصر خلال العقد الأخير يدرك أنّ هذا لا يحدث مصادفة. فأعراف المؤسسات لا تتغيّر بين ليلةٍ وضحاها. ووراء مكالمةٍ كهذه سنواتٌ من إعادة الهيكلة والتحوّل الرقميّ، ومن الإصرار على أنّ الخدمة العامّة خدمةٌ بالفعل، وأنّ المواطن ليس مستجديًا. وقد قيل الكثير عن الطرق والكباري والمدن الجديدة في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وهي ظاهرةٌ للعيان تتحدّث عن نفسها. أمّا الأقلّ ظهورًا، وليس بأقلّ قيمةً في تقديري، فهو هذا التحوّل الهادئ في طريقة مخاطبة الدولة للفرد. الخرسانة تُصبّ في ثلاث سنوات، أمّا ثقافة الإصغاء فتحتاج وقتًا أطول، وبناؤها أصعب.
أكتب هذا دون نيّة مجاملة، وبالصراحة التي يعرفها من أمضى حياته المهنية يقول لعملائه ما لا يودّون سماعه. لقد انتقدتُ مؤسساتٍ في ما كتبت، وسأفعل مرّةً أخرى حيثما استحقّ النقد. ولهذا السبب بالذات أرى أنّ من الأمانة أن أسجّل النقيض حين يقع النقيض.
فأسجّله هنا صريحًا: تقدّمتُ ببلاغ، فوجدتُ أُذنًا صاغية. وأتوجّه بالشكر إلى المسؤول الذي اتّصل، وإلى معالي وزير العدل المستشار محمود حلمي الشريف على ما لقيه الأمر من اهتمام، وإلى دولةٍ تبدو أكثر إدراكًا يومًا بعد يوم أنّ ثقة الناس تُبنى مواطنًا مواطنًا.
مصر تتغيّر. سمعتُ ذلك عبر الهاتف.
التعليقات مغلقة.