الإمارات… من الانفتاح التجاري إلى اقتصاد المستقبل

بقلم: د. ياسين العلي الباحث الاقتصادي ورئيس التنفيذي لشركة إدامه

((ملخص المقال))

 

يستعرض الدكتور ياسين العلي، الخبير الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة إدامه، كيف تحوّل الإمارات انفتاحها التجاري إلى محرك متكامل للنمو والاستثمار وصناعة القيمة. ويركز المقال على دور الشراكات الاقتصادية والبنية التحتية والتقنية والإصلاحات المؤسسية في تعزيز تنافسية الدولة. ويؤكد أن جوهر التجربة الإماراتية يتمثل في تحويل المزايا الاقتصادية إلى قدرات مستدامة وقابلة للتراكم.

 

 

لم تعد الإمارات تتعامل مع الانفتاح التجاري بوصفه وسيلة لزيادة حركة السلع، بل أداة لإعادة تشكيل موقعها في الاقتصاد العالمي. فمن خلال اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة، ربطت سوقها باقتصادات محورية مثل الهند وتركيا وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وماليزيا وأستراليا ونيوزيلندا، في شبكة تجمع الأسواق واسعة الاستهلاك بمراكز الإنتاج والتقنية والبوابات الإقليمية.

 

ولا تقتصر وظيفة هذه الاتفاقيات على خفض الرسوم؛ فهي تشمل تبسيط الإجراءات الجمركية وقواعد المنشأ وتوسيع النفاذ إلى الخدمات والاستثمار والمشتريات الحكومية. وهنا يتجاوز الأثر زيادة التجارة القائمة؛ فاتساع السوق الخارجية يرفع جدوى توسيع الإنتاج داخل الإمارات، فيما يمنح المستثمر إمكانية اتخاذ الدولة قاعدة للإنتاج والخدمات والوصول منها إلى أسواق الشركاء. وبذلك تصبح التجارة والاستثمار والإنتاج حلقات متصلة في صناعة القيمة.

 

وتكشف الأرقام حجم التحول؛ فقد بلغت التجارة الخارجية غير النفطية 2.997 تريليون درهم في 2024، والصادرات غير النفطية 561.2 مليار درهم بنمو 27.6%، بينما بلغت الصادرات إلى الدول المشمولة باتفاقيات الشراكة 135 مليار درهم بنمو 42.3%. وفي النصف الأول من 2026 وحده، سجلت التجارة غير النفطية 1.937 تريليون درهم، والصادرات غير النفطية مستوى تاريخياً بلغ 452.8 مليار درهم. والدلالة الأهم أن النمو بات يرتبط بصورة متزايدة بالإنتاج الوطني والتصدير والقيمة المضافة، مع استمرار أهمية إعادة التصدير.

 

لكن فتح الأسواق لا يصنع هذه النتائج منفرداً؛ فالميزة التجارية تحتاج إلى قدرة تمكّن الاقتصاد من استثمارها. لذلك تزامنت الاتفاقيات مع تطوير الموانئ والمطارات والخدمات اللوجستية والأنظمة الجمركية الرقمية والخدمات المالية والمناطق الاقتصادية. وهكذا تحولت قيمة الموقع من مجرد جغرافيا للعبور إلى بنية لإدارة التدفقات وسلاسل التوريد وربط الأسواق.

 

ويظهر المسار نفسه في حركة رأس المال. ففي 2025 استقطبت الإمارات 177.3 مليار درهم من الاستثمار الأجنبي المباشر، وتقدمت إلى المرتبة التاسعة عالمياً في التدفقات الواردة، وحافظت على المرتبة الثانية عالمياً في عدد مشروعات الاستثمار الأجنبي الجديدة، بإجمالي 1,562 مشروعاً. غير أن التطور الأهم لم يعد في حجم رأس المال وحده، بل في نوعه ووظيفته وقدرته على بناء أصول جديدة للاقتصاد.

 

ومن هنا يأتي التوجه نحو الذكاء الاصطناعي والحوسبة المتقدمة ومراكز البيانات. فالدولة لا تكتفي بجذب شركات التقنية، بل تعمل على بناء السوق التي تحتاجها، بما في ذلك استخدام الجهات الحكومية والمؤسساتية بوصفها عميلاً مبكراً للحلول الجديدة. كما توفر مبادرة NextGen FDI للشركات التقنية مساراً يجمع التأسيس والخدمات المصرفية واستقدام الكفاءات والبنية السحابية، بما يحول جذب الاستثمار من حوافز منفردة إلى بيئة تشغيل متكاملة.

 

ويواكب ذلك بناء البنية المادية لاقتصاد المستقبل؛ ففي 2025 أُعلن عن مركز بيانات فائق النطاق بقيمة ملياري درهم، فيما تستهدف استراتيجية الطاقة رفع القدرة المركبة للطاقة النظيفة إلى 19.8 جيجاوات وتعبئة استثمارات بين 150 و200 مليار درهم. وهنا لا تعود الطاقة النظيفة ملفاً بيئياً منفصلاً، بل أحد شروط بناء اقتصاد رقمي وصناعي أكثر قدرة على المنافسة.

 

ويكتمل هذا البناء بالإصلاح المؤسسي؛ فالسماح بالتملك الأجنبي بنسبة 100% في معظم الأنشطة الاقتصادية، إلى جانب المناطق المتخصصة والتأشيرات طويلة الأمد ورقمنة الخدمات وتطوير قوانين المنافسة والملكية الفكرية، أسهم في صناعة ما يمكن تسميته «اليقين التشغيلي»: وضوح الحقوق والقدرة على إدارة رأس المال والكفاءات والملكية الفكرية والتوسع ضمن بيئة مستقرة.

 

هكذا تتضح بنية النموذج: فتح الأسواق يوسّع جدوى الإنتاج، والبنية اللوجستية تحول النفاذ التجاري إلى قدرة فعلية، والبيئة المؤسسية تجذب رأس المال، والاستثمار النوعي يبني التقنية والطاقة، فتتولد قيمة جديدة تعزز بدورها القدرة على الإنتاج والتصدير والمنافسة.

 

ومن منظور اقتصاد القدرة، تكمن دلالة التجربة في أنها لم تكتفِ باستثمار ما تملكه من موقع ورأس مال وانفتاح، بل عملت على تحويل هذه المزايا إلى قدرات قابلة للتراكم وإعادة إنتاج القيمة.

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com