حين تتحول الجغرافيا إلى صناعة.. الإمارات تبني اقتصاد القيمة المضافة
بقلم: جمال الجروان، الأمين العام الأسبق لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج،
((ملخص المقال))
يستعرض جمال الجروان، الأمين العام الأسبق لمجلس الإمارات للمستثمرين بالخارج، كيف توظف الإمارات قوتها اللوجستية وموقعها الجغرافي لبناء قاعدة صناعية أكثر تنافسية. ويركز على تكامل توطين الصناعة ومشروع 300 مليار لتعزيز القيمة المضافة المحلية، وتطوير سلاسل التوريد، وجذب الاستثمارات النوعية. ويخلص إلى أن الإمارات تنتقل من كونها مركزاً لمرور التجارة إلى شريك في إنتاجها وصناعة قيمتها.
لم تعد الإمارات تنظر إلى الموانئ والخدمات اللوجستية باعتبارها مجرد بنية تحتية لنقل البضائع، وإنما باعتبارها منصة اقتصادية تربط بين الإنتاج والتجارة والاستثمار. فالموقع الجغرافي للدولة، مدعوماً بشبكة متطورة من الموانئ والمطارات والمناطق الحرة، منحها موقعاً متقدماً على خريطة حركة التجارة العالمية، وجعلها نقطة ربط رئيسية بين أسواق آسيا وأفريقيا وأوروبا.
وتعزز شركات إماراتية عالمية، مثل موانئ دبي العالمية، هذا الحضور من خلال توسيع شبكاتها خارج الدولة وربط الأسواق ومراكز الإنتاج، بما يدعم مكانة الإمارات كمركز عالمي لسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية.
لكن الطموح الإماراتي يتجاوز أن تكون الدولة محطة لمرور السلع؛ فالهدف هو تحويل هذه الميزة اللوجستية إلى قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني، عبر توطين الصناعة وزيادة المكوّن المحلي في المنتجات وسلاسل التوريد.
وهنا تبرز سياسات دعم التصنيع المحلي، وجذب الصناعات المتقدمة، وتطوير سلاسل التوريد الوطنية، وتشجيع الشركات على شراء المنتجات والخدمات الإماراتية. فالانتقال من استيراد المنتجات وإعادة تصديرها إلى تصنيع جزء أكبر منها داخل الدولة يعني الاحتفاظ بحصة أكبر من القيمة المضافة ورأس المال والوظائف والمعرفة والتكنولوجيا داخل الاقتصاد.
ويمثل مشروع «300 مليار» الإطار الاستراتيجي لهذا التحول، من خلال استهداف رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 300 مليار درهم بحلول عام 2031، بما يعكس توجهاً واضحاً نحو بناء قاعدة صناعية أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة.
وبذلك تتكامل ثلاثة مسارات رئيسية: اللوجستيات تفتح الأسواق، وتوطين الصناعة يصنع القيمة، ومشروع «300 مليار» يوفر الرؤية الاستراتيجية طويلة الأجل. والنتيجة هي نموذج اقتصادي لا يكتفي باستثمار الموقع الجغرافي للدولة، بل يعمل على تحويله إلى ميزة صناعية واستثمارية مستدامة.
الإمارات لا تريد أن تكون فقط ممراً للبضائع بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، بل تريد أن تكون جزءاً من عملية إنتاج هذه البضائع وإضافة القيمة إليها
ومن هذا المنظور، تصبح البنية اللوجستية أكثر من مجرد وسيلة للنقل؛ فهي قاعدة لربط المصانع بالأسواق، والمستثمرين بسلاسل التوريد، والمنتجات المحلية بالأسواق العالمية.
كما أن زيادة المكوّن المحلي لا تعني فقط رفع نسبة التصنيع داخل الدولة، وإنما تعميق سلاسل التوريد الوطنية، وتعزيز نقل المعرفة والتكنولوجيا، وخلق فرص جديدة للقطاع الخاص، وتقليل تعرض الاقتصاد للصدمات الخارجية.
وكلما ارتفعت القدرة على إنتاج السلع ومكوناتها محلياً، زادت القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد داخل حدوده، وتحولت الإمارات تدريجياً من مركز عالمي للتجارة والعبور إلى منصة متكاملة تجمع التجارة واللوجستيات والتصنيع والتكنولوجيا والاستثمار.
التعليقات مغلقة.